بيان الجمعة: موقد مرجل قطار تضطرم فيه النيران، ويدان تمسك بمسحاة تلقي في الموقد المزيد من الفحم لتزيد من اشتعال النار اللازم لإنتاج كميات من البخار الذي يحرّك القطار على السكة وهو في طريقه الى مكان ما. يمتزج الأبيض بالأسود ويمسي لوناً واحداً داكن السواد عندما يلج القطار نفقاً مظلماً طويلاً. يستمر الظلام لبرهة حتى تلوح في نهاية النفق دائرة رمادية اللون تزداد نصاعة وضياءً بينما يتقدم القطار إلى نهاية النفق ليقف بعد حين في محطة قطار قديمة علّقت فيها يافطة تحمل اسم مدينة « كان » الفرنسية على الشاطئ اللازوردي ويبدأ راكبو القطار بالهبوط من عرباته فنكتشف أنهم نجوم السينما في منتصف القرن الماضي الذين وفدوا على هذه المدينة ليبدأوا طقساً جميلاً يؤكد، من بين ما يؤكد، على أن الحرب التي طحنت أوروبا لشهور طويلة قد انتهت وبإمكان الشعر والخيال والعقل أن يفعلوا فعلهم. هكذا بدأ المدير السابق لمهرجان « كان السينمائي الدولي » وسيّده المطلق برواية قصة حياة هذا المهرجان العريق من خلال الشخصيات التي مرت عبر شوارع المدينة والتمعت على شاشاته رؤاهم وإبداعاتهم، ويروي أيضاً من خلال تاريخ المهرجان المتغيّرات التي شهدها الفن السابع وكيف حوّلت السياسة « والاحتجاجات الطلابية والشبابية في عام 1968 » من صورة السينما ووجودها في المجتمع وكيف تطوّرت هذه الأداة الإبداعية من خلال المخترعات العلمية التي اجتاحتها واغتنت هي بدورها منها لتحط في المرحلة الأخيرة «وليس آخر المحطات»، أي التصوير الرقمي « الديجيتال ». شريط جيل جاكوب عن تاريخ مهرجان كان جاء مثيراً ليس للذكرى فحسب بل للمشاعر أيضاً خاصة عندما شاهد الجمهور كبار نجوم السينما وهم يتناوبون على خشبة المسرح إما للتحية أو لاستلام جائزة من الجوائز، فها هو بونويل وهتشكوك وكوروساوا وفيلليني وأنطونيوني وساتياجيت راي إلى جانب تشارلي تشابلن الذي يقلّده وزير الثقافة الفرنسي وسام كتيبة الفرسان وهؤلاء كلهم إلى جانب تروفو وغودار وماركو فيريري وغيرهم ممن صنعوا السينما أيام مجدها الإبداعي بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى سينما التسعينيات التي شهدت ميلاد وبروز سينما الشرق من اليابان وإيران والصين. وكان للسينما العربية أيضاً حضور هام « وإن لم يكن كبيراً » فهاهو الجزائري محمد الأخضر حامينا يتسلم السعفة الذهبية عن فيلمه « وقائع سنوات الجمر »، وهاهو يوسف شاهين الذي يتسلم جائزة السعفة الذهبية عن مجمل أعماله بمناسبة الدورة الخمسين من المهرجان. لقد خصص جيل جاكوب ليوسف شاهين مساحة خاصة كانت مثيرة للمشاعر والانفعال، فأنت إذ تشاهد « جو » شاهين وهو يعبر عن فرحه لاستلام تلك الجائزة التقديرية لايمكنك إلاّ أن تشعر بالانفعال الشديد مع هذا الفنان الكبير الذي أعطى إلى السينما العربية الكثير، وقد اختار جيل جاكوب لشاهين تلك الكلمات القليلة التي تمكن من الادلاء بها وهو على المسرح قائلاً: إن قلبي يخفق بسرعة كبيرة، وبإمكانكم أن تتصوروا ما أشعر به الآن في هذه اللحظة التي انتظرتها 47 عاماً... أي مذ بدأ شاهين بإطلاق الصرخة الأولى على العاملين معه: سكوت... حنصوّر ! وقد شكّل حضور يوسف شاهين في الفيلم الوثائقي عن تاريخ المهرجان مؤشراً إيجابياً للحضور العربي الاستثنائي في الدورة الخامسة والخمسين من المهرجان إذ لم يسبق أن ضمت برامج المهرجان هذا الكم الكبير من الأفلام التي أنجزها مبدعو السينما العربية في مشرق الوطن العربي ومغربه، ففيما يقتصر الحضور المصري في هذه السنة على كم كبير من النقاد والسينمائيين المصريين الذين حضروا لمشاهدة فعاليات المهرجان ومتابعتها، فإن فلسطين تمتلك حصة الأسد من الحضور العربي إذ سيتنافس ابن الناصرة إيليا سليمان مع كبار مخرجي السينما في العالم على السعفة الذهبية للمهرجان من خلال شريطه الروائي الثاني « يد إلهية» والذي صوّره في لب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، فيما يتنافس مواطنه هاني أبو أسعد عن فيلمه «زفاف رنا» على جائزة برنامج أسبوع النقاد والتي تضم لجنة تحكيمه الدولية الناقد المصري أمير العمري. إلى جانب كل من سليمان وأبو أسعد يقدّم اللبناني غسّان سلهب ضمن برنامج «نظرة ما» شريطه الروائي الثاني « أرض غامضة » يتناول فيه الوضع الذي آلت إليه مدينة بيروت التي تعرّضت خلال حياتها إلى الدمار لسبع مرات، ويعرض غسان بهذا الشريط ما يمكن أن نطلق عليه بـ «الدمار الثامن ». ففيما تمكنت بيروت في كل مرة تعرّضت إليها إلى الدمار على أيدي الغزاة أن تنهض كما العنقاء من الرماد وتبني نفسها من جديد, فإن « الدمار الثامن» يبدو أعسر وأعقد بكثير من السابق، لأنه دمار لم يصب البناء والعمران بل أصاب البشر من الداخل وهز فيهم ما يقوّمهم على القدمين. وضمن برنامج « نظرة ما » نشاهد أيضاً الشريط الثاني للمخرج السوري أسامة محمد وهو بعنوان « صندوق الدنيا ». وكان أسامة أبلى بلاءً حسناً بفيلمه الروائي الأول « نجوم النهار ـ 1988 ». وإلى جانب سلهب وأسامة يعرض المخرج الموريتاني عبدالرحمن سيساكو شريطه الروائي الثاني « بانتظار السعادة » ضمن نفس البرنامج وتعرض المخرجة الجزائرية يمينة بشير - شويخ « قرينة المخرج الجزائري المعروف محمد شويخ » عملها الروائي « رشيدة ». وبإمكاننا أن نعد فيلم « القدس في يوم آخر أو « زفاف رنا » إكتشافاً حقيقياً يؤشر لميلاد سينما وطنية فلسطينية منجزة على الأرض الفلسطينية وبرؤوس أموال فلسطينية وضمن القطاع الثقافي الرسمي الفلسطيني. فبالإضافة إلى تسجيله أكثر من سابقة فإن هذا الفيلم لجميل أدخل اسم فلسطين، للمرة الأولى في تاريخ المهرجانات السينمائية الدولية الهامة وغير العربية ضمن قائمة الدول المعترف بها حتى قبل ميلاد الدولة الفلسطينية نفسها رسمياً إذ ورد اسم فلسطين تحت اسم البلد الذي ينتمي إليه الفيلم وليس مجرد التسمية التي أعتيد عليها في السنين الأخيرة إذ كان يستعاض عن اسم الوطن الفلسطيني بعنوان « السلطة الوطنية الفلسطينية» وفي غالب الأحيان كانت تحذف مفردة «الوطنية» ويتم الابقاء على تسمية «السلطة الفلسطينية» وذلك في سبيل عدم إغضاب «دولة إسرائيل» والتخلّص من اعتراضاتها على كل ما يشير إلى الحق الفلسطيني. فيلم هاني أبو أسعد قصة إصرار ومقاومة، لكن ليس بالمعنى السياسي أو الميداني الذي اعتدنا عليه منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الباسلة قبل ما يقرب من سنتين، بل هو قصة إصرار فتاة العشرين ربيعاً رنا «أدتها ببراعة مطلقة الفنانة الفلسطينية الشابة كلارا خوري إبنة النجم الفلسطيني مكرم خوري» وسعيها من أجل تحقيق حلمها بالزواج من حبيبها خليل والتخلص من الخيارين اللذين وضعهما أمامها والدها «أبو زياد» إذا عجزت من الزواج قبل الرابعة عصراً من ذلك اليوم وأحلى هذين الخيارين أشد مرارة من الآخر، فإما أن توافق على الزواج من أحد الأشخاص الذين تتضمن أسماؤهم قائمة عن علية القوم والذين لا تعرفهم رنا ولم تشاهدهم في حياتها، أو أن تغادر معه إلى القاهرة، أي أن تهجر بلدها. ولا تتفق رنا مع أي من هذين الخيارين وتتمكن من تحقيق الشرط الذي فرضه والدها على الرغم من ظروف الإحتلال وتحقق حلمها. كان ـ عرفان رشيد