بيان الكتب: سكوت بترسون، مؤلف هذا الكتاب هو المراسل الروسي لمجلة «ذا كريستيان سيانس مونيتور» وهو ايضا مصور صحفي شهير حيث نشرت اشهر المجلات والدوريات العالمية صورا كان قد التقطها في العديد من مناطق العالم. هكذا نشرت «التايم» و«نيوزويك» و«لايف» و«نيويورك تايمز ماجازين» و«هاربرز» تحقيقات مصورة له عن العديد من النزاعات التي شهدها العالم خلال العقدين المنصرمين. هذا الكتاب «انا ضد اخي» يخص تجربة المؤلف الافريقية حيث عايش عن قرب النزاعات المسلحة التي عرفتها بلدان ثلاثة هي الصومال والسودان ورواندة.. اما عنوان هذا العمل فهو مأخوذ من مثل شعبي صومالي يقول: «انا وقبيلتي ضد العالم وانا وعشيرتي ضد قبيلتي، وأنا وأهلي ضد عشيرتي، وأنا وأخي ضد عائلتي، وأنا ضد اخي». على اساس هذا المثل الصومالي يحلل المؤلف في الواقع مختلف النزاعات موضوع الكتاب. ذلك ان مثل هذا المثل يدل في واقع الامر على غياب بنى الدولة الحديثة، وخاصة بالنسبة لحالتي الصومال ورواندة هذا الى جانب هشاشة بنى المجتمع المدني والاحساس بالمواطنة.. ومقابل هذا كله هناك سلم اولويات يعتمد على التراتبية التقليدية بشكل اساسي وسيادة طقوس الدم على صعيدي القرابة والعداوة ايضا. ويمثل هذا الكتاب في احد ابعاده الاساسية شهادة شخصية عن الواقع الافريقي وعن الحرب في افريقيا التي عايشها وعاشها بكل انفعالاته الانسانية وحيث لا تزال بعض بؤر الحرب مشتعلة بينما خمد بعضها ليظل كامنا تحت الرماد ويهدد بالانطلاق في اية لحظة. ان اجيالا افريقية كاملة عانت من فظاعات الحرب باستمرار منذ الحرب العالمية الاولى وحتى الآن. وقد كانت الحروب الاهلية التي شهدها المؤلف مادة ليوميات كتبها لتعود بدورها فيما بعد مادة لهذا العمل فيقول المولف: لقد عرفت افريقيا باستمرار العنف والحروب وارتوى ترابها باستمرار من دماء ابنائها لكن المؤلف وبالاضافة الى هذا الرأي ذي الطبيعة المأساوية، يرى بان النزاعات والحروب الاهلية التي شهدتها السفارة السوداء خلال السنوات العشر الاخيرة هي من بين «الاكثر سواءاً والأكثر سفكا للدماء» الامر الذي يدل عليه بوضوح المذابح التي شهدتها رواندة في صيف عام 1994 والتي ذهب ضحيتها حوالي مليون قتيل في نزاع تناحرت فيه قبيلتا الهوتو والتوتسي وجرى فيه القتل على قاعدة الانتماء لهذه القبيلة أو تلك. ومع مطلع عقد التسعينيات ونهاية فترة الحرب الباردة اثر انهيار جدار برلين عام 1989 وما تبعه من انهيارات متلاحقة للمنظومة الشيوعية برزت في افريقيا، كما في بقية بلدان العالم ومناطقه، نزعة «تفاؤلية» بمستقبل افريقي يسوده السلام والديمقراطية. ويرى المؤلف بأن القائد الافريقي «نيلسون مانديلا» مثل تجسيدا لأحلام القارة السوداء، وهو الذي خرج من السجن الطويل كي يصبح زعيما لأول نظام ديمقراطي في دولة افريقية بعد عقود طويلة من نظام التمييز العنصري الذي عرفته بلاده «جنوب افريقيا». وفي أريتريا أيضا يطرح الرئيس الجديد ـ المتمرد السابق ـ نفسه تضامنا للاستقلال ولوضع حد نهائي للحرب في منطقة القرن الافريقي. لكن بعض نقاط «الضوء» من التجربة الافريقية «السوداء» خلال السنوات الأخيرة ـ العقد الأخير ـ لا تمنع واقع ان الاحلام التي أثارها ووعد بها النظام الدولي الجديد قد تبدّت بأنها ليست أكثر من «أوهام» في العديد من البلدان الافريقية ذلك ان الفوضى والمجاعة ضربا الصومال، واكتملت المأساة مع نشوب حرب أهلية على قاعدة الصراع على السلطة، كما يشرح المؤلف على مدى فصل كامل من الكتاب، وحروب أهلية في ليبيريا وبروندي ورواندة والسودان. ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليركز على مدى فظاعة «المذابح» التي عرفتها رواندة. وفي جميع هذه النزاعات كان السواد الأعظم من الضحايا هم من المدنيين. وضمن هذا السياق يرى المؤلف بأن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كان له آثاره المباشرة على انطلاق موجة جديدة من العنف في افريقيا، وذلك لأن التوازنات السياسية كانت قد لعبت دورا في استمرار الأوضاع على ما كانت عليه. لكن موجة الانهيار وصلت الى افريقيا وكان السقوط أحيانا هائلا بسبب «هشاشة الانظمة السياسية الافريقية»، وهذا ما عبرت عنه بوضوح ايضا حالتا رواندة والصومال. وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على وجود سمات تميز كل حالة من حالات الصراع في رواندة والصومال والسودان ـ الحالات المدروسة ـ فإنه يقول في الوقت نفسه بوجود عدد من النقاط المشتركة العسكرية والانسانية والروحانية ايضا، بين جميع هذه الحالات وبينها وبين بقية النزاعات على صعيد القارة السوداء كلها. ان البؤس يوحد الارضية التي قامت وتقوم عليها هذه النزاعات، يقول المؤلف. ما يبدو بوضوح في هذا الكتاب ـ وما يؤكده المؤلف ايضا ـ هو ان الهدف من هذا العمل هو اثارة حساسية العالم حيال ما يجري فوق العديد من مناطق الأرض الافريقية وليس على الطريقة «السياحية» المعهودة التي تركز على جمال القارة، غاباتها ودروبها ووسط الأدغال ومغامراتها على الطريقة «الطرزانية» وحيواناتها وجمالها الاستثنائي. انه باختصار «كتاب حول المآسي الافريقية على المستوى الانساني وما يمكن أن يترتب عليها في افق المستقبل».. وعلى هذه القاعدة يمثل هذا العمل دعوة للغرب كله كي يهتم بافريقيا بشكل حقيقي ومن موقع المسئولية ... وفي أفق «المصلحة الغربية» ذاتها لان استمرار الأوضاع القائمة على ما هي عليه من البؤس والتهميش يمكن أن يترتب عليه نتائج مأساوية، وليس على المستوى الافريقي فقط، وإنما أيضا على مستوى العالم الذي تنتمي، أو ينبغي أن تنتمي، له هذه القارة «المنسية». «هذا كتاب عن الحالات المتطرفة في افريقيا» يقول المؤلف: انها حالات «متطرفة» ولكنها موجودة في الواقع ويمكن أن تنتشر وتتعمم لان اسبابها ومقوماتها لا تزال موجودة بل انها تزداد خطورة. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في الحديث عن وجود «جرائم حرب» يتم اقترافها في افريقيا ودون أن يثير ذلك انتباها أو اهتماما حقيقيا من قبل العالم «المتحدث».. ان النزاع في رواندة خلال صيف 1994 ظل خارج دائرة الاهتمام الغربي الى اللحظة التي اهتمت فيها عدسات التلفزة بما يجري في تلك البلاد ليبدي العالم «فجأة» انشغاله وليتم ارسال قوات دولية سريعا.. وفي النهاية ليتم وضع حد نهائي لحرب اهلية كان يمكن في الواقع منع وقوعها.. او ايقافها بعد اندلاعها و«توفير» مئات الآلاف من الضحايا. من جهة أخرى، إذا كان مؤلف هذا الكتاب قد قام بتسجيل العديد من الوقائع التي خبرها أو كان «شاهدا» عليها، فإنه ليس كتاب «مذكرات» تروي «قصص الحرب» وانما هو في أحد أبعاده الرئيسية كتاب توثيقي عن «جرائم الحرب» وعن الآليات التي تدفع الشعوب المعنية بها الى «اقترافها». ويحرص المؤلف بوضوح على الابتعاد عن أي موقف ايديولوجي حيال هذا النظام أو ذاك.. ذلك لان ما يجري يتجاوز في الواقع الأنظمة القائمة ويعبر عن نتيجة «تكدس تاريخي» عاشته القارة السوداء وساهمت فيه القوى الخارجية الكبرى. ويتم التأكيد في هذا السياق على ان «جرائم الحرب»، هذه ليست ممارسة مقصورة على الأفارقة أنفسهم وانما هي ممارسة قد يلجأ لها «المتمدنون» ايضا. يقول المؤلف: «لقد اقترف الامريكيون والقوى الخارجية الاخرى اعمالا وحشية في الصومال دون أي احترام لمبادئ الامم المتحدة».. وهذا الأمر ينطبق أيضا على «السلطات الفرنسية وبعض رجال الكنيسة الرسميين في رواندة حيث كانوا متواطئين في ارتكاب المجزرة». أما العدالة فقد كانت غائبة حتى فترة قريبة ـ عام 2000 ـ حيث طلب من بعض الروانديين «الافارقة» الاجابة عن بعض الاسئلة حول مسئوليتهم في الحرب الاهلية الرواندية. إن المؤلف وفي حصيلة تحليلاته حول النزاعات الدموية التي شهدتها أو لا تزال تشهدها أو انها مهددة بأن تشهدها بكل لحظة القارة الافريقية السوداء يرى بأن هذه المنطقة من العالم تمتلك كل «المقومات»، وعلى رأسها الحروب والمجاعات، كي تمضي نحو نهايتها. وهذا هو بنظره الدرس الاساسي الذي ينبغي الخروج منه في افق القرن الحادي والعشرين.. ودرس آخر هو ان الحرب المختلفة التي شهدتها افريقيا خلال السنوات العشر الاخيرة لم تكن قدرا محتوما لايمكن تجنبه وانه كان يمكن لعدة اعمال وقائية ان تمنع آلام مئات الالوف من البشر. ان العالم قد تجاهل واقع المجاعة التي كانت تتهدد الصومال ولم يهتم بذلك فالصومال لا تمتلك ابارا من البترول، كما يقول المؤلف الذي وصف احد معلقي «التايم» اللندنية، عمله هذا بالقول بانه «دراسة تقوم على مبدأ العدل في الوقت الذي يبدي فيه زعماؤنا لامبالاتهم حيال آلام الافارقة»، و«كتاب هام حول موضوع اصبح بشجاعة مؤلفه اكثر اهمية كما جاء في «الصنداي تلجراف». «انا ضد اخي» عنوان كتاب ولكنه قد يصلح ان يكون ايضا عنوان «مرحلة»