برنار لاهير هو باحث اثنولوجي معروف في فرنسا. وهو يدرس في هذا الكتاب أنماط التداخل بين ما هو اجتماعي وما هو ذاتي في سلوكيات الافراد. ان السمة الاساسية التي يحددها المؤلف للمرحلة الراهنة من تطور الانسانية تتمثل في سيادة «خطابين». يجد الاول منهما قاموسه واخلاقياته ومبادئه في العولمة. وهو خطاب انتجته الحداثة، والتكنولوجيات المتقدمة، وما نجم عنهما من مفاهيم السيادة والهيمنة. أما الخطاب الثاني فإنه يتركز على الفرد وعمله على اعتبار انه نتاج اجتماعي بالدرجة الاولى. ويحاول المؤلف من خلال دراساته وتحليلاته للحياة المدرسية ولأنماط السلوك الفردي في مختلف ميادين الحياة ان يثبت بأن «العالم الاجتماعي» هو بنفس الوقت «خارجنا» و«داخلنا». وبالتالي ينبغي لهذا العالم ان يكون احد الفروع الاساسية في العلوم الاجتماعية. وكان مؤلف هذا الكتاب قد طور هذه الفكرة في كتاب سابق له صدر عام 1998 تحت عنوان «الانسان متعدد المشارب». واذا كان مؤلف هذا الكتاب يطرح الكثير من الاسئلة حول «المعرفة السوسيولوجية» ويحاول الاجابة عنها فانه يقدم في هذا العمل أولا عدة نماذج حية ليقوم بـ «صورة تجريبية» بدراسة سلوكيات الجميع. هكذا يقوم بثمانية «تحقيقات» تشمل خمس نساء وستة رجال وبحيث تبدو للوهلة الاولى بأنه ليس هناك أية علاقة لهذه التحقيقات فيما بينها. ولكن الاشخاص المعنيين ينتمون الى نفس فئة السن ونفس الوسط الاجتماعي وبحيث يحاول المؤلف ان يحلل «دوافع سلوكهم» وطريقتهم في رؤية الاشياء والتصرف حيالها «في ميادين وسياقات مختلفة». إن دراسة هذه الحالات الثماني تحتل القسم الاكبر من الكتاب وحيث تتم دراسة مواقف كل حالة ـ شخص ـ منها حيال مواضيع اساسية مثل الاسرة والمدرسة والعمل والصداقة والصحة ... الخ. ويبدو في المحصلة بأنه اذا كان كل من الاشخاص المعنيين قادرا على توصيف ما قام به من أعمال، فإنه من النادر ان يكون أي فرد منه مدركا للمحددات الداخلية والخارجية التي كانت قد دفعته للتصرف بمثل هذه الطريقة أو تلك. ومن هنا تحديدا تطرح مشكلة التأقلم مع المحيط الاجتماعي الذي يعطي مفاهيمه وقيمه لهؤلاء الافراد. ويؤكد المؤلف بأن «البعد الاجتماعي» موجود، وحتى في الجوانب الاكثر ذاتية لدى كل فرد.. لكنه يؤكد بنفس الوقت بأن «السمات الفردية» تمتلك نصيبا من «المورثات». وفي النهاية اذا كان الفرد يعيش حالة صراع مستمر بين قوى، وقوى مضادة لها داخلية ـ سماته الشخصية ـ وخارجية ـ السياق الاجتماعي ـ فانه باستمرار بحالة تكون وتطور.. وهنا تحديدا يكمن هامش حريته