بيان الجمعة:الاسلام هو دين التسامح والتراحم فهو يدعو الى التعايش السلمى بين الشعوب وداخل المجتمع الواحد بل داخل الاسرة الواحدة والسماحة في المصطلح الحضارى العربى الاسلامى تعنى العطاء بدون حدود واللين في الأشياء والمعاملات دون انتظار مقابل أو ثمن. والسماحة صفة لصيقة بالاسلام ومميزة له وهى أيضا صفة واقعية تجسدت في الأمة الاسلامية وتاريخها وحضارتها. ولم تكن السماحة عند المسلمين كما كانت عند الآخرين مجرد مثاليات استعصت على التطبيق فقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « بعث بالحنيفية السمحة». ولذلك فإن اتهام الاسلام في الوقت الحاضر بالعنف والارهاب واعتماد القوة في نشر مبادئه أو القول بأنه انتشر بحد السيف لا يخالف الشريعة الاسلامية فحسب وانما يخالف الواقع المعاش على مدار التاريخ الاسلامى كله. وفي هذا السياق تأتى تلك الدراسة للمفكر الاسلامى الدكتور محمد عمارة حول سماحة الاسلام لتوضح مدى تسامح الاسلام بالمقارنة بغيره وترد على الاتهامات الباطلة التى توجه للاسلام والمسلمين. في البداية يؤكد الدكتورعمارة أن الاسلام هو دين التسامح والتعايش السلمى بين الشعوب في المجتمعات المختلفة وبين أتباع الديانات داخل المجتمع الواحد مشيرا الى ان السماحة بدأت في التاريخ الانسانى بظهور الاسلام حيث وضعت الدولة الاسلامية والحضارة الاسلامية عبر تاريخها السماحة في موضع الممارسة والتطبيق. عنصرية اليهود ويوضح ان الاسلام ظهر وليس في العالم دين أو حضارة تعترف بالآخر أو تسالم الآخرين فاليهودية التلمودية تحولت الى ديانة عنصرية تجعل اليهود بحكم الولادة والعرق والدم - وليس بحكم التدين والصلاح والتقوى - شعب الله المختار وأبناء الله وأحباءه ويقول عهدهم القديم إن علاقتهم بالآخرين ليست فقط الكراهية واللعن والانكار بل المطلوب منهم أن يأكلوا الشعوب الأخرى فإبادة الآخرين عندهم تكليف إلهى، ففى سفر التثنية : «لأنك أنت تسحب مقدس للرب إلهك.. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض مباركا تكون فوق جميع الشعوب وتأكل جميع الشعوب» وقد وصف القرآن هذه العنصرية في قوله - تعالى - «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه». وتشير الدراسة الى أن النصرانية بادلت اليهودية إنكارا بإنكار فطبقت على اليهود ذلك المبدأ الظالم الذى ابتدعوه ونسبوه الى الذات الالهية عندما زعموا ان الله يعاقب الخلف بذنوب السلف حتى أربعة أجيال ووضعت النصرانية في كل صلواتها لعن كل أجيال اليهود بسبب موقف أجدادهم الأولين من المسيح عليه السلام موضحة أن هذا الانكار المتبادل بين اليهود والنصارى تجسد في الواقع وفي الممارسة والتطبيق ثورات واضطهادات حيثما وجد اليهود والنصارى في مجتمع من المجتمعات. وتضيف الدراسة إن هذه الأفكار نفسها للآخر واحتقاره واضطهاده وتجريده من الانسانية وحقوقها صنعته الحضارة الغربية في بدايتها الاغريقية وفي طورها الرومانى ففى أثينا كانت الديمقراطية حكرا على القلة من الفرسان الأشراف أما غيرهم فكانوا برابرة وهمجا لا حظ لهم في الديمقراطية ولا حقوق لهم في المجتمع أما الرومان فكانوا ينظرون الى غيرهم أيضا برابرة لا حق لهم في أن يطبق عليهم قانون السادة الرومان. وتنتقل الدراسة الى الاسلام وتؤكد أنه وضع لبنات عالمية إنسانية جديدة تجعل من الله ربا للجميع وليس ربا لشعب دون شعب أو أمة دون أمة بالاضافة الى تكريم الانسان بغض النظر عن دينه وجنسه ولونه كما جعل الاسلام التفاوت في القرب من الله على أساس التقوى والعمل الصالح وليس على أسس عرقية عنصرية ولم يحتكر النجاة لأبناء شريعته دون الشرائع الآخرى «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» ويرفض الاسلام كل الفلسفات والأنساق الفكرية التى تجعل العنف والقتال وسفك الدماء غريزة مركوزة في طبيعة الانسان ويقرر أن القتال استثناء وليس قاعدة وشذوذاً عن طبيعة الفطرة السوية وشرع لضرورات محددة تتمثل في رد العدوان على العقيدة والدفاع عن الوطن ويجعل من هذا القتال الاستثنائي تدافعا يهدف الى تعديل المواقف وتحقيق التوازن وصولا الى التعايش بين الفرقاء وليس صراعا يستهدف القضاء على طرف والغاء وجوده. ويشير الدكتور عمارة الى ان السماحة في الاسلام تجاوزت حد الاعتراف بالآخر حتى الآخر الذى لا يعترف بالاسلام وجعلت تمكين هذا الآخر من إقامة كفره بالاسلام جزءا من عقيدة الاسلام وواجبا من واجبات الدولة الاسلامية وجعلت منه أيضا جزءا من الذات الوطنية والقومية الحضارية حيث جعل الاسلام الأقوام والأمم والشعوب والقبائل والحضارات تنوعا في اطار الانسانية التى اراد الله لها هذا التنوع والتعدد وجعله سنة دائمة الى يوم القيامة. ويضيف قائلا: ان الاسلام لم يكتف بجعل الآخر جزءا من الأمة الواحدة والرعية الواحدة للدولة الاسلامية وانما فتح الباب أمامه للاسهام في بناء الحضارة الاسلامية ولذلك استوعب الاسلام حضارات الاغريق والرومان وأدخلها في نسيج حضارته. كما ترك الاسلام هذا الآخر الدينى ليدير دولاب الدولة ودواوينها موضحا ان فترات التوتر والاضطهاد لغير المسلمين في الحضارة الاسلامية كانت قصيرة وارتبطت كما أكد ذلك بعض المؤرخين غير المسلمين بالمزاج الشخصى لبعض الخلفاء وتردى الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية لسواد المسلمين بسبب ظلم بعض الذميين الذين تولوا مناصب ادارية عالية بجانب التدخل الأجنبى في البلاد الاسلامية واغراء الحكام الأجانب للأقليات غير المسلمة لتتعاون معهم ضد الأغلبية المسلمة. توترات عابرة وتوضح الدراسة ان هذه المشكلات ظلت في اطار التوترات العابرة التى ارتبطت بفترات الغزو واستجابة قلة لغواية الاجانب في حين ظل النسيج الوطنى والقومى والحضارى مجسدا للتنوع في اطار الوحدة وللاختلاف في اطار الأمة الواحدة والحضارة الواحدة والقومية الواحدة والدولة الواحدة. تلك الجوامع التى انجزتها سماحة الاسلام. ويؤكد الدكتور عمارة أن سماحة الاسلام لم تقف عند حد عدم تمييز المسلمين عن غيرهم أو جعل الله هو رب العالمين وليس رب شعب دون شعب آخر ونفى أن يكون القرب من الله هو ثمرة للعنصرية وانما جعل التفاضل بين الناس على اساس التقوى والعمل الصالح وعدم احتكارالاسلام النجاة لأبنائه فقط دون الشرائع السماوية الأخرى ورفض كل الفلسفات التى زعمت ان العنف والقتال وسفك الدماء هى غريزة في الانسان وجعل القتال هو الاستثناء وليس القاعدة وإنما تجاوزت ذلك كله وأوجبت العدل حتى مع الذين لا يعترفون بالاسلام ومع العدو الذى نقاتله. وسن الاسلام قواعد للفروسية غير مسبوقة فنهى عن قتل غير المقاتلين ونهى عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ بل وعدم هدم البيوت أو قطع الأشجار وجعل القتال لرد العدوان عن العقيدة والوطن ولإحلال العدل وتحقيق التوازن موضحا أن هذا الأفق الاسلامى في السماحة احتضن الكل وجعل الايمان شاملا لكل ما نزل من السماء عبر التاريخ وبالتالى يؤمن الاسلام بالرسالات الاخرى والرسل السابقين بل ان الاسلام لم يهمل الفروق الدقيقة بين التيارات والفرق الأخرى ولذلك لم يعمم الأحكام والأوصاف على أهل الكتاب0 وتشير الدراسة الى أن الاسلام لم يقف عند هذا الحد غير المسبوق في السماحة عند أهل الكتاب وانما شمل أيضا المتدينين بالديانات الوضعية وتركهم وما يدينون وعاملهم في الدولة الاسلامية معاملة أهل الكتاب موضحة أن الاسلام لم يجعل الاعتراف بالآخر وقبوله وتمكينه من إقامة عقائده وشعائره مجرد أمر مباح أو حق من حقوق هذا الآخر وإنما جعله فريضة اسلامية وشرطا لاكتمال الاعتقاد بعقائد الاسلام وهذا يشمل حتى الذين ينكرون الاسلام ويجحدونه ويكفرون بمقوماته ولا يؤمنون بأن قرآنه وحى سماوى ولا بأن رسوله مبعوث إلهى ولا بأن ما جاء به دين إلهى. وتخلص الدراسة الى أن ما قرره الاسلام في هذا الصدد لم يكن مجرد فكر نظرى كتلك الوصايا الصوفية المثالية التى تضمنتها كتب سابقة على القرآن الكريم ولم تعرف طريقها الى التطبيق في حياة الناس وممارساتهم وانما تحول الى حياة ودولة وتاريخ وحضارة منذ البداية ففى دولة المدينة التى ترأس حكومتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نص دستورها على التعددية الدينية لرعية هذه الدولة الاسلامية الأولى وعلى المساواة والعدل والانصاف في حقوق المواطنة بين هذه الرعية المختلفة والمتعددة في الدين وقد سارت الدولة الاسلامية على هذا النهج النبوى والتوجيه الالهى في التعامل مع الآخر في مختلف مراحلها التاريخية. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد