بيان الكتب: بعد نشرها رواية «الريفيات» 1960 والعديد من الاعمال الروائية والقصصية والمسرحية شقت ادنا اوبريان طريقها الى سماء الشهرة، ولا تزال اعمالها تسير في الاتجاه نفسه وفيما يلي نص الحوار الذي اجرته معها صحيفة «الابزرفر اللندنية» حول روايتها الاخيرة بعنوان «في الغابة» الصادرة مؤخرا عن دار ويدنفيلد اند نيكولسون: ـ ما هو موضوع روايتك «فى الغابة»؟ ـ انها في شكلها الظاهري تتحدث عن جريمة ثلاثية تقع في غابة، لكنني أعتقد ان الروائي هو المؤرخ الروحي والاخلاقي لمجتمعه، وبالتالي فإنها رواية تتحدث عن هذا الجزء من ايرلندا الذي اعرفه انا جيدا وهي تدور حول هذا الجزء من ايرلندا، والظلام الذي لا يزال سائدا فيه. ـ هل كانت هناك لحظة تجل محددة كخبر مثلا على شاكلة الاخبار التي نقرأها في الصحف؟ ـ الاخبار التي تنشرها الصحف هي عدوة الرواية والواقع انني كنت منهمكة في قراءة دقيقة لكتاب، واستدعى ذلك ذهابي الى الغابة، لتحديد المكان الذي وقعت فيه الجريمة. جريمة قتل ودفن جثتي امرأة وطفل عثر عليهما بعد ذلك في قبر قليل العمق تقريبا. والحقيقة انني اختلف كلية في اعمالي عن و.ب. بيتس الذي يمتنع عن الكشف عن الحقيقة، كما انني لا اتجاهلها او اصرف النظر عنها لقد احسست بما لا يدع مجالا للشك بمن يقول لي «يجب عليك ان تروي هذه القصة». ـ اذن كان ذلك من الموضوعات التي نشرتها الصحف؟ ـ نعم، الاحداث الحقيقية غير أنني لم اكتب عنها في حينها، لقد جاء ذلك متأخرا جدا. ـ على الرغم من معاصرتها الا ان الصورة التي رسمتها لايرلندا تبدو موغلة في القدم. ـ قد تكون صورة بدائية، متخلفة، هذا هو التعبير الصحيح، هكذا تبدو الصورة أحيانا، بلد يحدث فيه تغير، الا انه لا يقضي على ما هو موجود بالفعل. الصورة التي رسمتها تجسد الخوف. ـ ما مقدار ما تشعرين به من الحميمية والالفة تجاه ايرلندا المعاصرة؟ ـ كبير جدا. وهذا هو ما يزعج الاخرين. هناك مفهوم خاطئ بأنك لابد وان تقيم في المكان ليل نهار. انا اعتبر جيمس جويس محظوظا، فقد كان لديه الكثير من الاقارب الامر الذي مكنه من العيش هناك، الا انني اتردد على ايرلندا كثيرا، وكأي كاتب محترف فانني شديدة الوعي، بما يدور من حولي. ان ايرلندا هي ما اكتب عنه باستمرار. ـ متى بدأت تشعرين بالرغبة في ان تكوني كاتبة؟ ـ كنت اشعر بهذا باستمرار. لقد كنت مهووسة بالسحر والقوة والشكل الذي تبدو عليه اللغة، كذلك فانا احب القصة، واحدى المشكلات التي ارى انها تواجه الرواية المعاصرة هي ان الكاتب لا توجد لديه قصة قوية. ـ روايتك الاولى «الريفيات» كانت تميل الى معالجة الموضوعات المثيرة. هل كان ذلك النجاح الذي حققته جيدا أم سيئا؟ ـ ان نشري لرواية «الريفيات» سبب لي اضطرابا شديدا، هذا هو ما سببته لي. فقد اصاب اهلي بالصدمة، وكانوا يتصورون ان في ذلك خيانة، وانني جلبت لهم العار، وهذا ما جعلني لا احس بطعم الانتصار بالجوائز التي حصلت عليها، لكنني استطيع القول صراحة بأن ذلك لم يؤثر فيّ سلبا. فانا اعرف انني من دون ان اكون ماسوشية الى ابعد الحدود فانني لن استمر في الكتابة، او ابقي على ادواتي. ـ كيف تبقين على أدواتك؟ ـ اولا، يجب على المرء ان يتعرض لحالة من التشوش والقلق. وثانيا ينبغي ان يصل الى حالة من التشوش تدفعه لأن يكتب اي شيء نثرا، شعرا او مسرحا ويمكن ان تجعله حساسا رقيقا بواسطة الصخب والاحتفال بما يكتب. صحيح انني كنت اضطر الى الابحار ضد رغبتي احيانا لكنني كنت محظوظة بما فيه الكفاية بعدم التوقف اما بسبب عدم وجود ما اكتبه او بسبب النجاح الكبير. وهكذا فان الريفيات هي مجرد نقطة انطلاق. ـ هناك مرحلة تعرضت فيها اعمالك للاهمال على الصعيد النقدي. هل كانت تلك التجربة قاسية؟ ـ للغاية، الا انني اكره التكيف مع الانماط الدارجة. والقاعدة الاساسية بالنسبة لي هي الا اتوقف واواصل العمل. ـ هل أثر ذلك على شعورك بالثقة في نفسك؟ ـ لا، لم يؤثر عليّ والغريب انني على الرغم من شعوري بعدم الامان بصورة أو بأخرى، وبالتوتر الشديد إلا انني لا أفقد الثقة بنفسي. ـ لمن كنت تقرأين في سن مبكرة؟ وبمن تأثرت؟ ـ لم أقرأ لأحد في «كاونتي كلير» لقد قرأت الكتاب المقدس، وفي المدرسة كانوا يحكون لنا الحكايات وقصص البطولة ويمكنني القول بأنها لم تضف كثيرا الى تجربتي في الكتابة، تجربتي المتألقة الأولى في الأدب جاءت بالصدفة عندما كنت أقرأ ذات يوم لجيمس جويس. ـ رواية يوليسيس؟ ـ لم أكن قد وصلت الى تلك المرحلة، كان مجرد كتاب صغير ورخيص بأربعة بنسات كان يباع على الرصيف في شوارع دبلن وكان من اصدارات دار فيبر اندفيير، كان مؤلفا من قصتين قصيرتين ومقتطفاً من يوليسيس وآخر من «صورة الفنان شاباً» وآخر من «يقظة فينيجان» كان هذا الكتاب يعني الشيء الكثير بالنسبة لي كان بمثابة الثقافة الأساسية الكاملة. ـ في الصغر، كيف كانت علاقتك باللغة الانجليزية؟ ـ أوه.. لقد تعلمت باللغة الايرلندية، وطوال حياتي كنت أشعر بالانقسام بين اللغتين الايرلندية في المدرسة والانجليزية في البيت. ـ هل تريدين ان تقولي ان كتاباتك قد تأثيرت بالانجليزية؟ ـ أعمالي تأثرت بخلفيتي الدينية، بوالديّ وبأمي على وجه التحديد، فهي تؤثر فيّ الى حد بعيد، لكن هناك المكان أيضاً، إن أعمالي جزء من كاونتي كلير هذا المكان يظهر بقوة فيها تشبه القوة التي تظهر فيها الشخصيات. ـ هل تعتقدين ان أحدا من المنطقة نفسها يمكن ان يعرف تلك المنطقة بأنها هي التي تظهر في أعمالك؟ ـ أوه.. انهم يعرفون. ـ هل يقولون انها مجرد صورة كاريكاتيرية؟ ـ أعتقد انهم يتصورون انها شديدة البوح. ـ كتاباتك إذن غير رائجة هناك؟ ـ لقد أحدثت رواية «في الغابة» ضجة أكبر من تلك التي أحدثتها رواية «الريفيات». ـ ما الذي تقولينه للناس الذين يقولون انه ليس من حقك ان تكتبي القصة؟ ـ كل كاتب له الحق في كتابة أي قصة، كما ان له الحق في كتابتها حتى في أربعة أسطر، وما يهم هو الأسلوب وطبيعة العمل وكثافته. ـ هل كنت على اتصال بالشخصيات الحقيقية لهذه القصة؟ ـ تلقيت رسائل تحتوي على ألفاظ همجية بربرية، رسائل غفل من الامضاء. ـ «عندما رفعت بصرها تراءت لها وجوه آدمية بين الشواهد وجوه سافرة كانت تضحك كما ادركت انها هي ايضا كانت مجنونة» هل يعني هذا ضمنا ان ايرلندا هي مكان يجعلك تعيشين حالة من الجنون. ـ التراجيد يا تجعل الناس مجانين، سواء كان ذلك في ايرلندا أم في الغرب وخلال العامين والثلاثة اشهر التي استغرقتها كتابتي للرواية اصبت بالجنون فعلا كان علي ان اتعايش مع موضوع شديد السوداوية ومرعب الى حد بعيد لهذا كنت اعيش كابوسا تلو الآخر وبالتالي فان الايرلنديين ليسوا وحدهم المجانين على الرغم من انهم ربما كانوا معروفين بذلك. ـ هناك سطر في النهاية نصه السحر يقتفي اثر القليلين فقط ما الذي تعنيه هذه العبارة؟ ـ يبدو ذلك غامضا بعض الشيء بالنسبة لي. اعتقد انني كنت اريد الاشارة الى السحر الذي تصنعه القصة والخيال في مواجهة سد منيع من الكوابيس والموت وعدم الانبعاث والنشور. ـ اذن فكتابتك لهذه الرواية كانت تجربة مؤلمة؟ ـ كانت جحيما. ـ ماذا بعد؟ ـ حسنا انتهيت من كتابة نسخة مطولة كما يخيل الي من تراجيديا «افيجينيا» انني اتعلم من اليونان اكثر مما اتعلمه من اي احد آخر. صيح انك تتعلم الكثير من شكسبير ثم تتعلم تلك النزعة التطرفية الكاملة للغة من جويس لكنك تعرف القصص الاكثر تأثيرا والاكثر قدرة على البقاء من اليونان. مريم جمعة فرج