«إن الذين يضحون بالحرية من اجل القليل من الأمن لا يستحقون لا الحرية ولا الامن» هذا المبدأ الثابت الذي يؤمن به الاحرار في العالم غير قابل للطعن او الترويض او التعطيل من اي احد كائناً من كان. ذلك ان توفر الحرية يعني البناء والتطور والسير نحو الامام. غير انه في زمن المصطلحات الفضفاضة تم ابتلاع هذه الحقيقة، وتم استبدال قانون الحريات بقانون شريعة الغاب الذي يعتمد مفهوم البقاء للأقوى، والذي يضحي بالضعيف، ويزيحه من مسرح الحياة لتبقى الدنيا فارغة الا من اولئك الاقوياء العمالقة!! لقد تحمس الساسة الأميركان لهذا الفكر الهمجي فأطلقوا مصطلحاتهم العنيفة التي تلتقي مع شريعة اهل الغاب، حيث تم الترويج لمصطلح «محاربة الارهاب» ثم مصطلح «محاربة محور الشر» كمنهج سياسي اختارته الولايات المتحدة ليكون معبراً عن توجهاتها في المرحلة المقبلة فمن يعترض على ارادة البيت الابيض يكون قد حكم على نفسه وصار مؤهلاً ليلحق بمحور الشر وليوصم الى الابد بانه يتبع معسكر الارهاب. وبهذا المنطق فمن ليس مع الولايات المتحدة في هذا الفكر السياسي الجديد فهو لا شك ضدها وبهذا تختفي مساحة قبول الآخر، وتنطوي صفحة من العلاقات الدولية لتفتح صفحة قاتمة مكتوب فيها ان من يعارض الارادة الاميركية سوف يشطب من التاريخ وسوف تحل عليه اللعنة على يد القوة المهيمنة في هذا الزمن العصيب!! غير ان الرياح الآتية من اوروبا، وبالتحديد من شعوب تلك القارة العجوز يبدو انها لا تسير في هوى ذلك الطرح التسلطي الذي يعتمده البيت الابيض، فزيارة الرئيس الأميركي الاخيرة لاوروبا استقبلت بعاصفة من الغضب والهياج الشعبي الذي عبرت عنه المظاهرات في تلك الدول الاوروبية، فالمانيا على سبيل المثال شهدت مظاهرات شعبية ضد زيارة بوش حيث رفع المتظاهرون لافتات كتب فيها: «لا نرحب بالمتعطش للدماء الذي يحب الحرب ويكره السلام» ولقد كانت الجموع الشعبية الاوروبية ليست اقل من الالمانيين استياء لسياسة نفي الآخر وتركيع المخالفين التي يتبناها ساسة البيت الابيض. ان الموروث الاخلاقي للشعب الاوروبي وكذلك الموروث الاخلاقي للشعب الأميركي لا يعترف بسياسة الاقصاء والسيطرة على أمم الارض فمباديء احترام الآخر معتمدة في الموروث الاخلاقي لتلك الشعوب وهو ما يمكن ان يمثل لنا نقطة لقاء يمكن ان تجمعنا باولئك المناهضين لفكر استخدام القوة في مواجهة الاختلاف. الجالية الاسلامية في اوروبا استثمرت هذا المناخ وبدأت بوادر توظيف هذه المفاهيم الانسانية باتجاه اتخاذ موقف شعبي مناهض للفكر اليهودي والدعاية الصهيونية. ومن الخطأ الفادح ان تترك تلك الجاليات تعمل دون دعم حقيقي تتلقاه من الدول العربية. على الصعيد نفسه فان مظاهرة الثمانمئة الف شخص التي جرت في الولايات المتحدة في الأسابيع الاخيرة تحمل في طياتها مؤشراً على ان هناك صحوة شعبية اولية في اتجاه الحق العربي المهدور على بساط الفكر الاميركي. نعم، ربما تكون هذه الصحوة الشعبية محدودة ولكن بإمكاننا ان نساهم في اتجاه توسيع هذا المد الشعبي من خلال قنواتنا الاهلية التي تعمل هناك والتي تستحق ان يشد علي ايدي القائمين عليها وان ينالوا ما يستحقون من المساندة والمؤازرة في رحلة المليون ميل. مريم عبدالله النعيمي