بيان الكتب: نيكول فيلبو هي باحثة بالعلوم السياسية حيث كانت قد نالت شهادة الدكتوراه في هذا الاختصاص من جامعة السوربون. وهي اخصائية بدراسة السياسات الأمنية والدفاعية ، للولايات المتحدة الأميركية. هذا هو كتابها الأول، لكنها قدمت مساهمات كثيرة في العديد من الدوريات المختصة. هذا الكتاب «استراتيجيات القوة الأميركية» هو في واقع الأمر خلاصة الأطروحة التي عملت الكاتبة سنوات عديدة من أجل انجازها في جامعة السوربون العريقة. ولا شك بأن هذا يشكل أحد النقاط الايجابية لعمل موثق حول «استراتيجيات القوة الأميركية». الفكرة الأساسية التي تطرحها مؤلفة هذا الكتاب تقول بأنه وعلى الرغم من الجدل الكبير الذي أثير في الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة فإنه تم الوصول الى اتفاق «حد أدنى» لدى الأمريكيين فحواه انه ينبغي على القوة العظمى الوحيدة في ظل النظام الدولي الجديد المحافظة على موقعها النشيط في تسيير أمور العالم. وذلك من أجل الحفاظ على الاستقرار الدولي وعلى المصالح القومية (الأميركية). وتشكل القوة العسكرية في هذا السياق عنصرا أساسيا تنبغي صيانته لتعزيز مواقع الولايات المتحدة ومواجهة الأخطار العديدة التي تحيق بالعالم. ولقد كرست المؤلفة الفصل الأول من فصول كتابها الخمسة لما أسمته: «التفوق العسكري عماد الأمن القومي». وتبين المؤلفة في هذا الاطار الآليات التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية من خلالها احتلال موقع «الزعيم» وليس موقع «الشرطي» وذلك عبر «اعادة تعريف دورها» في عالم لا يزال يزخر بـ «مواطن الخطر» الكثيرة. الأمر الذي يجعل من التفوق العسكري أداة لتأمين موقع يتمتع بـ «الثبات» و«الطمأنينة». وهذا يعني اعادة النظر بفكرة برزت عند نهاية الحرب الباردة في الولايات المتحدة وفي أوروبا أيضا تقول بأن «الاهتمامات الدفاعية قد تراجعت» بعد زوال «العدو السوفييتي، ومما يفسح المجال أمام الغربيين للاهتمام أكثر فأكثر بـ «تحقيق ازدهارهم الاقتصادي». لكن موقع القوة العظمى الوحيدة له وجه آخر يتعلق بـ «المسئوليات» التي تترتب على هذا الموقع حيال مختلف القضايا العالمية. وتبقى المسألة الأساسية في هذا السياق، كما تقول المؤلفة، هي «تحديد المكانة التي ينبغي أن تأخذها الإدارة العسكرية في التصدي لقضايا العالم». من هنا أيضا تأتي صعوبة تحديد «سياسة أمنية جديدة»، تؤكد المؤلفة مرة أخرى، بأن ادارتي جورج بوش ـ الأب ـ وبيل كلينتون لم تتوصلا إلى صياغتها بشكل دقيق، لا سيما وان مقولة «النظام الدولي الجديد» بدا بمثابة «شعار عابر» لم يستطع تجاوز الصعوبات التي واجهها. كذلك «لم تستمر قاعدة أن يحل القانون مكان شرعية الغاب» إلا لفترة قليلة بعد «هزيمة العراق في حرب الخليج الأخيرة». وتصل المؤلفة في تحليلاتها إلى القول بأن «الحضور العسكري الأميركي في المناطق المهمة التي يمثلها الشرق الأوسط والشرق الأقصى وأوروبا هو أحد الشروط التي لابد منها من أجل تحقيق الأهداف الأمنية للاستراتيجية الأمريكية» في السياق الدولي الراهن. الوجه الآخر لمثل هذا المنطق يعني عدم انسحاب أميركا عسكريا، من هذه المناطق لان ذلك يعني «افساح المجال لسياسات قوة خطيرة». لكن والى جانب الحضور العسكري «الأميركي» في المناطق الاستراتيجية، ترى الادارات الأمريكية الأخيرة الثلاث بأن «وجود اقتصاد قوي لابد منه من أجل المثابرة في موقع الزعامة». واذا كان مثل هذا القول صحيحا في ظل الحرب الباردة أيضا، فإن زوال الخطر الخارجي يسمح باعطاء أهمية أكبر لتحسين «الاقتصاد الأميركي الداخلي» والعمل على ايجاد «اقتصاد عالمي منفتح حقا»، الأمر الذي يستدعي تحسين وترميم «المنظومات التجارية العالمية» في اتجاه تنسيق أكبر للسياسات الاقتصادية في البلدان الصناعية ودفع دول جديدة، وخاصة من بلدان أوروبا الشرقية ـ الشيوعية سابقا ـ للاندماج في «اقتصاد السوق». ويرى المنظور الأمني الأميركي بأنه، وعلى الرغم من التطورات الايجابية التي عرفها «المحيط الدولي» فإنه لا تزال هناك بؤر خطيرة مهددة، بل وانها تزداد اتساعا بعد زوال الاتحاد السوفييتي، هذا الى جانب بؤر تهديد «كامنة» قد «تنفجر» بأية لحظة. هذا وترى مؤلفة هذا الكتاب بأن «مفهوم المحيط الدولي قد بدأ بالتغير منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي».. ذلك لان العالم نفسه قد «تغير» مع سقوط الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين غربي وشرقي. وغدت الاستراتيجية الأميركية في هذا السياق «غير مضطرة» لتركيز اهتمامها على أوروبا.. ثم جاءت أزمة.. ثم حرب الخليج لـ «تؤكد وجود بؤر اقليمية مهددة»، وعلى الولايات المتحدة إذن أن تتهيأ لمواجهة أزمات «اقليمية أو محلية». كل هذه المقدمات تؤدي إلى نتيجة أساسية تتمثل في التأكيد على «الدور الحاسم» للقوة العسكرية. إن مؤلفة هذا الكتاب تركز في مجمل تحليلاتها على مقولة تتردد بأشكال مختلفة وهي ان «الثقافة السياسية» للولايات المتحدة الأميركية «تعطي مكانة خاصة للجيوش في المجتمع». ولكنها وبنفس الوقت، وبما يبدو بمثابة «معادل» لهذا التأكيد على دور الجيوش «تعطي شرعية أقل بكثير للجوء الى القوة كأداة سياسية». إن العلاقة بين هذين المنحيين تشكل موضوعا للنقاش، بل وللجدل، منذ تأسيس أميركا، ولا يزال. ولعل فهم مثل هذه العلاقة شكل مدخلا أساسيا لادراك «الذهنية» التي تتحكم باستخدام الولايات المتحدة لـ «قواتها المسلحة». وترى المؤلفة في هذا الاطار بأن مفهوم الادارة العسكرية في الثقافة السياسية الأميركية ليس بعيدا عن الارث الفلسفي «الانجليزي». ثم جاءت «تجربة الاستقلال» لتعطي للنقاش بعدا أكثر عمقا. إن مجرد العودة الى الجذور البعيدة للولايات المتحدة تسمح بملاحظة انه «لا شيء يسمح بتصور تطوير، بل وحتى بمجرد وجود، قوة عسكرية أميركية». بل ان الولايات الثلاث عشرة التي قادت النضال عام 1775 من أجل الاستقلال، كانت القوات المسلحة بمثابة «أداة بيد الحكم المستبد» التي كانت الولايات ـ المعنية ـ تناضل ضده وتسعى الى طرده من «العالم الجديد». أي بتعبير آخر تشكل الجيوش في المفاهيم الأميركية الأساسية «خطرا على الديمقراطية». تقول المؤلفة: «ان الفكرة القائلة بأن الجيوش المحترفة ـ المستديمة ـ إنما هي لا تتماشى ولا تتأقلم مع الحريات، هي فكرة سائدة لدى أولئك الذين استوطنوا أميركا، وهي فكرة تجد مكانها باستمرار في الثقافة الأميركية». بالمقابل كانت تلك الرؤية تطرح بعض الاشكاليات على «الآباء المؤسسين» الذين واجهوا ضرورة «اعطاء الأمة الجديدة وسائل الدفاع عن وجودها». هنا بدأ النقاش حول «مستوى» و«طبيعة» القوات المسلحة الضرورية. ومنذ النقاش حول «الاتفاقية الفيدرالية» في فيلادلفيا عام 1787، التي كانت ترمي الى صياغة «دستور»، تواجه مفهومان. يقول احدهما باقامة حكومة فيدرالية قوية تمنع الفوضى، بينما يدعو المفهوم الآخر للمحافظة على صلاحيات الولايات من أجل عدم تشجيع «النزعة الاستبدادية» المترتبة على قيام سلطة مركزية. هذا الاتجاه الثاني يشكل الجذر البعيد لـ «الديمقراطيين الأميركيين الحاليين» في مواجهة «الجمهوريين» ورثة المفهوم الأول. من المثير للانتباه ان الامريكيين تقمصوا «اسطورة الشعب المسالم» وحيث تم التأكيد منذ البداية بأن سياسة الولايات المتحدة حيال العالم الخارجي «ترفض سياسات القوة، باعتبارها لا أخلاقية، كما ترفض توازن القوى كصيغة لضبط علاقات الأمم». بكل الأحوال بشكل موضوع «القوات المسلحة» أحد المسائل المثيرة للجدل «داخل المؤسسة» الأميركية. لكن مثل هذا «الجدل» خف كثيرا منذ وصول ريشارد نيكسون الى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. في المحصلة تحاول مؤلفة هذا الكتاب أن تقدم بعض الاجابات عن التساؤلات الخاصة بدور «الادارة العسكرية» في السياسة الخارجية الأميركية، وكذلك على الطريقة التي يمكن للولايات المتحدة ان تستخدم فيها هذه «الادارة». وتكتسي هذه «التساؤلات» و«الاجابات» أهمية خاصة في السياق الدولي الراهن سياق ما بعد الحرب الباردة ـ حيث يؤمن التفوق العسكري الاميركي هامشا أكبر وأسهل للقيام بالتدخل في هذه المنطقة من العالم أو تلك.. كما ان التقدم التكنولوجي الهائل الذي حققته التكنولوجيات الحديثة، خاصة في ميدان الصناعات العسكرية، قلل كثيرا من «التردد السياسي» في استخدام القوة. ومن هنا تبدو أهمية المنعطف الكبير الذي تشهده «استراتيجيات القوة الأميركية» منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي. فهل نحن أمام منعطف استراتيجي أميركي؟!