بيان الجمعة: بالنسبة للبابوية وعمرها 2000 سنة وبالتالي فهي أطول استمرارية من نوعها في التاريخ، بدأ القرن العشرون بحمل البابا ليو الثالث عشر على عرش نقال كان يعتبره سجنه، في أرجاء حاضرة الفاتيكان. وبحلول العام 2000 يصل القرن البابوي الى ذروته بالبابا يوحنا بولس الثاني الذي يتمتع بنجومية أبطال السينما، والذي قطع حتى الآن مليون كيلومتر بالطائرة ووصل الى أقاصي الأرض بسيارته «باباموبيل» والمروحية وطائرة الكونكورد الأسرع من الصوت. لقد شهد البابوات التسعة الذي تعاقبوا في القرن العشرين تقدماً هائلا في العلوم والتقنية، إلا انهم واجهوا أيضاً معاناة بشرية هائلة أوجدتها الحربان العالميتان والقنبلة الذرية والتطهيرات السوفييتية والمذابح السياسية والدينية والاثنية والقبلية المتلاحقة. كان البابا ليو الثالث عشر في الثالثة والتسعين عندما توفي سنة 1903 بعد ان جلس 25 سنة على العرش دبلوماسيا ماهرا مركزا جهوده على استعادة الأراضي التي ضاعت في اطار الحركة الوطنية الجياشة التي وحدت ايطاليا. وبدا خلفه بيوس التاسع سجنه الطوعي عندما زحف الملك فيكتور عمانوئيل على روما واتخذ منها عاصمة لمملكته، ورفض بيوس الاعتراف بايطاليا الجديدة، وعند وفاته حاول الايطاليون الوطنيون الساخطون القاء جثمانه في نهر التيبر. وعلى الرغم من العزلة المستمرة حاز ليو الثاني عشر على الاحترام العالمي لوساطته في نزاع ثار بين اسبانيا وألمانيا واقنع بمهارته المستشار الالماني آنذاك أوتو بسمارك بالغاء القوانين المناهضة للكاثوليكية التي أدت الى اغلاق الاديرة وطرد الرهبان الجيزويت وسجن العديد من الكهنة الألمان. وأسس ليو الثاني عشر العديد من الابرشيات في افريقيا واليابان وأمريكا. إلا انه على غرار ما يفعله الان يوحنا بولس الثاني، ناهض مختلف المحاولات الهادفة الى مواءمة التعاليم الكنسية مع الثقافة المعاصرة. وفي الوقت نفسه فتح هذا البابا المثقف والخبير في كتابات دانتي أرشيف الفاتيكان أمام الباحثين من غير الالتفات الى انتماءاتهم المذهبية، معلناً ان الكنسية «ليست لديها أسرار». ومع تكاثر عمالة السخرة في المعامل والمصانع ابان الثورة الصناعية، أخذ يصدر الرسائل البابوية التي تركز على حق العمال في الأجور العادلة وتشكيل النقابات فاستحق بذلك اللقب «بابا العمال». ثم جاء خلفه بيوس العاشر ليخفف موقف الفاتيكان من الأمة الايطالية، وعارض «العصرنة» بحماس أكثر من سلفه ووصفها بأنها «أصل كل الهرطقات». وعندما أصبح يوحنا الثالث والعشرين بابا في العام 1958 عثر على اسمه على لائحة الفاتيكان لاساقفة يشتبه بأن لهم «ميولاً» تقدمية. ويعود الفضل في انتخاب بيوس الى الفيتو الذي وضعه امبراطور النمسا فرانز جوزف، سليل عائلة هابسبورغ» على المرشح المفضل. مع ذلك منع بيوس تدخل الملوك الكاثوليك في الانتخابات البابوية، وبذل جهوداً كبيرة من أجل وقف انحدار اوروبا المتسارع نحو الحرب العالمية الأولى التي اندلعت شرارتها الأولى قبل أيام قليلة من وفاته. وجرى تطويب بيوس العاشر بعد 40 سنة من رحيله فأصبح أول بابا يرقى الى هذه المرتبة منذ بيوس الخامس الذي ألقى الحرم الكنسي على الملكة أليزابيث الأولى في انجلترا سنة 1570. وعلى عاتق بنديكت الخامس عشر وقع عبء التعامل مع البلدان الكاثوليكية التي وجدت نفسها في حالة المجابهة في الحرب العالمية الأولى وكل منها يدعي خوض حرب عادلة ويبتهل من أجل النصر. وأثار اتخاذه موقف الحياد واحتجاجه المتواصل على استعمال الاسلحة اللاانسانية مثل الغاز السام، غضب الجانبين. وسعى البابا الى اسعاف ضحايا الحرب الابرياء وعرض خطة سلام من سبع نقاط. ورفضت الخطة، إلا ان معظم مقترحاته وردت في خطة الرئيس الامريكي وودرو ويلسون من 14 نقطة. وأنهى بيوس الحادي عشر العزلة البابوية الطويلة سنة 1929 على معاهدة لاتيرانا مع بنيتو موسوليني والتي أسست دولة الفاتيكان على ما مساحته 108 فدادين وبعد سنتين أثار البابا نفسه حفيظة موسوليني باصداره رسالة تندد بالفاشية. وفي العام 1937 ندد بالايديولوجية العرقية النازية برسالته البابوية بعنان «بالم حارق» واصفاً إياها بأنها متنافية مع المسيحية. وأمر أدولف هتلر بمنع توزيع هذه الرسالة في ألمانيا. وحاول البابا بيوس الثاني عشر الذي انتخب مع اندلاع الحرب العالمية الثانية أن يكون أكثر دبلوماسية في مواجهة أهوال الحرب فألقى موقفه ذاك ظلالاً لا تزال عالقة فوق البابوية في عهده. كان بيوس الثاني عشر الذي شغل سابقا مركز القاصد الرسولي في المانيا يخشى ان يؤدي التنديد بهتلر الى تعريض المجندين الكاثوليك في جيوش المحور الى الخطر والى أعمال قمع أشد مما اقترفه بسمارك. كما ان وجود ثلاثة كرادلة وألوف الكهنة والراهبات في السجون الأوروبية الشرقية جعله يعتبر الرايخ الثالث كحصن منيع ضد الشيوعية الملحدة. وكان يوحنا الثاني والعشرين الذي لقب بـ «البابا المرح» لما كان يتمتع به من شخصية انطلاقية في السابعة والسبعين عندما اعتلى العرش البابوي في عمر البابا الحالي. وقد اعتبره الـ «فاتيكانيستي» أي الصحافة المراقبة للبابوية، حبراً مؤقتاً. إلا انهم أصيبوا بصدمة. في غضون ثلاثة أشهر من انتخابه دعا يوحنا الثاني والعشرون الى عقد مجمع عام بمشاركة 2500 أسقف من مختلف انحاء العالم من «أجل فتح نوافذ الكنيسة» وتخليصها من عقلية القرون الوسطى. وشارك في المجمع رجال دين أرثوذوكس وبروتستانت بصفة مراقبين. وأسفر مجمع الفاتيكان الثاني عن تغييرات واسعة واقرار لا مركزية البيروقراطية الكنسية واستبدال اللغة اللاتينية في الطقوس باللغات المحلية والدعوة الى الحوار مع الكنائس المسيحية المنفصلة عن الفاتيكان. ولم يعر يوحنا الثاني والعشرون اهتماما بالحرب الباردة فأجرى ثورة هادئة في سياسة الفاتيكان الخارجية معتبرا الرأسمالية اللامسئولة خطرا ليس أقل خطورة من الشيوعية. وقد سحر ابن المزارع الفلاح هذا قادة العالم والعالم أجمع ببساطته الريفية ودعابته الآسرة. على سبيل المثال، سأله أحد لاهوتيي المجمع ما هو عدد العاملين في الفاتيكان فرد قائلا: «حوالي نصفهم». كان المجمع الثاني قد أنجز الدورة الأولى من دوراته الأربع وعندما توفي يوحنا الثاني والعشرون تولى خلفه بولس السادس تسيير دفة المجمع الى نهايته في مواجهة معارضته دعاة المحافظة على القديم الذين نددوا بالتغييرات والليبراليين الذين اشتكوا من انها جاءت غير كافية. وكانت النتيجة ان ألوفاً من الكهنة والراهبات نزعوا ثياب الكهنوت. وفي عهد بولس السادس جرى تدويل الكنيسة بزيادة عدد الكرادلة من 87 الى 137 ومعظمهم من البلدان الناشئة. وسافر الى الأراضى المقدسة لمقابلة بطريرك القدس، والى نيويورك لالقاء خطاب أمام الأمم المتحدة، ثم الى الهند ويوغندا وكولومبيا ومانيلا حيث نجا من محاولة اغتيال بالخنجر. وأدهش بولس السادس الكوريا المحافظة بدعوة النساء للمشاركة في مجلس المراقبين وعين القديسة تريزا دي أفيلا وكاترين دي سينا كأول أقمار (أعلام) نسائية للكنيسة. إلا ان شعبية بولس السادس انهارت وسلطته تضاءلت، وعندما أهمل نصيحة اللجنة الحبرية وأصدر الرسالة التي حرم فيها منع الحمل، إلا ان الكثيرين أهملوا هذا الحظر كما يظهر من تراجع نسب الولادات في البلدان الكاثوليكية، ومن غياب هذا الموضوع في مواعظ الكهنة. وعند البابا يوحنا بولس الأول الذي جاء اختياره مفاجأة ـ كان أقصر عهد ثانوي مسجل في التاريخ. فبعد ثلاثين يوماً من انتخابه عثر عليه متوف بأزمة قلبية في غرفة نومه، وكان مصباح القراءة قرب سريره لايزال مضاء، وآثار وجود تشريح شائعات لا أساس لها بأنه مثل 12 من أسلافه على امتداد القرون ـ ذهب ضحية التسمم أو الخنق. وأصبح الكاردينال البولوني كارول فويتيلا أول بابا غير ايطالي منذ اكثر من 450 سنة وأول بابا من وراء الدانوب. وكان هذا الاسقف الكاريزمي الذي يتقن عدة لغات قد نجا من النازية والشيوعية. وقد اختار لنفسه اسم يوحنا بولس الثاني. وكان البابا الحالي قد درس الكهنوت مختبئا من فرق الـ «اس.اس» التي تجمع عملا السخرة في كراكو. وبصفته كاهن رعية وأسقف استطاع ان يحتال على المفوضين المدربين من قبل السوفييت للابقاء على شعلة الايمان في بلده بولندا. وكان يوحنا بولس الثاني الذي يهوى تسلق الجبال والتزلج على الثلج يصطاف في جبال الالب الايطالية الى حين تعرضه لكسر في الورك قبل خمس سنوات. وهو يتعامل مع العالم على انه ابرشيته. وقد زار 118 بلدا، وقد رأته على الطبيعة جماهير أكبر مما رأت أي رئيس دولة وفي عدد أكبر من الاماكن. فثلث سكان ايرلندا ونصف سكان بولندا خرجوا الى الشوارع لرؤيته وخمسة ملايين شخص ركعوا لنيل بركته في مانيلا. وفي مطلع هذه السنة حضر مليون و200 الف شخص القداس الذي أقامه على أوتوستراد في مكسيكو سيتي. إلا ان مكانة هذا البابا ذي الشعبية الواسعة تأتي من أبعد ما يمكن تحقيقه عن طريق الأسفار، فالرئيس التشيكي فاتسلاف هافيل ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر ووزيرة خارجية أميركا الأسبق وهنري كيسنجر وكثيرون غيرهم يعتبرون البابا يوحنا بولس الثاني لاعبا رئيسيا في سقوط الشيوعية الاوروبية وحائط برلين. وكوسيط سلام استطاع البابا الحؤول دون اندلاع حرب بين تشيلي والارجنتين. والزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف سعى لصداقته، وتخلى فيدل كاسترو عن بذلته لحضور القداس الذي أقامه في هافانا، وعقد لقاءات تاريخية مع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وأربعة رؤساء اميركيين، آخر مرة مع الرئيس كلينتون في سانت لويس. وسعى يوحنا بولس الثاني، التقدمي في القضايا الاجتماعية والصارم في مسائل التعاليم الكنسية. الى تنفيذ مراسيم المجتمع الفاتيكاني الثاني وفي الوقت نفسه لجم التمادي في التعصرن. ولم تخل سنواته الاحدى والعشرين في الكرسي البابوي من الجدل، فجابه الجيزويت والمافيا بل والأمم المتحدة ايضاً، إذ هزم خلال المؤتمر السكاني الذي عقد في القاهرة قبل خمس سنوات اقتراحا اعتبره ترخيصا عالميا بالاجهاض. وندد يوحنا بولس الثاني باللاسامية والموت الرحيم وعقوبة الاعدام، إلا انه خيب آمال الليبراليين باصراره على عزوبية الكهنة ومنعه النقاش حول سيامة النساء. كما انه جابه هوليوود منددا بالعنف في الأفلام خلال اجتماعه بأقطاب السينما في استوديو يونيفرسال، حيث مثل برت لانكاستر بطولة فيلم «دكان الجوهري» المقتبس من مسرحية ألفها هذا البابا الشاعر والمؤلف الذي له مؤلفات منشورة عديدة من هذا النوع. فخلال رحلته الجوية الطويلة كتب البابا على ورق أصفر كتابه «اجتياز عتبة الايمان» الذي تصدر لائحة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً لعدة أسابيع والذي لقي مترجماً انتشارا واسعاً باحدى وعشرين لغة. وحقق يوحنا بولس الثاني أول كتاب تعليم مسيحي منقح من مجمع ترنت في القرن السادس عشر وقد بيع من الطبعة الامريكية مليوني نسخة. وكانت للأسفار المتواصلة طيلة أكثر من 20 سنة أثرها البالغ على صحته. وقد نجا من محاولة اغتيال بالرصاص واخضع لعملية لاستئصال ورم بحجم برتقالة وأخرى لاصلاح كسر في الورك اثر سقوطه في الحمام، وهو اليوم قد تجاوز التاسعة والسبعين، وتظهر عليه أعراض مرض باركينسون، فنطقه متلعثم ويده اليسرى ترتجف وظهره منحن ومشيته بطيئة ويستعين فيها بعكازه. ومع ذلك يستمر أبرز بابوات القرن العشرين هذا في رحلاته، مصمما على ان يقود الكنيسة نحو الألفية الثالثة. خدمة «اسوشيتدبرس» خاص لـ «البيان»