بيان الكتب: يعتبر برنارد لويس احد اهم المستشرقين في الغرب المعاصر فكتبه ودراساته اشهر من نار على علم وقد ترجم بعضها الى اللغة العربية سابقا ولكن يؤخذ عليه تحيزه لوجهة النظر الصهيونية، بسبب اصوله اليهودية ربما. على الرغم من ذلك فلا احد يشكك في غزارة علمه وسعة اطلاعه وهو اصلا استاذ الدراسات الشرق اوسطية في جامعة برنستون بالولايات المتحدة الاميركية، ولكنه احيل على التقاعد مؤخرا. من اهم كتبه التي ظهرت سابقا نذكر «العرب في التاريخ» انبثاق تركيا الحديثة، اللغات او الخطابات السياسية للاسلام، كيف اكتشف المسلمون اوروبا؟ الشرق الاوسط: تاريخ مختصر للقرن العشرين المنصرم وفي كتابه الجديد هذا يقدم المؤلف نظرة شاملة عن وضع العرب في التاريخ منذ بداية الاسلام والصعود الحضاري وحتى نهايات القرن العشرين مرورا بعصور الانحطاط والاستعمار الطويلة (القرن الثالث عشر ـ القرن التاسع عشر) فالعرب كانوا اصحاب حضارة مجيدة طيلة القرون الستة الاولى للاسلام ثم ابتدأوا ينحدرون ويفقدون قيمتهم بالتدريج بعدئذ وعندما استفاقوا على وقع اقدام المستعمرين الاوروبيين في القرن التاسع عشر راحوا يتساءلون: لماذا حصل بنا ما حصل؟ لماذا اذا تدهورنا ودخلنا في عصور الانحطاط بعد ان كنا سادة العالم ورافعي مشعل الحضارة؟ لماذا تفوقت علينا اوروبا المسيحية بعد ان كنا نحن المتفوقين ونحن اصحاب العلم والفكر؟ اين يكمن وجه الخطأ والخلل يا ترى؟ هذه هي الاسئلة التي ما انفك المثقفون العرب يطرحونها على انفسهم طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين اي بعد ان احتلوا بأوروبا الحديثة ورأوا تفوقها عليهم في شتى المجالات من اجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية وعمرانية، الخ.. وهو السؤال نفسه الذي طرحه شكيب ارسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ لماذا بعد ان كانوا في مقدمة الشعوب اصبحوا في المؤخرة؟ ويعترف برنارد لويس بان عالم الاسلام كان في مقدمة الشعوب ولمدة قرون عديدة وكان يشكل اكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم ابان العصر الذهبي للخلافة العباسية. كما انه كان يتفوق على اوروبا وجميع النطاقات الحضارية الاخرى من حيث التقدم العلمي والفني والفلسفي والحضاري. وكان يحتقر اوروبا وينظر اليها بصفتها منطقة للجهل والظلامية والبربرية وبالتالي فليس عندها شيء لكي نستفيده منها او نتعلمه يضاف الى ذلك انها منطقة الكفر والكفار ولكن فجأة اصبحت اوروبا هي المتفوقة حضاريا وهي الغالبة عسكريا وهذا شيء صدم الوعي الاسلامي وبالاخص العربي في الصميم، ولم يعد احد يفهم لماذا حصل ذلك؟ لماذا انقلبت الامور عاليها سافلها؟ نعم لقد شعر العرب بالمرارة واللوعة لانهم هزموا حضاريا بعد ان كانوا الهازمين ولانهم تأخروا عن غيرهم بعد ان كانوا المتقدمين ولايزال هذا التساؤل يحز في انفسهم حتى هذه اللحظة بل انه يتخذ في الوقت الراهن صورة ابشع لان الدولة الاسرائيلية المزروعة في قلب الشرق الاوسط استطاعت ان تتغلب على العرب جميعا وترهبهم جميعا. نلاحظ ان كتاب برنارد لويس مؤلف من سبعة فصول ماعدا المقدمة والخاتمة يتحدث في الفصل الاول عن الدروس المستخلصة في ساحة المعركة التي جرت بين الامبراطورية العثمانية والقوى الاوروبية والتي انتهت بهزيمة الاولى وعندئذ راح المسلمون يتساءلون: اين يكمن موقع الخطأ؟ ماذا هزمنا امام اعدائنا التاريخيين؟ واما الفصل الثاني فيتخذ العنوان التالي: البحث عن الثروة والقوة والفصل الثالث: الحواجز الاجتماعية والثقافية والفصل الرابع: التحديث والمساواة الاجتماعية، والفصل الخامس: العلمنة والمجتمع الديني والفصل السادس: الزمان، والمكان، والحداثة والفصل السابع: جوانب من التغيرات الثقافية بالطبع فاننا لن نستطيع الخوض مفصلا في كل هذه الابواب لان ذلك يتطلب سلسلة من العروض المتتابعة لا عرضا واحدا ولكننا سنحاول ان نضع اليد على بعض المحاور والافكار الواردة في الكتاب، يرى برنارد لويس ان عرب الشرق الاوسط كانوا يشعرون عى مدار القرن العشرين بان الامور تتدهور اكثر فأكثر عندهم، فاذا ما قارنا عالم الاسلام بالعالم المسيحي الاوروبي المنافس له تاريخيا وجدنا انه فقير، ضعيف، جاهل وهذا ما يزيد من غضب المسلمين ومرارتهم بحسب رأي المؤلف فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين اصبح تفوق الغرب واضحاً في كافة المجالات. وقد حاول التحديثيون في العالم العربي اتباع خط الاصلاح أو خط الثورة للخروج من حالة التخلف بالقياس الى الغرب. وركزوا جهودهم على المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية بالدرجة الأولى. ولكن نتائج هذه الجهود لم تكن على مستوى الآمال والتوقعات، فالبحث عن الانتصار أدى الى هزائم مهينة بسبب عدم كفاءة الجيوش العربية أو عدم قدرتها على استخدام الاسلحة الحديثة. والبحث عن التنمية والتحديث. ولذلك اصبحت معظم مجتمعات الشرق الاوسط تعتمد إما على المساعدات الخارجية، وإما على الثروة النفطية فقط. ولكن هذه الثروة معرضة عاجلاً أو آجلاً إما الى النفاد وإما الى الاستبدال من قبل مصادر أخرى للطاقة. فعلى الرغم من ان التكنولوجيا الغربية هي التي تستخرج البترول وتصنّعه إلا ان الغرب أصبح واعياً بخطورة هذه المادة على المناخ الكوني، فهي تؤدي الى تلوث الجو بشكل غير مقبول، ولكن الاسوأ من كل ذلك هو ان البحث عن الحرية في العالم العربي أدى الى عكسه: أي المزيد من الاستبداد والقمع. ولم ينجح التحديث إلا في مجال واحد ربما هو مجال الأمن والانظمة البوليسية والمخابراتية البارعة في مراقبة الناس، وقد جربت النخب الحاكمة عدة وسائل لمعالجة الوضع: كبناء المصانع وفتح المدارس واقامة المجالس النيابية والتمثيلية. لكنها لم تؤد الى نتيجة ناجعة في نهاية المطاف. صحيح انها لعبت دور المهدئات أو المسكنات هنا وهناك ولكنها لم تستطع ان تردم الهوة السحيقة التي تفصل بين عالم الاسلام وعالم الغرب. فالتفوق ظل بمصلحة الدول الغربية. وهو تفوق كاسح في مختلف المجالات من عسكرية وصناعية وحضارية. لقد كان العالم الاسلامي لمدة قرون عديدة غنياً وقوياً، فأصبح في القرن العشرين ضعيفاً وفقيراً. وبدلاً من انه كان يقود العالم حضارياً، أصبح مغلوباً على أمره وتابعاً للغرب، وهذا هو سبب شعور المسلمين بالمهانة ورغبتهم في الانتقام، بل ولم يعد العالم العربي يمثل التابع الأول للغرب وإنما تابع التابعين! فالتابع الأول هو تلك الدول النامية والمصنعة في شرق آسيا والتي تدعى بالنمور الآسيوية. وأكثر شيء آلم العرب هو نجاح اليابان في نهضتها وسيطرتها على التكنولوجيا الحديثة وفشلهم هم في ذلك، صحيح ان نجاح اليابان في كسر الاحتكار الغربي للحضارة أشعل الأمل في قلوب العرب والمسلمين الذين قالوا بينهم وبين أنفسهم: إذا كانت اليابان قد نجحت في السيطرة على الحداثة والتكنولوجيا المعقدة فسوف يجيء دورنا حتماً لاحقاً، ولكنهم في ذات الوقت شعروا بالاحباط والفشل لأن اليابان سبقتهم الى ذلك على الرغم من ان نهضتها ابتدأت في القرن التاسع عشر بعد نهضتهم. ثم يواصل برنارد لويس تحليله للوضع قائلا: ان العرب يتساءلون: لماذا حصل لنا ما يحصل؟ من فعل بنا ذلك؟ لماذا تردّت أوضاعنا الى مثل هذا الحد؟ بالطبع فإن أول جواب يخطر على بال المرء هو ان يتهم الآخرين ويعتبرهم سبب مصائبه. وكان المسلمون لفترة طويلة يتهمون المغول بأنهم سبب انهيار الحضارة العربية الاسلامية الكلاسيكية، حضارة العصر الذهبي. ولكن بعض المؤرخين من مسلمين وغيرهم يجدون هذه المحاجة ضعيفة ويقولون بأن بعض الانجازات الثقافية العظيمة التي شهدها العالم الاسلامي وبخاصة في ايران حصلت بعد الغزو المغولي لا قبله. ثم هناك نقطة أخرى تتمثل فيما يلي: كيف أمكن لعصابات من البدو الرحل ان تهدم الحضارة العباسية لولا ان هذه الحضارة كانت قد أصبحت ضعيفة ذاتيا وقابلة للهدم؟ بعد ذلك أصبح العرب يتهمون الاتراك بأنهم سبب التخلف والانحطاط الذي أصاب العالم العربي، لكن الأتراك يردون عليهم الصاع صاعين ويقولون بأن سبب جمود حضارتهم عائد الى الثقل الميت للماضي العربي الذي شلّ طاقات الشعب التركي ومنعه من التقدم. هذا ما قاله مصطفى كمال أتاتورك وجماعته لكي يبرروا انفصال تركيا عن اللغة العربية والتراث الاسلامي. وأما الايرانيون فيتهمون العرب والاتراك والمغول بأنهم سبب انهيار حضارتهم الساسانية المجيدة.. وفي العصور الحديثة أصبح الجميع ـ العرب بشكل خاص ـ يلقون التبعة والمسئولية على الاستعمار الاوروبي. فهم يعتقدون انه لولا الاستعمار والضغط الغربي لتقدمت المجتمعات العربية ونجحت في انطلاقتها الحضارية. افتح هنا قوساً وأقول بأن برنارد لويس يحاول بأي شكل تبرئة الغرب واسرائيل من تهمة عرقلة المشروع الحضاري العربي. وهذا موقف غير مفهوم من قبل عالم كبير كبرنارد لويس! فأصغر باحث في العلوم السياسية يعرف انه لولا زرع دولة اسرائيل في قلب الشرق الاوسط فكان العالم العربي كرس كل جهوده للتنمية وليس لشراء الاسلحة. اصغر مفكر يعرف ان المواجهة مستمرة منذ اكثر من نصف قرن مع اسرائيل والقوى الكبرى التي تقف وراءها كلف العالم العربي معظم ثرواته وامكانياته. ولو ان هذه الثروات والامكانيات وجهت للتنمية الزراعية والصناعية بدلا من شراء الدبابات والمدافع والطائرات لأدت الى تحويل العالم العربي الى جنات وارفة الظلال. وبالتالي فلا أفهم لماذا يريد برنارد لويس بأي شكل تبرئة الغرب واسرائيل عن مسئولية تخلف العالم العربي! اين هي الموضوعية والرصانة التي يتحلى بها استاذ جامعة برنستون؟ ثم لماذا ينساها تماما عندما يصل الى النقطة الحساسة: انشاء دولة اسرائيل؟ لماذا لا يقول كلمة واحدة عن معاناة الشعب الفلسطيني والاجحاف التاريخي الذي لحق به من جراء هذا الانشاء؟ هنا تنتهي موضوعية برنارد لويس تماما! نحن لا نقول هذا الكلام لتبرئة انفسنا من مسئولية التخلف والانحطاط. كما يفعل الايديولوجيون والديماغوجيون ولكن التحليل الموضوعي يثبت ان اسباب التخلف خارجية بقدر ما هي داخلية مهما يكن من امر فسوف نحاول مواصلة تحليل الوضع مع برنارد لويس. يقول بما معناه: ان الغرب هيمن سياسيا على العالم العربي طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين. كما انه تغلغل فيه اقتصاديا، ثم ما هو اخطر من ذلك واكثر عمقا وديمومة التغلغل الثقافي. وأدى كل ذلك الى تغيير وجه المنطقة وتحويل حياة شعوبها في اتجاه جديد لم يكن معروفا من قبل ولكن الاستعمار الانجليزي ـ الفرنسي كان قصيرا بالقياس الى الاستعمار التركي او العثماني الذي استمر اربعة قرون ثم انه انتهى عمليا منذ نصف قرن. هنا نلاحظ ان برنارد لويس لا يتحدث عن الاستعمار الجديد او غير المباشر ولكن لا يهم» فلنتابع معه التحليل في النهاية يقول مردفا: ان تردي الاوضاع في العالم العربي كان موجودا قبل مجيء الاستعمار الاوروبي ثم استمر بعده. وهذا صحيح. ولكن ذلك لا يلغي مسئولية الغرب، وهنا يكمن اختلافنا مع السيد برنارد لويس. ثم يخلص المؤلف الى النتيجة التالية: وهي ان القوة الشريرة بالنسبة للعرب والتي حلت محل الاستعمار الانجليزي ـ الفرنسي هي اميركا بالطبع فقد اصبحت قائدة الغرب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. اصبحت تشكل الامبريالية المهيمنة بالنسبة للعالم الاسلامي ككل. ولكن اسباب تخلف دول الشرق الاوسط ومجتمعاته في رأي برنارد لويس تظل داخلية وليست خارجية. وبالتالي فعلى العرب ان يكفوا عن اتهام الغزو المغولي، او الهيمنة العثمانية او الاستعمار الاوروبي، الامبريالية الاميركية.. فلو لم يكن العرب ضعفاء اصلا لما استعمرهم احد! وبالتالي فالمسئولية تقع على كاهلهم لا على كاهل الآخرين ولكن البعض يلقي بالمسئولية على اليهود ويقول بأنهم سبب بلاء منطقة الشرق الاوسط. وهذا ما يرفضه برنار لويس رفضا باتا بل ويعتبره جزءا من معاداة السامية فاليهود كانوا دائما اقلية في المجتمعات الاسلامية كما المجتمعات المسيحية الاوروبية. ولكنه يعترف بانهم عوملوا عندنا بطريقة افضل وأكثر تسامحا مما عوملوا في بلدان اوروبا. وهذه نقطة موضوعية تسجل لصالح برنار لويس. لقد ظل الامر على هذا النحو حتى ظهرت فكرة التسامح في اوروبا بعد انتشار الفلسفة العقلانية والتنويرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. أخيرا يمكن القول بأن كتاب برنار لويس سوف يسيل حبرا كثيرا في الصحافة العالمية نظرا لأهمية مؤلفه وشهرته. والواقع انه كان صريحا مع العرب والمسلمين في نهاية الكتاب عندما طلب منهم ان يتحملوا مسئوليتهم تجاه الوضع المتردي الذي حل بهم فقد قال بما معناه: لا ينبغي بعد اليوم ان تطرحوا هذا السؤال: من فعل بنا هذا؟ من اوصلنا الى حالة التخلف هذه، وانما ينبغي ان تطرحوا السؤال التالي: ماذا فعلنا بأنفسنا حتى وصلنا الى ماوصلنا اليه؟ ما هي الاخطاء التي ارتكبناها حتى ساءت اوضاعنا الى هذه الدرجة؟ وكيف يمكن لنا ان نصلح الوضع ونخرج من حالة الانحطاط التي نتخبط فيها؟ انه لمن الاسف ان تكون الحضارة الاسلامية التي هي من اعظم الحضارات التي شهدها التاريخ البشري قد ادت الى توليد اشخاص من امثال بن لادن والطالبان. فأين تكمن العلة يا ترى؟ ولماذا تأخر العالم الاسلامي بعد ان كان متقدما؟ لا يوجد الا جواب واحد عن هذا السؤال في نظر المفكر الغربي المتعود على جو الحرية السائد في الغرب: انه فقدان الحرية منذ زمن طويل لم يعرف العالم العربي ولا الاسلامي طعم الحرية. فالمسلم او العربي لا يستطيع ان يفكر بحرية في الحالة الراهنة للأمور واذا ما أراد ذلك فعليه ان يهاجر الى الغرب، الى بلدان أوروبا او امريكا فهناك ضغوط عقائدية وايديولوجية تضغط على عقله وتشله شللا في كل المجتمعات الاسلامية تقريبا وان بدرجات متفاوتة بالطبع ولا توجد حرية اقتصادية ايضا. اقصد بأن الاقتصاد هناك؛ يعاني من اساليب الفساد والرشوى العميمة في هذه المجتمعات ولا توجد حرية للمرأة تجاه الرجل، ولا حرية للمواطنين تجاه الانظمة الاستبدادية. فهناك نقص في الحرية على كافة الاصعدة والمستويات. بل وهناك انعدام للحرية السياسية. وهنا تكمن علة العلل بالنسبة للعالم العربي والاسلامي وهذا هو سبب تخلفه بالقياس الى العالم الغربي