استخدمت احدى شركات الطيران أسلوبا جديدا مشوقا للترويج عن خدماتها في سوق السفر العربي الذي عقد مؤخرا في دبي، وقامت الشركة بابتكار وسائل جديدة، لابراز نفسها وأعمالها وسط هذا العدد الهائل من العارضين.. هذه الوسائل كانت عبارة عن الاعلان عن حجم اعمالها من خلال أرقام طريفة مثل استخدامها لأكواب البلاستيك لمدة شهر واحد والذي يقدر ب 100 كيلومتر طولا اذا وضعت فوق بعضها البعض مما يعني أنها أطول ب 230 ضعفاً من ارتفاع مبنى « امباير ستريت » الذي يعد الأعلى في العالم.. اضافة الى ذلك فان حجم ما تم استخدامه في السنة يقدربنحو88 ألف كيلو جرام من الأرز وذلك يعادل وزن طائرة ايرباص « ايه 320» محملة، اما المناشف الورقية التي يتم استخدامها فانها تغطي 35 ملعب كرة القدم !! وقبل أن نندهش من هذه الأرقام علينا أن نفكر أولا في الطريقة التي يتم التخلص فيها من هذه النفايات الضخمة.. هذا ما لم تتطرق اليه الشركة !! ولعل تجربة بلدية دبي « المريرة » في مجال خفض معدلات النفايات هي المفتاح الذي قادنا الى هذا السؤال، والسبب هوالحملة التي بدأتها منذ بضع سنوات وعلى الأرجح كانت في عام 1998 وأطلقت عليها حملة «الهدف 555» وهي ببساطة محاولة خفض ناتج الفرد من النفايات الى 555 كيلو جراماً بدلا من 730 كيلو جراماً في ذلك الوقت، ووضعت الحملة تاريخاً محتملاً لانجاز هذا الهدف هو نهاية عام 2001 الماضي.. هل تريدون معرفة النتيجة ؟ ارتفعت معدلات الناتج الفردي من النفايات في الامارة الى مايقارب 800 كيلو جرام !! .. بالتأكيد لن تنجح البلدية في مهمتها، ولن تفيد الندوات وحملات التوعية، ومسابقة الهدف 555، خاصة أن معظم أفراد المجتمع بالرغم من هذه النشاطات كلها مازالوا يتساءلون عن معنى « 555»، وهناك من يعتقد أنها حملة لمكافحة لمكافحة التدخين !! لن تنجح البلدية في هذا الأمر لأن الموضوع متمكن في شخصية كل انسان، وهو مرتبط بشكل وثيق بالثقافات والعادات المتوارثة التي يصعب تغييرها وانتزاعها من الذات.. تعود الناس على البذخ وتعودوا على البذخ واستخدام ما يلزم وما لا يلزم، وما يفيد وما لايفيد، فكيف يتم تغيير ذلك ؟! انتهى عام 2001 ولم يتحقق الهدف، وأعتقد أن عام 3001 سينتهي أيضا دون تحقيق هذا الهدف ما دامت القناعات الحالية مازالت باقية !! مشكلة التخلص من النفايات ضخمة ومعقدة ومكلفة أيضا، والطريقة المعمول بها حاليا في التخلص منها تنحصر في طمرها في باطن الأرض، فالى متى ستحتمل الارض طمر هذه الكميات الضخمة ؟! واذا أخذنا الموضوع من زاوية التكلفة المادية وهي الطريقة الوحيدة لجذب انتباه أكبر عدد من الناس، فان المؤشر الوحيد الذي يعكس ارتفاع التكلفة هو ذلك البرنامج الخاص الذي وضعته البلدية لحساب تكاليف تجميع النفايات والتخلص منها، وهو يشير الى أن سعر التكلفة هو 75 درهماً لكل طن، أي ما يعادل 20 دولاراً، طبعا اذا ضربنا هذا الرقم في عدد سكان الامارة الذي يتجاوز ال 700 ألف نسمة فان الرقم الاجمالي يقترب من 14 مليون دولار أي ما يعادل 53 مليون درهم تقريبا.. هذا والله أعلم كم سيصل الرقم بعد اضافة جميع الزائرين والعابرين للمينا !! اذن عندما تريد البلدية الوصول الى الهدف 555، فانها تسعى لتوفير 380 كيلو جراماً من كل فرد وهو ما يعادل 28 ألف درهم، واذا ضربنا المبلغ في عدد السكان فانه سيصل الى حوالى 20 مليون درهم.. أتدرون ماذا تعني 20 مليون درهم في كل سنة يعني ببساطة بناء 40 فيللا سكنية للمواطنين شبيهة بتلك التي بنتها البلدية في حتا أو زعبيل أو العوير.. أو على الأقل تخفيف حدة الديون عن كاهل 200 شاب بشكل سنوي !! أيهما أهم من وجهة نظركم ؟! .. اذن متى سنترك أسوأ عادة تلازمنا وهي حب الاستهلاك والصرف والتي لا نجني من ورائها سوى الخسائر والخسائر والخسائر !! .. تفاخرنا وما زلنا نتفاخر بأننا أعددنا أكبر كيكة في العالم، وصنعنا أكبر كرسي في العالم، وأطول سلسلة ذهبية، وها نحن اليوم نتفوق على طوكيو وفنلندا ومعظم المدن الأمريكية الكبرى ولكن في حجم المخلفات التي يتركها كل فرد مقارنة بحجم المدينة !! واعتقد أن البلدية مطالبة بتغيير استراتيجيتها لضمان نجاح الهدف، وهذا لن يتحقق الا بطريقة واحدة وهو مكافأة كل فرد عن كل كيلو جرام يوفره من النفايات نقدا، وفرض غرامة على كل كيلو جرام زائد.. هذه اللغة التي يفهمها الكثيرون جيدا.. والكيلو بـ 75 درهماً والحسابة بتحسب !!