بيان الكتب:الان جوكس هو احد اهم علماء الاجتماع الفرنسيين المعاصرين بعد وفاة بيير بورديو منذ اشهر قليلة وهو ايضاً احد الباحثين المرموقين في ميدان المسائل الاستراتيجية. يعمل الان جوكس الآن استاذاً ومديراً للدراسات في المدرسة الفرنسية العليا للعلوم الاجتماعية كما انه رئيس المركز متعدد المشارب للبحوث حول السلام والدراسات الاستراتيجية، له عدة مؤلفات من اهمها «اميركا المرتزقة»، حرب الخليج والامبراطورية الاميركية و«رحلة الى منابع الحرب» و«دورة الردع 1945-1989».. الخ. في هذا الكتاب الجديد، امبراطورية الفوضى يطرح الان جوكس مشكلة مستقبل ما يسميه بـ «الامبراطورية الاميركية» وذلك انطلاقاً من سؤال جوهري يمكن صياغته كما يلي: «هل سلطة الولايات المتحدة هي اقتصادية خاصة ام عسكرية اساساً؟» وفي محاولة للاجابة عن مثل هذا السؤال يعود الان جوكس اولاً الى دراسة المرجعيات ـ المفاتيح الخاصة بأسس الدولة والجمهورية والامبراطورية في اعمال منظرين ومفكرين كبار من امثال مكيافيللي وهوبس وكلاوزفتس وبهذا المعنى يبتعد هذا الكتاب عن «الاحداث الجارية» في البداية على الاقل كي يهتم بـ «المفاهيم الاستراتيجية الاساسية». لكن اذا كان المؤلف يؤكد على ضرورة فهم الأسس النظرية للمبادئ الاستراتيجية فإنه ينكب في هذا الكتاب على دراسة التحولات التي عرفها العالم منذ حرب الخليج الاخيرة وهو يتوقع ان تعرف منطقة الشرق الاوسط حالة من الاضطراب باعتبارها ملتقى الشرق ـ الغرب ـ الشمال ـ الجنوب، انه يتحدث في هذا السياق عن «الظروف المشوشة لوصول جورج دبليو بوش الى رئاسة الولايات المتحدة الاميركية» وحيث يطلق عليه لقب «الرئيس النفطي». كما يتعرض لعملية تعطيل مسيرة السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني منذ انطلاق الانتفاضة الجديدة ويرى في تقدم الحلف الأطلسي باتجاه آسيا الوسطى عبر التفاهم الروسي الاطلسي عنصر اضطراب اضافي. ويمكن اعتبار هذا الكتاب ايضاً بأنه محصلة استراتيجية وسياسية للسنوات الاخيرة الممتدة منذ حرب الخليج عام 1991 وحتى مطلع عام 2002 ويركز المؤلف على دراسة الحرب البلقانية والحروب الصغيرة التي تزخر بها بلدان الجنوب ويلاحظ جوكس بأنه منذ سنوات الثمانينيات تتعاظم موجة العنف في افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية وفي منطقتي البلقان والقوقاز ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليؤكد محذراً بأن الامر لا يتعلق بـ «بربرية ثقافية» وانما هو نتيجة لسلوك مدروس من قبل «البلدان المسيطرة» التي تطرد نحو الجنوب موجة العنف وبحيث قد يمكنها ان تحقق ما لم تستطيع تحقيقه خلال حربين عالميتين بهذا التحليل يرفض الان جوكس التفسير السائد القائل بأن الماضي هو مصدر العنف الأساسي هكذا تم الحديث مثلاً عن حرب وحقد تعود اصولهما لقرون طويلة بين الصربيين والكرواتيين في البوسنة الامر الذي يعتبره المؤلف بمثابة مغالطة تاريخية بحتة. ان مؤلف هذا الكتاب يرفض بشدة اطروحة «العنف البربري» ذي الانتماء الثقافي وحصره بشعوب العالم الثالث بشكل عام وكأن اوروبا لم تعرف في تاريخها الحديث وحتى اواسط القرن العشرين اشرس اشكال العنف النازي او الاستعماري، «الحروب الاستعمارية» ويشير المؤلف بحق في هذا الصدد الى ان واقع وصف العنف بـ «الثقافي» انما يبعد عنه «اسبابه السياسية» مع ذلك ينبغي التأكيد على ان اسباباً سياسية وسوسيولوجية تكمن وراء الحروب الحالية. يقول المؤلف مؤكداً بالوقت نفسه بأن الانطلاق من هذا الموقع هو الذي وحده يسمح بتحديد المسئوليات وترقب السبل السياسية للوقاية من العنف. وما يحذر منه المؤلف بالدرجة الاول هو تعميم العنف اذ ان الاكثر سوءاً ممكن ايضاً وحيث تبدو هناك امكانيات عقلانية لانتشار العنف وصولاً الى بربرية شاملة. هذا ويحدد المؤلف عدة شروط للوصول الى مثل هذه الحالة وفي مقدمتها الاعتراف بالتفوق المطلق ودون قتال بسلطة مسيطرة وحيدة وهذا يعني بأنه لن يكون أمام المهزومين سوى العبودية او الابادة وحيث تتم ممارسة العنف بـ «دم بارد» وفي المحصلة يبدو العالم وكأنه يسير باتجاه حالة من الفوضى التي تدفع نحوها الليبرالية الجديدة التي تنتهجها الامبراطورية الاميركية. ان مثل هذه الحالة من الفوضى تدفع للاعتقاد بوجود نهج افضل يجده المؤلف في المنظومات والقيم الجمهورية التي تدخل معركة ضد الامبراطوريات ومن هنا جاء العنوان الفرعي للكتاب: «الجمهوريات في مواجهة السيطرة الاميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة». وضمن هذا الاطار يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «الامبراطورية الاميركية حاسوب الفوضى» كي ينتقل بعدها مباشرة للمطالبة بضرورة «المقاومة» وحيث ان «الجمهورية الاجتماعية» هي الصيغة الامثل لمقاومة الامبراطورية وتبدو اوروبا عامة وفرنسا خاصة في تحليلات المؤلف بأنها الاكثر تأهيلاً وتجهيزاً من اجل تنفيذ مثل هذا البرنامج وذلك شريطة ان تجعل من هذا البرنامج استراتيجية للمستقبل بدلاً من التقهقر نحو الاوطان الامبريالية التي عرفها القرن التاسع عشر، ويتم التأكيد في هذا السياق ايضاً على التمايز الكبير بين المشروع الامبراطوري الاميركي والمشاريع الجمهورية الاوروبية. ويقوم المؤلف على مدى صفحات عديدة من كتابه بعملية مقارنة بين الامبراطورية الليبرالية الجديدة الاميركية وبين النموذج الجمهوري الاجتماعي السائد في اوروبا، ان اسس النموذجين نفسها تتمايز وتختلف مرجعياتها ان النموذج الجمهوري قد شهد ولادته في انجلترا عام 1649 ثم تعزز عام 1688 ووجد تجسده من جديد في الولايات المتحدة خلال اعوام 1774-1777 ثم في فرنسا 1789-1793 ويتمثل اهم اسس الجمهورية في تحقيق السيادة الديمقراطية وبالمقابل كان جوهر الدولة باستمرار هو، وحتى يومنا هذا، الوقاية من الحروب ولكن الولايات المتحدة ترفض اليوم باعتبارها امبراطورية القيام بمهمة الحماية والوقاية من الحروب حيال اصدقائها والخاضعين لها. ان همها الاساسي هو ان تكون على رأس امبراطورية ولكن مع المحافظة على حدود العالم كما هي وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب بأن الاستراتيجية الاميركية تقوم على اساس تجنب مسئولية حماية مجتمعات الدول ـ الامم وكذلك على قمع اعراض اليأس التي تبرز هنا وهناك، وذلك بدلاً من التصدي لأسبابها لا يمكنها ـ اي مثل هذه الاستراتيجية ـ الا ان تؤدي الى الطريق المسدود او الى نظام عالمي معاد للديمقراطية. ان مثل هذا التوجه يجد بداياته في تحليلات الان جوكس في ظل الاستراتيجية ذات النزعات العالمية ـ الشمولية التي عرفتها ادارة الرئيس بيل كلينتون ثم تعززت اكثر فأكثر مع ادارة الرئيس جورج بوش الابن الحالية. وبالاضافة الى التحليلات المعمقة التي يقدمها جوكس حول استراتيجيات امبراطورية الفوضى منذ حرب الخليج وحتى اليوم فإنه يستعرض ايضاً الاسباب العميقة لما يسميه بـ «الحروب الصغيرة» التي تتفجر في امكنة عديدة من العالم وحيث يبدو ان الولايات المتحدة الاميركية ورغم قوتها وسلطتها ليست مهتمة فعلياً بالتواجد في العالم كله كي تفرض فيه النظام والسلام كما انها ليست مهتمة بتحقيق الحماية العامة لمواطني هذا العالم بالمقابل ان ما تسعى اليه يحدده الان جوكس بـ «البحث فقط عن تنظيم الفوضى فيه بواسطة تحالفات تفرضها الظروف بعيداً عن القانون الدولي» ان مثل هذه الاستراتيجية التي تتصدى لـ «الاعراض» وليس لـ «الاسباب الحقيقية» لمشاكل العالم والتي تتبنى سياسة العقاب ضد الجرائم الارهابية دون البحث عن بواعثها انما هي استراتيجية تخلق في كل مكان مسيرات سلام معطلة. وفي مواجهة مثل هذا الوضع يعلق الان جوكس من موقع المفكر الاستراتيجي اهمية كبيرة على قيام الجمهوريات في اوروبا مجتمعة بتنظيم نوع من المقاومة العالمية ضد امبراطورية الفوضى. امبراطورية الفوضى او مذبحة الضعفاء