اغتيال ابن أحمد جبريل الزعيم الفلسطيني المخضرم الاسبوع الفائت يستدرج إلى الذاكرة قائمة من الآباء والأبناء يشكّلون في مُجملهم خطين متوازيين، خط قوامه مناضلون يعيشون على حافة الموت، والآخر يتمثله مناضلون يستأثرون بقمة السلطة. ربما يطرح هذا التناقض على حدته هذه سؤالاً مشروعاً حول مسألة التنشئة العربية. بمصرع جهاد يكتب جبريل شهادة بالدم العائلي تؤكد جديته في العمل الفدائي، جدّية تبدأ من البيت وبالولد، «وأبناؤنا مثل الجوارح» قد يكون جهاد ساهم في النضال الفلسطيني على نحو جعل العدو يُقدم على تصفيته، غير أن الضربة القاتلة لم تكن موجهة لجهاد وحده وإنما تستهدف بالضرورة أباه. في الثاني عشر من سبتمبر عام 1997 فقد حسن نصر اللّه الأمين العام لحزب الله ابنه هادي في عملية فدائية، وكان صبياً لم يُكمل عقده الثاني. ذلك أنموذج آخر قدمه مناضل عربي آخر بالدم والروح من داخل بيته لنهجه الثوري. ذات صباح من صيف 1972 اصطحب غسان كنفاني الكاتب الفلسطيني المبدع ابنة أخته «لميس» وكانت يومئذ صبية في ربيعها التاسع عشر بغية تسجيلها في الجامعة الأميركية ببيروت، وكان كنفاني يُدلل الصبية التي كتب لها مجموعة من قصص الأطفال، غير أن مشوارهما إلى الجامعة لم يبدأ، إذ بمجرد إدارة محرك السيارة هزّ انفجار منطقة مارنقولا في بيروت الشرقية وتناثر جسد الصبية البضّ وخالها وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر، كانت عناصر الموساد قد زرعت عبوات متفجرة في سيارة الأديب المبدع الذي احترق وبقيت منه آثار أدبية حية في مقدمتها «رجال في الشمس». في الصيف نفسه من ذلك العام استهدفت صواريخ إسرائيلية منزل الدكتور وديع حداد ـ وهو مناضل فلسطيني آخر بالكلمة ـ فأفلت هو وضيفته ليلى خالد وأصيب ابنه هاني بجراح. ذات ليلة من ابريل للعام 1973 استشهد ثلاثة من المناضلين الفلسطينيين العظام في عملية غدر إسرائيلية كان بطلها إيهود باراك رئيس الوزراء السابق الذي هبط بيروت في ثياب امرأة وأفرغ مسدسه بدم بارد في رأس كمال ناصر الذي كان محور حب جميع الفلسطينيين حتى أطلقوا عليه لقب «ضمير الثورة» لفرط إيمانه ودأبه من أجل توحيد الفصائل الفلسطينية، وكان مفكراً حكيماً شجاع القلب واللسان. كان كمال ناصر أحد أضلاع مثلث خسرته الثورة الفلسطينية في تلك الليلة المشئومة ـ الضلع الثاني هو كمال عدوان الذي كان يرى العالم قاطبة من خلال قضية شعبه وكان ثائراً يحذق فن الثورة ويجيد تلقينه للآخرين ـ أما الضلع الثالث فكان أبو يوسف النجار وهو ثوري ناسك يجمع بين الصلابة والمرونة في رجل واحد. هكذا لم يكن النضال في سبيل الوطن وحده الذي يجمع بين ذلك الثالوث بل كانت ثمة مباديء وقيَم فكرية وأخلاقية وعلاقة ود أكثر من صلة قربى تربط بينهم ولم يوقفها سوى الموت. زوجة النجار دفعت حياتها هي الأخرى في تلك الليلة. في ليلة مماثلة من الشهر نفسه للعام 1988 جرّدت اسرائيل حملة عسكرية كاملة قوامها 14 ألف جندي وطائرات مقاتلة وبارجتان وغواصة في حراسة طائرة أواكس من أجل تصفية خليل الوزير (أبو جهاد) في منزله بتونس، وكان مناضلاً وقائداً رفع البندقية والحجر في وجه الاحتلال وحرك الانتفاضة الأولى، لم تكن ابنته الصبية إيمان تدرك حجم ذلك الجيش الذي استهدف منزلهم تلك الليلة، غير أن مشهد الجنود الذين أفاقت إيمان من نومها على أزيز أسلحتهم وجسد أبيها الممزق بالرصاص الحاقد يظل محفوراً في دماغها. على الخط الموازي يوجد ساسة مناضلون على دست الحكم مهّدوا أو هم يمهّدون لأبنائهم لوراثة السلطة، كما يُحاول الأبناء أنفسهم الاحتفاظ بإرث الآباء، هذه الرغبة المزدوجة لا تكبحها العداوات غير المستترة التي يعايشها الآباء والأبناء والتي بلغ البعض منها حدّ الدم في سياق الصراع على السلطة. فلم يقنع مثل ذلك الصراع الآباء في تجنيب أبنائهم مثل تلك المحن، كما أن الأبناء لم يتّخذوا منها العبرة والدرس. وهناك بالفعل من ورث نظاماً وثمة من يُعد نفسه لمقعد القيادة ويوجد من يتدرب عليها من خلال الإمساك بزمام الأجهزة القابضة داخل الأنظمة، الشواهد الواضحة في العواصم العربية قد تعفينا من الاستشهاد. بغض النظر عن انحيازنا لخط دون الآخر أو إعجابنا بآباء وأبناء دون غيرهم، فإن الممارستين تثيران سؤالاً مشروعاً حول توجهنا في التنشئة. لا بُد باديء ذي بدء من فض الاشتباك عما إذا كانت الممارسة في الأصل هي إملاء من جهة الآباء على الأبناء أو هي نرجسية ذاتية تدفع الآباء لاستنساخ ذواتهم في الجيل الثاني وتمديد تجاربهم، أم أن مفصل الأزمة في الأبناء الذين لا يريدون أو لا يستطيعون الخروج من جلابيب آبائهم، وكل منهم مثل الفتاة التي بأبيها معجبة.