بينما كنت غارقاً بالتأمل في مجريات الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، مؤخرا، تلقيت مكالمة هاتفية من ماري روبنسون بوصفها مفوضة حقوق الانسان في الأمم المتحدة. قلت لنفسي هذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها اللجنة في دورة اجتماعاتها قراراً بارسال بعثة الى الشرق الأوسط حيال تفاقم الوضع الناجم عن حلقة العنف المفرغة هناك، وسألتني في سياق الحديث عما إذا ما كنت أوافق على مصاحبتها في هذه المهمة التي كانت ستتولى رئاستها بنفسها. وكان ينبغي أن يتم الانتقال فوراً لأن التقرير الخاص بالبعثة كان يجب ان يقدم الى لجنة الأمم المتحدة بعد ثلاثة أسابيع من يوم الاتصال. من جانبي، لم أرغب بذلك لأني لم أعتقد بامكانية تحقيق تلك البعثة أصلا، ولكن أمام خطورة الوضع، لم أستطع ان أرفض المحاولة. بهذه الطريقة وضعت نفسي تحت تصرفها، في حين ظلت الفكرة التي أردت تقديمها الى القراء مؤجلة لأسباب بينة. وخلال الاسبوعين اللاحقين ومع بروز امكانية تشكيل البعثة، سافرت الى جنيف للتحضير لها عن طريق جمع المعلومات اللازمة من منظمة الصليب الأحمر هناك. غير أنه وكما حصل لاحقا مع اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، لم تتم الموافقة على أية زيارة ذات طبيعة مشابهة من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون. عدت الى ذكرى ذلك اليوم مستعيداً كذلك ذكرى لقاء جرى مع رابين وعرفات وزعماء آخرين في الضفة الغربية وذلك أثناء رئاسة بيل كلينتون من أجل توقيع الاتفاقات التي قدمت لبدء مفاوضات «الأرض مقابل السلام». وحملتني أفكاري الى زاوية معزولة من الرواق الذي تجمعنا فيه اثر خطابات تمهيدية طويلة. لكني لم أكن وحيدا، إذ ان رابين كان يبحث عن الملجأ ذاته، مع نوايا مماثلة تماماً، وقبل ان نتبادل أي كلمة بدأنا بالضحك. كان هذا الرجل قد اتخذ للتو آنذاك خطوة حاسمة في مسيرته الحافلة فهو كرجل عسكري دافع دائما عن أمن اسرائيل وكسب بذلك اهتماما مرموقا بسبب الانتصارات التي حققها. لكن خلال الانتفاضة الأولى أدرك ان هذا النوع الجديد من المواجهة لا يمكن لاسرائيل الانتصار فيه، ولذلك سيّره التزامه بأمن شعبه باتجاه المفاوضات والبحث عن اتفاق مع الفلسطينيين على قاعدة الأرض مقابل السلام، وهو الاتفاق الذي رأى النور لأول مرة في مؤتمر مدريد في خريف عام 1991، وبدأت خطوات حثيثة على الأرض ومسيرة عمل شاقة ومعقدة تعرفنا اليها باسم محادثات أوسلو. ودفع رابين حياته ثمناً لنواياه على يد أبناء جلدته، مثلما دفع الرئيس المصري السابق أنور السادات بالطريقة ذاتها ثمن اتفاق السلام في كامب ديفيد مع اسرائيل. ولقد أدت تلك الميتة الى تقهقر في عملية السلام مع بداية مختلفة. مع ايهود باراك، وعلى الرغم من شخصيته المعقدة اتخذت العملية آلية جديدة، محملة بالدرامية، ومدفوعة بالتزام كلينتون الرئيس الاميركي الذي تدخل أكثر من غيره شخصيا في محاولة التوصل الى الحل النهائي للصراع في الشرق الأوسط. وفي الأسابيع الأخيرة من رئاسة كلينتون، بدا واقعياً ان من الممكن الوصول الى اتفاق السلام الأكثر طموحاً المعلن حتى تلك اللحظة والأقرب الى حيز الامكان، لكن ياسر عرفات لم يدرك طبيعة ذلك الظرف، أو انه لم يرغب باستغلاله، أو انه أخطأ في رهانه اثر الانسحاب الاسرائيلي من لبنان. وقررت الادارة الاميركية الجمهورية الجديدة البقاء بعيدة عن هذا الصراع حتى قبل خروج كلينتون من البيت الأبيض الى ان جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتضع القضية في المركز السطحي لزلزال أحدثته أخطر أزمة عالمية أتذكرها، والتي تبدو مستعصية التوقعات، من حيث عواقبها، والتي تحدث أوسع التصدعات في الوعي العالمي. ولقد تسببت دوامة العنف خلال الأشهر الأخيرة بوضع مستحيل، فهناك سكان مرعوبون في اسرائيل وسكان يائسون في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد عاش المواطنون الاسرائيليون في ظل شعور بعدم الأمن منذ ولادة الدولة العبرية نفسها، لكن التهديد الذي أحسوا به كان محققاً وكان الرد يعمل على امتداد عقود. أما التهديد الجديد الذي أخذ شكل الهجمات «الانتحارية» فإنه لا يتطابق مع الردود المعدة مسبقاً، والأمن تحوّل الى رعب. وكان الشعب الفلسطيني قد لامس بأصبعه حلم السلام مقابل الأرض، لكن ضياع هذه الفرصة وتصاعد العنف بدون مقدمات أديا الى تنامي حماس يائس بطريقة استثنائية، فالكثير من الشباب ـ ربما الألوف منهم ـ هم من اجيال مولودة في مخيمات اللاجئين في الأراضي المحتلة، ويبدو انهم توصلوا الى نتيجة مفادها ألا شيء بحوزتهم ليخسروه لأنه ليس هناك ما يقدم لهم آفاقاً مستقبلية، وبالتالي فهم يبدون استعداداً لموت محتوم في سبيل قتل من يرونه عدواً لا سبيل للتصالح معه.إنها حرب بدون نهاية وبدون منتصرين محتملين، حرب ستتحول بشكل حتمي الى آلة هائلة للعنف تعمل بالقوة الطاردة المركزية في أي بقعة من الكون. لذلك تأثرت كثيراً بأسلوب التقطير ذاك للهجوم الذي وقع بالقرب من كنيس يهودي تونسي في «جربة». كما لو كنا نرفض رؤية ذلك الواقع بحيث أنكرت ملاحظات مقتضبة لاحدى وكالات الابناء ذلك الهجوم وقلصت عدد الضحايا لترفعه في الأيام اللاحقة ولتعترف في نهاية المطاف بطبيعة ما جرى. ولقد أعادتنا الصحافة والاذاعة والتلفزيون في الثامن من مايو اثر ما بدا أنه فترة توتر أقل الى التاريخ السابق الحقيقي للمركز السطحي من الزلزال، وذلك مع الهجوم «الانتحاري» الجديد في اسرائيل والذي تزامن مع فشل زيارة شارون لبوش أو الذي شجع هذا الفشل. لكن مركز الزلزال ذاك لا يتفق، كما تظهر وسائل الإعلام هذه، آخذين بعين الاعتبار هجمات «ارهابية» ذات أحجام كبيرة حدثت خلال الساعات الأخيرة في نقاط عدة من العالم وبميزات تحملنا على التفكير بشبح ابن لادن في صراع الحضارات والصراعات العرقية ـ الدينية لا تتفق مع تلك النتائج التي وضعت العالم في حالة تأهب قصوى في الحادي عشر من سبتمبر. أليست هذه عبارة عن مصادفة محضة في صراع متناثر لكنه عالمي، أم اننا أمام أعمال متسلسلة تعبر عن التهديدات الجديدة للنظام العالمي؟ التطور الأسوأ يمكن ان يكون على وشك الحدوث في ظل وضع يبدو ان الزعماء فقدوا فيه هامش السياسة وأصبحوا أسرى الأساطير ومنطق القوة. مع العلم ان الأسوأ لن يحدث بالضرورة في مركز الزلزال السطحي، ولا التهديد «الارهابي» سيتركز بشكل استثنائي في سكان اسرائيل. وكذلك لن يقتصر التدمير واليأس على الأراضي الفلسطينية أو مخيمات اللجوء. فالخطر ينمو مع معاداة السامية، مثلما ينمو الحقد باتجاه الغرب في العالم الاسلامي ـ العربي وغير العربي، وينمو الخوف وكره الأجانب في جميع البلدان المتطورة أمام موجات المهاجرين والشعور بعدم الأمان أمام حضور الـ «آخر». لكن كل تلك العناصر لما هو لا عقلاني والتي تسيطر على الردود السياسية، تكون أكثر هشاشة في كل مرة وأكثر شقاء جراء اندفاع الاساطير المبسطة. وفي المركز السطحي للزلزال في الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني سيندرج الممكن دائما في مبادلة السلام بالأرض، الأمر الذي لا يمكن ان يأتي إلا من الخارج، من ذلك الذي ندعوه بالمجتمع الدولي مع دور رئيسي (لا غنى عنه بالنسبة للبعض وحتمي بالنسبة للآخرين) للولايات المتحدة، كسلطة عالمية وحيدة بارزة، لكنها بحد ذاتها غير كافية. وسيجدون انفسهم مجبرين على صياغة مخرج يتأمل جميع المشكلات التي تستلزم قبول قيام دولة فلسطينية والاعتراف بدون تصدعات بدولة اسرائيل حيث يجب ان يلتزم بهذا كل من الاوروبيين والعرب وكذلك الروس والصينيون ومجلس الأمن. وسيكون على ممثلي المجتمع الدولي هؤلاء ان يطبقوا ما هو محل شك كبير على أطراف النزاع اليوم قبل الغد وبدون الاكتراث بهامش القيام به بشكل مباشر حتى ولو رغبوا بذلك. إن الوقت يمضي بسرعة وعلى جميع الأطراف المعنية استغلال الفرصة السانحة قبل فوات الأوان. ترجمة: باسل أبوحمدة عن « البايس » ـ اسبانيا