بيان الكتب: تحتل كتب الحوادث اليومية مكانة مرموقة بين كتب الاصول التاريخية لما لها من صبغة شائقة ممتعة للقراءة ومفيدة للبحث والدراسة. وهذه الكتب تتناول تسجيل الوقوعات اليومية والحوادث الفردية والجماعية لمجتمع مدينة ما، على صعيد الهيئتين الحاكمة والمحكومة، فتراها تقدم صورة حية وصادقة عن حياة مجتمع هذه المدينة وحركته السياسية والاقتصادية وحوادثه وغرائبه وطرائفه، وحتى ما يتصل بتقلبات الطبيعة من امطار وثلوج وطوفانات، وكوارث كالزلازل والحرائق، وتلمح فيها فوق ذلك وصفا وافيا للعادات والتقاليد ولأنماط الحياة السائدة في الفترة التي يغطيها الكتاب. وقد حظيت مدينة دمشق بنصيب وافر من المؤلفات التاريخية المبنية على اسلوب اليوميات، لعل ابرزها كان المذكرات اليومية الثمينة التي دونها لنا الحلاق الدمشقي احمد البربري في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، والتي اشتهرت بعنوان (حوادث دمشق اليومية). وكان كتاب (مفاكهة الخلان في حوادث الزمان) للمؤرخ الدمشقي الشهير محمد بن طولون الصالحي قد صدر في مصر بين عامي 1962 ـ 1964 بتحقيق الباحث المصري محمد مصطفى، وهو يؤرخ لنصف قرن من حياة دمشق، ما بين شطرين متميزين ومتباينين من تاريخها، هما أواخر عهد الدولة المملوكية ومطلع حكم الدولة العثمانية، لكن ما نشر من الكتاب الاصل لا يمثل سوى بعض من نصفه الاول فقط، بين عامي 884 ـ 926هـ مع خروم شتى تكتنف متنه. وأما النصف الآخر، الذي يغطي الربع الثاني من القرن العاشر الهجري، خلال باكورة حكم بني عثمان للشام في عهد السلطان سليمان القانوني، والذي يمثل زبدة الكتاب وقيمته الحقيقية، فقد ضاع من الاصل المخطوط. والكتاب الذي بين ايدينا محاولة لاستكمال كتاب المفاكهة الآنف، قام بتحقيقه الباحث احمد ايبش، من خلال عدد من الشذرات والنصوص عثر عليها فيما يزيد على اثني عشر مصدرا مخطوطا في مكتبة برلين بألمانيا الغربية. وهذه الصفحات المفقودة من كتاب مفاكهة الخلان تعد المصدر الاول لتاريخ مدينة دمشق في مطلع حكم بني عثمان لها وذلك بين سنتي 926 ـ 951هـ وهي فترة مضطربة وغامضة المعالم، لم تصلنا عنها مصادر ووثائق كافية، كما انها تلقي اضواء على ملابسات ثورة جان بردي الغزالي وهي الثورة الاولى التي تقوم في وجه الفاتحين العثمانيين بالشام، وكيف تم اخمادها بالقوة. ومن الممتع للقاريء ان ينتقل عبر صفحات هذا الكتاب الى ماضي دمشق قبل 500 عام فيعيش معه مشاهد للحياة اليومية للمجتمع الدمشقي بين حكامه وعلمائه واعيانه وعوامه وشتى حوادثه من صغيرة وكبيرة ويلمح فيه طائفة من الوقائع والعادات والتعابير التي حفظت لنا بعضها القرون واندثر بعضها الاخر. ويقدم المحقق للكتاب بتأريخ لظهور الدولة العثمانية وبداية توسعها واسباب الفتوحات في البلاد العربية، ثم بحديث عن الفتح العثماني للشام وتوطيد السلطة العثمانية فيها ثم يتحدث عن الحوادث اليومية كمصادر لتاريخ الشام في مطلع العهد العثماني بالقرن العاشر الهجري ومن المصادر الخطية للحوادث يتناول المحقق بالنظر والتحليل كلا من الاثار التالية: 1ـ المذكرات اليومية لابن طوق الدمشقي الجيرودي الاصل (توفى 915 ه). 2ـ تذكرة الاخوان في حوادث الزمان لمؤلفها محيي الدين عبدالقادر بن محمد النعيمي (توفي 927 ه). 3ـ حوادث الزمان ووفيات الاعيان من الشيوخ والاقران لمؤلفها شهاب الدين احمد بن محمد الانصاري الحمصي (توفى 934 ه). 4ـ مفاكهة الخلان في حوادث الزمان لمؤلفها ابن طولون الصالحي الدمشقي (توفي 953 ه). 5ـ الروض العاطر فيما تيسر من اخبار القرن السابع الى ختام القرن العاشر، لمؤلفها شرف الدين موسى بن يوسف الايوبي الانصاري (توفي 1003 ه). 6ـ نزهة الخاطر وبهجة الناظر لمؤلفها الايوبي نفسه. 7ـ يوميات محمد بن داوود المقدسي (لم يعثر على المخطوط). وهذه المصادر السبعة، اضافة الى كتاب الباشات والقضاة لابن جمعة المقار 922 ـ 1165 ه، تتضافر لتقدم لنا صورة شبه كاملة عن حوادث دمشق اليومية في القرن العاشر الهجري، وعلاقاتها بالولايات المجاورة. ويتلو ذلك ترجمة كاملة لمؤلف المخطوط ابن طولون الصالحي الدمشقي وذكر لاسرته وتعليمه واساتذته وتلامذته ومن ثم مؤلفاته الغزيرة في التاريخ والتراجم وتواريخ المدن، والتي عد المحقق منها ثلاثة واربعين مؤلفا اما تاريخ دمشق فقد خصه بثلاثة عشر مؤلفا اضافة الى تعليقات اخرى كثيرة. ويقف المحقق عند كتابة (المفاكهة) فيبين قيمته التاريخية ويتحدث عن عمله في تحقيق الجزء الثاني منه كما يذكر مصادره في تجميع نصوص الكتاب. وينتهج ابن طولون خطة هيكلية في ايراد المعلومات في هذا الجزء الثاني المحقق، كما فعل في الجزء الأول، فيبدأ بذكر السنة بقوله: استهلت هذه السنة ب.. ثم ذكر الحوادث والوفيات مرتبة على الأيام. أما حول انطباعات ابن طولون وردود فعله على المستجدات السياسية والادارية التي حلت بمدينة دمشق، فنراه يأخذ جانب الحياد في نقد السلطات الحاكمة، معتبرا ذلك شيئا من التقوى، ومظهرا من مظاهر الالتزام الديني القاضي بطاعة الله الحاكم طالما كان على دين الاسلام، وفي ذلك لم تكن له جرأة نظيره المصري ابن اياس مثلا، حينما تناول بالنقد الحاد اللاذع مسلك السلطان سليم فاتح الشام ومصر. لكن ابن طولون يبدي في بعض الاحيان امتعاضه من بعض الممارسات الاباحية التي قامت بها السلطة العثمانية الحاكمة، مثل اقامة وال للعلوق (المخنثين)، وتخصيص الخان المنجكي لهم، أو احتفال الأروام بفتح جزيرة رودس وشربهم الخمر جهارا في أسواق دمشق، وزفة طهور والي القحب والعلوق التي حصلت فيها مناكر كثيرة حتى شرب الخمر على رؤوس الأشهاد. وتبدي اليوميات بوضوح انقسام سكان دمشق فيما يخص العلاقة بالسلطة العثمانية، ففي حين أبدت فئة من العلماء والاعيان والتجار الطاعة، واستساغت الترامي في أحضان الفاتحين الجدد، إذ وجدت في ذلك الواسطة لتحقيق الطموحات الوظيفية والمادية، أخذت فئة اخرى موقف الردع والوقوف في وجه التعديات والتجاوزات التي كانت تقع بين الفينة والأخرى. وعلى الرغم من ان العثمانيين أبدوا عسفا وظلما في بعض الاحيان، إلا انهم ما برحوا يقابلون باحترام خاص دمشق وأهلها، ويطلقون عليها اسم «شام شريف» على اعتبار شرفها وقدسيتها الدينية. وقد لوحظ من خلال اليوميات سرعة دمشق في الاندماج مع الحكام العثمانيين الجدد، وتداخل الدمشقيون بأركان الدولة في جميع المناحي من ادارية واقتصادية وعلمية ودينية، حتى من الناحية الاجتماعية لم يخل الأمر من مصاهرات بين الطرفين. وربما كان من الممتع في هذه اليوميات الاحاطة بالتاريخ الشعبي، ورصد حركات المجتمع بكافة فئاته الحاكمة والمحكومة، من ذلك ما ذكر من أخبار عن الحج واغارات البدو على قوافله، وأخبار عن تزيين دمشق في مناسبات انتصار الدولة في فتوح البلقان وجزر اليونان، وقتل الكلاب بدمشق، وحضور ابن سلطان الحرافيش، وقصة القطة الغبراء التي أرضعت جراء الكلاب، وحكاية المرأة التي قطعت ذكر زوجها، ووقوع أحد فعلة الأموي من سطحه. وقد أفادنا ابن طولون على صعيد التاريخ المدني والطبوغرافيا العمرانية، بذكر المساجد والمدارس والاسواق، وأشياء عن عمارة الابنية الرسمية، كدار السعادة واصطبلها، واقامة الغزالي لجسر متحرك لقلعة دمشق على مدخلها الشرقي الذي ينفتح على المدينة، وعمارة سوق القاضي بالقيمرية، والعمائر والدور الأخرى التي شيدها ابن الفرفور، وتجديده لمقام الشيخ أرسلان، وتجديد أهلة الأموي، ومسجد العمادي بالفراديس، وتربة لطفي باشا، وتربة احمد باشا، وتربة حسين نائب القلعة، بالاضافة لذكر عدة حرائق. اما على صعيد الحياة الاقتصادية فلم يفت ابن طولون هنا ان يتناول بالذكر بعض اوضاع الاسعار والغلاء، والنظم الاقتصادية الجديدة التي فرضها الحكام الجدد، كما يحدد مرارا مقادير رواتب الوظائف العلمية، وسيطرة الدفتر دار والمفتش «كاتب الولايات» وناظر النظار على المقدرات المالية للولاية. ونلمح في الكتاب الى ذلك رصدا مفيدا لبعض احوال الطقس والحوادث الطبيعية التي المت بدمشق، كذكره لهطول امطار غزيرة رافقتها صواعق، وهبوب زوبعة عظيمة، والطاعون الاكبر عام 930 ه، وطوفان كبير لنهر بردى، وهطول مطر غزير اسفر عنه هدم، وظهور مذنب كبير، وطاعون اخر عامي 939 ـ 940ه ومن اطرف الحوادث الاجتماعية الواردة في اليوميات الازمة الفقهية التي اثارها موضوع انتشار شرب القهوة وبدء شيوع المقاهي في دمشق وبلاد الشام والحجاز. ويروي ابن طولون اخبار هذه الازمة وما ولدته من خلاف بين علماء مكة ومصر حول تحليلها وتحريمها سنة 941 ه، ثم يضيف رأيه الشخصي: وانا ممن شربها ولم ير الضرر منها، والذي ادين الله به انها مباحة، وتحرم على من تضره او يضيف اليها ما يحرمها. وظهر في اليوميات طغيان استعمال المفردات والعبارات واسماء الاعلام التركية، واقوال الائمة والامثال والاشعار المناسبات وما الى ذلك من تراث ادبي يمثل روح الفترة والذوق العام للناس في المعاش والمأكل والملبس. وقد تضمن التحقيق جهدا كبيرا تمثل في حجم كبير من الهوامش والشروح التي تبين المصطلحات ومعاني المفردات التركية واسماء الاعلام والامكنة، وملابسات الحوادث التاريخية، وما غمض او التبس من المعاني والمقاصد، ومقارنات بين ما ورد في هذه اليوميات وما ورد في جزئها الاول وفي الكتب الاخرى التي تناولت الفترة ذاتها، وما الى ذلك، مما يعطي للعمل قيمة علمية تضاف الى جهود اخرى للمحقق في مجال الكتب والدراسات التي تناولت مدينة دمشق وأرخت لها، ومجموعة اخرى من الدراسات التاريخية والاثرية، والتي يتتابع صدورها ضمن حلقة اصدارات مهمة تعنى بالتراث الضائع والمنسي للمنطقة، تحت عنوان «اعادة استكشاف سورية» ويتلو الكتاب ملحق يضم صورا لمنمنمات دمشقية ونقشيات معدنية وخشبية ولوحات زيتية وفوتوغرافية تمثل جميعها المرحلة وجانبا من فتوحات واحداث التاريخ العثماني. ويختتم المؤلف هذه اليوميات بفهرس عام يضم اسماء الاعلام والاقوام والاماكن الواردة في متن الكتاب. محمد عبدالواسع