بيان الكتب: كتاب جديد يتصدر المطبوعات الاسبانية للاسابيع الاخيرة، يتناول مجدداً ظاهرة مقتل واختفاء جثة شاعر اسبانيا المعروف جارثيا لوركا، صاحب اغاني الغجر، يرما وعرس الدم، و هذه المرة يأتي البحث بعمل روائي توثيقي من جانب آحد افراد عائلة روساليس التي التجأ لها الشاعر الغرناطي اثناء حصار المدينة من قبل قوات الفالانج اليمينية التابعة للجنرال فرانكو وقوته العسكرية التي ستنتصر بعد حين،و يقود فرانكو اسبانيا تحت سلطة القمع والتنكيل منذ عام 1936 حتى وفاته نهاية 1974. الجيد في هذا الكتاب الغني بمعلوماته والممتع بسرده لمسار الايام الاخيرة لحياة فيدريكو غارثيا لوركا، الجديد في هذا الكتاب الغني بمعلوماته والممتع بسرده لمسار الايام الاخيرة لحياة فيدريكو غارثيا لوركا، هو أنها المرة الاولى التي تأتي من جانب أحد افراد عائلة روساليس، وهو مؤلف الكتاب خيراردو روساليس (غرناطة 1949) احد احفاد رأس عائلة روساليس، وهو هنا يمارس الكتابة الروائية للمرة الاولى، ان عرف فناناً تشكيلياً واستاذاً للرسم ومؤسساً لجماعة فنية باسم (رو ـ تو)، ولم يلجأ للكتابة على حد قوله سوى للرغبة الشديدة التي تكتنفه منذ صباه حتى اليوم لمعرفة وقائع الأيام الاخيرة التي عاشها لوركا مع افراد عائلته وما جرى فيها ولكي يميط اللثام عن مجموعة من الألغاز والشكوك التي رافقت الوقائع والتي منها الاشارات العديدة لتجريم عائلة روساليس نفسها بالمشاركة بتسليم لوركا، أو على وجه الخصوص، عدم وفاء صديقه الشاعر لويس روساليس آنذاك بتوفير الحماية الكافية للوركا حتى يخرج سليماً من تلك المأساة. يذكر خيراردو دييجو في روايته التوثيقية (صمت عائلة روساليس) عبر حواراته مع شخصيات العائلة، وهم اعمامه وعماته وكذلك أبيه وهو أصغر افراد العائلة، بان العائلة كانت بشكل وبآخر قد آثرت الصمت وكأنها وقعت تحت تأثير عهد صمت بين افرادها لا يتيح لاي منهم الحديث أو البوح بأية اسرار في هذه القضية. ولكن المؤلف يسترجع حوارات عديدة ومقاطع من كتب وقصائد لعمه لويس روساليس وللعم الآخر، ولكنه يبني مجمل التصور الاخير من خلال حوار طويل مع ابيه الذي كان يخبره في صغره بأنه سيكشف له اسرار تلك الفترة عندما يصبح كبيراً وواعياً. بعد سنين طويلة سيجلسان مع بعض في احدى الامسيات، ليكشف له اصغر افراد عائلة روساليس وقائع ما سيسطره هنا في روايته، يخبره الاب: «حان الوقت لكي تستمع مني لحقيقة ما جرى، ويمكنك ان تدونها مثلما تريد، لقد أقتيد لوركا إلى مصيره لاخطاء وقعت بها كلتا العائلتين، عائلة لوركا وعائلتنا». في تلك الفترة، كانت اسبانيا تعيش على حافة الانهيار التام، عند جحيم تحترق فيه أوراق عديدة ولا مخرج للازمة حتى تتكشف الخيوط الاخيرة للصراع الدائر آنذاك بين قوات فرانكو المتمردة وافراد المليشيات المناصرة للجمهوريين الاسبان. لكن انتصارات قوات فرانكو تقوده للاستحواذ على المدن واحدة وراء الأخرى، وفي كل منها يعمل تنكيلاً وقتلاً بكل العناصر المشبوهة والمناوئة لحكمه. في تلك الفترة بالذات يترك لوركا مدريد في (قطار الموت الأخير) على حد قول المؤرخ المختص بلوركا ايان جبسون. كان لوركا يعتقد أنه في غرناطة بين أهله واصحابه لن يطاله خطر وسيبقى حتى تتكشف له نهاية الأوضاع. هناك لا يستطيع أن يكون عند عائلته بعد ان وصل لسمعه بأن قوات الفالانج تتبع آثاره، لذا يقرر اللجوء عند عائلة صديقه الشاعر الغرناطي هو الآخر لويس روساليس، من هنا تبدأ الاحداث الدامية الأخيرة عن حياة لوركا. يستعرض المؤلف عبر صفحات الرواية باسلوب يمزج بين الروي والتوثيق والشهادات الحية لأشخاص عائلته المعاصرة للحدث منذ ساعات لجوء لوركا لهم حتى اقتياده الاخير الذي سينتهي بموته واختفاء جثته التي لا يعرف لها من مكان حتى اليوم، أو انها دفنت في الريح، كما يرد في بيت شعري للوركا نفسه وكأنها نبوءة لما سيحصل له حقيقة. لقد كان وصول لوركا لمدينة غرناطة في تلك الفترة العصيبة قد شكل ذعرا حقيقيا لعائلة روساليس، لا سيما وانها لم ترد ان ترفض له طلب الاختباء عندهم، لان المعروف عن هذه العائلة الصديقة للوركا، انها كانت من العوائل المناصرة لفرانكو وقواته، وان الشقيق الاكبر هو من عناصر الفالانج نفسها. ولكن لوركا سيكون ضيفهم المرحب به على الرغم من كل ذلك، وسيقطن لوركا في الطابق الثاني من منزل العائلة، وقد قبلت العائلة لعلاقة لوركا بابنهم لويس روساليس الوطيدة. هناك عاش لوركا، ومن هناك تناسلت الحكايات العديدة عن واحدة من مصائر الادب الاسباني الاكثر غموضا حتى اليوم. في تلك الفترة عرفت قوات فرانكو المتواجدة على مشارف غرناطة بتواجد لوركا لدى عائلة روساليس، وكانت العائلة قد وقعت في حيرة وخوف شديدين لانها تأوي في بيتها احد المعادين لفرانكو، وقوات فرانكو تنظر للوركا كشيوعي معاد لها. من هنا لم تشفع العديد من المقابلات لعائلة روساليس اخفاء وجود لوركا لديهم، ولكن قوات فرانكو كانت تتبع اخباره وتعرف بأنه غادر مدريد الى غرناطة، لذلك ستهاجم بيت عائلة لوركا وتحاول الاعتداء على والد لوركا اذا لم يخبروهم بمكان لوركا، هنا ـ يصف والد المؤلف ـ بأن كونشا شقيقة لوركا أمام اليأس والخوف من التنكيل بأبيها، ستعترف باكية بأن لوركا في بيت صديق شاعر في غرناطة. أمام هذه الحقيقة، لم يكن من الصعب على قوات فرانكو معرفة بيت الصديق المعني. سيتم اقتحام البيت واقتياد لوركا امام من كان في البيت آنذاك، ولم يكن صديقه روساليس حاضرا تلك اللحظة. بعد ذلك ستنطبع في اذهان عائلة روساليس صورة لوركا حزينا خائفا لا يلوي على شيء، كما انهم لم يكن بامكانهم التصدي للقوة المقتحمة للبيت. يصف المؤلف بأن لويس روساليس بقي حزينا خائر القوى لأيام لشهور عديدة، حتى انه ما ان تمر ذكرى لوركا في اية مناسبة سترى لمحة الاسى والاحساس بالذنب مرتسمة على محياه. يقول والد المؤلف بأن قسم الصمت الذي اتخذته العائلة له سبب وجيه: لاننا كنا في نظر قوات فرانكو خونة وقد آوينا احد أعدائهم، وبالمقابل الشيء ذاته في نظر اليسار الاسباني، لاننا لم ندافع من اجل حماية لوركا والحفاظ على حياته، من هنا كنا نحتفظ بالصمت وننتظر مرور الوقت. في فصول الكتاب ـ الرواية يكشف المؤلف للمرة الاولى عن وثائق وصور خاصة وكذلك رسائل من عائلة روساليس موجهة لقائد الفالانج في غرناطة تتشفع بها للوركا وتصفه بالشاعر الاسباني الأهم، وصديق العائلة المخلص. في واحدة من هذه الرسائل الشديدة اللهجة، كتبها لويس روساليس وموجهة لقائد القوات في غرناطة يطالبه بالافراج عن لوركا لانه متهم بدون دليل، والاتهام الوحيد يأتي بسبب الوشاية والحقد لا غير، ولان لوركا شاعر يمثل اسبانيا بأكملها، وكان مدافعا عن حقوق الاسبان بدون ترجيح أحد على آخر، وان شجاعته قد قادته وحسب لمصيره هذا. من الوقائع الغامضة في الرواية تصف تدخل عائلة روساليس الاخير للافراج عن لوركا ولمحة الامل بذلك ومنها لقاء الاخ الاكبر لعائلة روساليس بلوركا في سجنه. ولكن احداث اليوم التالي ستخلط لوركا بجملة معارضين آخرين سيقادون فجرا الى مكان مجهول ليتم تصفيتهم ودفن جثثهم. لن يكون أمام عائلة روساليس سوى الصمت والتأسي، لان الاخبار تكشف عن امر من جهات عليا تقضي بموته. تختفي جثة لوركا، ولكن يبقى صوته، هناك من سيصف اختفاءه بسبب خطأ أو وشاية ودسيسة أو بسبب من تصميم تام من قبل القوات المسيطرة، ولا يعرف حتى اليوم من كان وراء ذلك الأمر بالاعدام ولا السبب الحقيقي وراء ذلك. الرواية تكشف ايضا المزيد من الضوء حول شخصية لوركا المدهشة، من خلال نقل ما بقي من ذاكرة العائلة، مما يجعلنا ونحن نطالع الرواية بتشكيل حضور كامل للوركا في لحظاته الأخيرة، حضور أدبي، انساني وسياسي لهذا العبقري الغرناطي، والذي يصفه مؤلف الرواية بأنه كان شخصاً رقيقاً، خلاق وعائلي الى درجة انك تلمسه كله في قصيدة واحدة أو في عمل مسرحي. عبر مسار الرواية سيجد القاريء نفسه امام تداخل حي وممتع للروي والشهادات مع مقاطع شعرية وحوارات لوركا المسرحية ممتزجة بتفاعل تام مع وقائع روي العائلة مع اشعار صديقه لويس روساليس الى درجة يصعب فيها عزل مقطع عن آخر مما تشكل من الرواية قطعة ادبية خالصة عن آخر آثار شاعر اسبانيا القتيل. رواية انسانية تعنى بإظهار مصائر بشرية عديدة امام مواجهة الموت والاتهام، وهدفها ازاحة هذه الغمامة الجاثمة على الصدر، ازاحة الغطاء لفسح المجال أمام خيط الاسرار الاخيرة ان يتبعثر ليلتئم من اجل تتبع وقائع الايام الاخيرة لرحلة لوركا غير الموفقة. مدريد ـ عبدالهادي سعدون