بيان الكتب:الان مينك، مؤلف هذا الكتاب، هو احد الوجوه الفرنسية البارزة على صعيد الفكر والاقتصاد في فرنسا اليوم. وهو احد المدافعين عن العولمة «الليبرالية» السائدة اليوم، وتقترب المواقف والمواقع الفكرية التي تبنّاها من تلك التي انتهجها رئيس وزراء بريطانيا الحالي «توني بلير».. او ما هو معروف باسم «الطريق الثالث». للمؤلف حوالي عشرين كتاباً من بينها «العصر الوسيط الجديد» و«العولمة السعيدة» و«النشوة الديمقراطية» و«نظرة جديدة لنابليون» و«باسم القانون»... يقدم الان مينك هذا الكتاب بصيغة يوميات حقيقية تبدأ في الاول من يناير 2001 وحتى الاول من يناير 2002 وفي هذا اليوم «الأخير» اصبح «اليورو» هو العملة الموحّدة لعدد ـ الدفعة الاولى ـ من بلدان الاتحاد الاوروبي.. ومما شكّل نقلة نوعية حقيقية في بناء الصرح الاوروبي الموحّد.. وما بين التاريخين شهدت فرنسا والعالم احداثاً كثيرة وكبيرة. وليس أقلها أهمية ما عرفته نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001، ولا يتردد الان مينك في الاشارة الى ان «منظور قيام حرب نووية» لم يكن مستبعداً تماماً.. ولكن منظور القيام بمثل ذلك العمل الفظيع لم يكن وارداً». ولا يتردد المؤلف ايضا من ان يعتبر احداث 11 سبتمبر اكثر خطورة مما جرى اثناء الهجوم الياباني على قاعدة «بيرل هاربور» الاميركية في المحيط الهاديء اثناء الحرب العالمية الثانية والذي أعقبه دخول أميركا الحرب والقاؤها بعد ذلك اول قنبلة نووية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية. ان خطورة احداث 11 سبتمبر تأتي، بالمقارنة مع الهجوم على «بيرل هاربور»، من أنها قد وقعت فوق الارض الاميركية واستهدفت نيويورك وواشنطن بينما كان الهجوم الياباني على «بيرل هاربور»، قد استهدف تلك القاعدة الواقعة في جزيرة «هاواي» في المحيط الهاديء ـ الباسفيكي. ولاشك بان استهداف نيويورك وواشنطن كان بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة لـ «بلاد لم تتعرض لمثل هذا الهجوم في تاريخها». ويرى «مينك» بان «شعور النجاة من العقاب المترسخ في الذهنية الاميركية قد تطاير شظايا» كما يؤكد في الاطار نفسه بانه ستمضي سنوات طويلة قبل ان يتم التعرف على مختلف نتائج احداث 11 سبتمبر 2001 التي «بدأت معها حرب جديدة. هذا بالاضافة الى كونها «الحدث التاريخي» الأكبر منذ سقوط جدار برلين عام 1989... ومن موقع الباحث الاقتصادي فان النتائج على هذا الصعيد بدت هائلة و«غير مرئية» مباشرة على المدى القصير مثلها في ذلك مثل النتائج الدبلوماسية، ويكفي لعامل الخوف الدفين ان يدفع الاميركيين نحو كبح جماح ميلهم نحو الاستهلاك.. الأمر الذي قد يتحول ـ اذا استمر طويلاً ـ الى نوع من «الكساد الحقيقي». مع ذلك لم تتكرر «الاعراض» نفسها التي عرفتها اميركا عند اندلاع حرب الخليج مثل الارتفاع الكبير في اسعار البترول مما يكون له آثاره المباشرة على القدرة الشرائية في الغرب عموماً. ويؤكد «مينك» بان «البلدان العربية لم تكن تستطيع في ذلك السياق ـ بعد 11 سبتمبر 2001 ـ رفع سعر برميل النفط خشية رد فعل اميركي عنيف». بالمقابل يحدد آلان مينك في قراءته «المباشرة» لاحداث 11 سبتمبر ـ عدة سمات أبرزتها تلك الاحداث بالنسبة للمجتمع الاميركي. وفي مقدمتها «عدم فعالية المنظمات والمؤسسات الاميركية حيال اوضاع غير مرتقبة». هذا على عكس «فعاليتها الفائقة» في مواجهة كل ما هو مبرمج. ومما زاد في الارتباك لدى الاميركيين احساسهم بنوع من القطيعة مع حماية امنية مستمرة منذ أكثر من قرنين من الزمن... وهذا التحول يتطلب «تأكيد الذات» من جديد.. لذلك برزت بسرعة رغبة الانتقام القوي والفوري لدى الرأي العام الاميركي. ومن «الأيام» التي ستحفظها ذاكرة العام 2001، تلك التي شهدت بداية العمليات العسكرية الاميركية ـ الانجليزية خاصة ضد افغانستان اعتبارا من يوم الثامن من شهر اكتوبر. ففي ذلك اليوم «وبعد الحرب الاستعراضية ـ حرب الخليج ـ بدأت حرب الاشباح» والظاهرة الاولى التي يؤكد عليها «الان مينك» تتمثل في عملية «التعتيم الاعلامي» وممارسة كل اشكال الحظر على الاخبار في زمن الفضائيات و«ثورة الاتصالات»، ولم يكن الغرب «شحيحاً» بهذا القدر في ميدان تقديم المعلومات.. اذ «لم يكن هناك صحفيون على متن حاملات الطائرات ولا شهود في القواعد العسكرية المتقدمة، ولا مراسلون لدى القوات الخاصة».. باختصار «كانت هناك رقابة لا مثيل لها سابقاً».. ولكن كيف كان يمكن لمثل تلك الرقابة ان تستمر بالنسبة للاميركيين الذين «يفتخرون بالتذكير بان التعديل الاول للدستور نصّ على حرية الصحافة وحمايتها؟!». وسؤال آخر: «هل وجود عدو في الظل ـ مستتر ـ يتطلب حرباً في الظل أيضاً؟». ان «الان مينك» ورغم نزعته الليبرالية المعروفة المؤيدة لاميركا، يرى بانه وباستثناء المعلومات الخاصة بالنشاطات الاستخباراتية «المحميّة» لم يكن هناك ما يبرر مثل تلك الرقابة. ثم «ان مجتمعاً يعتبر بان الشفافية هي مبدأه الرئيسي لا يمكنه ان يقبل التعتيم فجأة. «ثم ان مثل هذه السلوكية ما كان لها الا ان تزيد من هامش حركة اولئك الذين يناهضون اميركا اصلاً، وينقل «مينك» في هذا الاطار عنواناً اختارته جريدة «لوموند» الباريسية على صدر صفحتها الاولى يوم 8 اكتوبر 2001، وجاء فيه: «بدأت الحرب ضد القاعدة».. وهذا ما يعلّق عليه مؤلف الكتاب بالاشارة الى ما آلت اليه «الثورة الاستراتيجية الراهنة» اذ ان «القوة الدولية الأعظم هي في حرب مع ميليشيات خاصة!!». واذا كان «مينك» في ادانته لمن يسميهم بـ «الميليشيات» فانه يقول ايضاً: «غريب هذا العالم الذي لم يعد يحترم تراتبية القوة». اذا كانت بداية عام 2001 ممهورة بالاهتمام بالاحداث التي شهدتها مناطق متعددة من العالم فان نهايته تركزت حول «ما بعد 11 سبتمبر» وخاصة فيما يتعلق بالحرب في افغانستان وتصاعد موجة العنف في الشرق الاوسط، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الجديدة «انتفاضة الاقصى» المستمرة آنذاك منذ عدة اشهر. وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب، بان عام 2000 قد بدأ «سعيداً»، بصيغة ما، في منظور قرن جديد وألفية جديدة، مع ما بدا بان التكنولوجيات الحديثة وثورة المعلوماتية والاتصالات، وخاصة شبكات «الانترنت»، قد فتحته من آفاق رحبة امام «مغامرة انسانية» بدا انها سوف «تحصد» نتائج التقدم العلمي والتكنولوجي على صعيد توفير «يسر» و«سهولة» اكثر من مختلف ميادين الحياة اليومية.. والمهنية.. لكن هذه السنة «2001» انتهت بتخييم روح من القلق «مع شمس الخريف»، واثر احداث 11 سبتمبر.. التي شكلت في المنظور الذي رسمه المؤلف لما بعدها «نوعاً من القطيعة النادرة والقاسية» في التاريخ. ولعل من الميزات المهمة لهذا الكتاب واقع ان مؤلفه يقدم بالوقت نفسه مختلف الاحداث العالمية الكبرى كما عاشها، ولكنه يقدّم تحليلاته النظرية لها عبر استخدام جميع الوسائل «المتاحة» ومختلف الادوات من صحافة ووسائل اعلام مختلفة ومما أظهرته مواقف عالم الفكر وعالم الاقتصاد والسياسة. وهكذا يبدو هذا العمل، وفضلاً عن كونه ذاكرة للعام 2001 بأكثر من اربعمئة وخمسين صفحة، بمثابة تحليل نظري وفكري من قبل «مراقب» يعيش مباشرة الاحداث التي يكتب عنها.. وهو بدون شك يعيشها من موقعه الايديولوجي والسياسي «الليبرالي الغربي» الامر الذي يعطي وحدة وانسجاماً لنص يتعرض لاحداث متفرقة من حيث طبيعتها ومجالها الجغرافي واسبابها ونتائجها... الخ.. وفي مثل هذه الحالات تبقى «الفيزياء الداخلية» للمؤلف هي التي توفر الخط الناظم للعمل.. وهذا ما يبدو بالفعل في «يوميات» الان مينك حول عام 2001. ذاكرة عام.. وعالم.. في كتاب