بيان 2: ترددت أكثر من مرة قبل كتابة الرواية، وتساءلت في الوقت عينه لماذا يتحتم عليّ ان أكتب كل هذه الصفحات ولماذا أقضي كل هذا الوقت مستغرقاً وراء طاولة خشبية وكرسي أهداني ألماً مزمناً في ظهري؟ فكرت كثيرا قبل البداية لماذا الرواية ولماذا هذا الجهد الكبير في سبيل مشروع قد لا يبصر النور ولا يحالفه النجاح، ولكني عندما بدأت شعرت ان الرواية لا أكتبها الآن ولكن أقوم بترجمتها حيث كتبت بأعماقي منذ زمن فتأخرت كثيرا في انجازها. ولا أعلم ما هي الأسباب التي أخرت هذا المشروع ولكني متأكد تماماً ان بعضها قد يرجع لكسلي واهمالي لعدم تدوين أية فكرة قد تراودني، فكنت أصرف ردحاً من الوقت في تصفح جريدة قديمة أشاهد صور الرياضيين والقادة يصفقون أو أدخن سيجارة خارج الغرفة وسرعان ما تشغلني مشاهدة امرأة حامل تقوم بواجباتها بتثاقل وبطء فأشعر بالرثاء لحالها وأقدّر نعمة الذكورة. وفي بعض المرات حين تختمر الرؤية في ذهني وتكاد الصورة ان تكتمل فأقرر يجب ان أكتب الآن، وسرعان ما أكتشف ألاّ ورق لديّ يكفي لكتابة رواية من مئة صفحة وربما أكثر، لأنني كنت أعتقد وقتذاك ان الرواية تكتب بساعات، ربما بليلة واحدة وايضا سرعان ما اكتشفت اني مخطيء في تصوراتي وحساباتي، لذلك قررت ان أشتري أوراقاً كثيرة واحتفظ بها في مكان أمين لحين كتابة الرواية، ولكني في الصباح التالي كنت أنسى الموضوع وانخرط في لعبة الشطرنج مع أحد الاشخاص ثم أتناول طعامي وأنام قليلا، وفي المساء كنت أخرج لمراقبة المرأة الحبلى. وكم كان يؤرقني أنني لا أمتلك أفكاراً متسلسلة وكلمات جميلة أرصفها قرب بعضها البعض لتصبح فيما بعد كتاباً مطبوعاً كتلك الكتب التي أقرأها ويستعيرها الأصدقاء وينسون اعادتها. غير اني تشجعت مرة وبدأت أكتب نصا طويلاً عن القلق والغربة من خلال محادثتي لشخص غائب، وعندما انتهيت قرأت ما كتبت لصديق زارني مساء فقال حين فرغت من القراءة: ألا تعتقد انها رسالة طويلة؟ وكنت حتى تلك اللحظة أعتقد انها بداية رواية كبيرة أو فصلاً من فصولها، فشعرت بالحرج أمامه وخبأت تلك الصفحات ولم أعد اليها بعد ذلك. وقررت ان اكتب شيئا مختلفا عن السابق فقلت سأبدأ بوصف العالم من حولي كما يفعلون في القصص والروايات الضخمة، وكما هو معروف عن الوصف فقد بدأت بوصف الاشياء الكبيرة والكثيرة لأصل الى الأشياء الدقيقة فلجأت الى وصف الغرفة وحالة الجدران الملطخة بدم البعوض المقتول في الصباح وبالضوء وشريط الكهرباء الذي ترك الذباب عليه آثاراً سوداء بارزة ثم انطلقت الى الشارع وملأت مخيلتي بتفاصيل كثيرة عن الأشجار والصيف والقمامة تحت الشرفات وبائع البطيخ وكومة الاحجار الصفراء الموجودة منذ زمن بعيد وألوان السيارات التي تمر بسرعة وقلت لعله هذا هو العالم الذي يجب ان اكتب عنه فبدأت بتدوين اسماء الاشياء ومواصفاتها وحاجتنا لها وسرعان ما تأكدت انني عبثاً اضيع وقتي، قلت لعلها ليست الطريقة المثلى لبداية رواية يجب ان يكون هناك اشخاص او ابطال يقومون بفعل حقيقي يترك اثرا في اذهان الذين سيقرأون الرواية وقلبت اوجه الرأي واستعرضت انواع الحيل في سبيل الوصول الى طريقة غيري حتى اشعر بالفرادة والتميز فانطلقت الى مقهى على اطراف المدينة لأشاهد هؤلاء الابطال عن كثب واعرف كيف يتصرفون وادرس حالاتهم النفسية مستعينا بما قرأته في كتاب عن علم النفس ان الانسان يستطيع ان يكتشف حقيقة الناس من مشاهدتهم ومجالستهم وامضيت وقتا يقارب الساعتين في المقهى حيث شربت القهوة ثلاث مرات والشاي مرتين وعصيرا باردا مرة واحدة مما دفعني الى الارق طوال تلك الليلة التي بدأت بها كتابة الرواية وقلت لعل من الملائم ان اشرب كثيرا من القهوة لانها تجدد نشاطي في الكتابة واذكر انني انجزت في تلك الليلة عشر صفحات تتحدث عن رجل مقطوع اليد يشرب القهوة بيسراه ويتحدث مع النادل بصوت عال وفم خال من الاسنان وسرعان ما اكتشفت ان هذا الرجل كان مهرجا كبيرا انفجر به لغم موضوع على الحدود ففقد ذراعه ومكانته لدى الزعيم فاخذ يستعين بأطفال صغار لتهريب الدخان واقداح الشراب ويعد اجيالا من المهربين الصغار وانشأ دكانا صغيرا على الطريق العام لبيع مهرباته في الخفاء ويحكى انه كان يدبر رأسه مع الحكومة حصلت على هذه المعلومات من نادل المقهى بعد بقشيش سخي بل انه قرر ان يساعدني في كتابة الرواية حين علم انني «حكاء» وطرح الموضوع مع صاحب المقهى الذي عرض علي بعد جلستين او ثلاث ان اقوم بعرض بعض تلك القصص التي اكتبها على رواد مقهاه مقابل مبلغ لا بأس به فقلت انها طريقة رائعة لمعرفة العالم والاشخاص من خلال احتكاكي المسائي بهم في المقهى وانا اروي حكاياتي وبدأت اتصور حماسهم لها وصياحاتهم حين تتزوج الحسناء من بطل القصة وهكذا تحولت الى حكواتي في مقهى «الكزبرة» على اطراف المدينة وانصرفت عن تأليف الرواية الى الاستمتاع بقرقرة النراجيل وهتافات جهموري الذي بات ينتظرني كل مساء لاروي له قصة جيدة وهكذا بدأت اهتم بالقصة القصيرة وبدأت ابحث عن مواضيع جديدة لتلك القصص التي كنت اتلوها كل مساء على مسامع رواد المقهى الذين اخذوا يتزايدون بشكل مستمر حين علموا بوجود حكواتي مودرن في مقهى «الكزبرة». ولكن سرعان ما بدأت أشعر بالقحط إذ فرغت مخيلتي من مجموعة القصص التي حفظتها وكنت أتلوها على الرواد كل مساء، وايضا شعرت بحاجتي لقصص فيها مغامرات أكثر وخيال أرحب وان يكون فيها خير وشر يتمثلان بشخصيتين تشكلان محور القصة ويجب كذلك ان أبرز الجانب المضيء من شخصية الخير كالكرم والشجاعة والشهادة ويجب أن أضع الى جانبه فتاة حسناء يتزوجها في نهاية القصة فتفرج أسارير رواد الكزبرة ويغادرون قبيل منتصف الليل وهم يشعرون بالرضا. وعندما استعنت بالنادل المجرب والذي عرض مساعدته علي منذ مدة وقلت له: ما رأيك يا «قصبة» ان نتعاون في سبيل ايجاد قصص وحكايات جديدة لنرويها للزبائن. فهز رأسه ايجابا وتساءل في الوقت عينه هل ستذكر اسمي في القصة قلت له بالتأكيد انت الآن مساعدي ولك الحق في وجود اسمك كمساعد حكواتي. فعلته غبطة عارمة وطوح برأسه جانبا هامسا كمساعد المحامي أو الطبيب. واتفقت معه على باقي الامور وتواعدنا على اللقاء كل يوم صباحا في «الكزبرة» حيث يقدم هو لي المواضيع والافكار والشخصيات التي شاهدها وأنا أقوم بصياغة الكلام وربط الجمل والعبارات ووصف الامكنة. وأخذنا نحقق نجاحا ملحوظا على صعيد جماهير الكزبرة وزاد دخلي اليومي من قبل صاحب المقهى العتيد الذي أخبرته ان النادل «قصبة» ساعدني في اعداد الحكايات وتقديم المواضيع فتحول «قصبة» من نادل بسيط الى عامل طاولة يصب الاقداح والفناجين في حين يقوم الندلاء الثلاثة باشعال الجمر للنراجيل وتقديم الطلبات للزبائن المتلهفين للاستماع الى قصة كل مساء وقد أخذت الوفود تأتي من كل مكان في المدينة لتستمع، وبات هم صاحب المقهى تقديم افضل ما لديه من فناجين جديدة واقداح بلورية مخبأة ووضع أغطية بيضاء مطرزة على الطاولات القريبة من «الحكواتي» والتي كان يشغلها في العادة زعماء المنطقة ووجهاء الأسر العريقة وبعض الموظفين المرموقين. وهكذا تحولت من مشروع روائي الى حكواتي ثم الى ركن من أركان مقهى «الكزبرة الجديد»، الى جانب قصبة والنراجيل وباقي العدة الساخنة والباردة. وتوالت الايام والامسيات حيث كنا نؤلف في الصباح ونقرأ في المساء ونحقق حضورا باهرا أمام النظارة، حتى جاء ذلك اليوم حين انتهيت من تلاوة القصة فاستحسنها الحاضرون وشكروني وانصرفوا دون جلبة تذكر واخذت «اضبضب» عدتي وأوراقي واخذ قصبة بمساعدة الندلاء البقية يرفعون الكراسي وصاحب المقهى يحصي حصيلة اليوم بعد شطب المصاريف ونعمة الله على عطائه. وقتها تقدم مني رجل بدين تبدو عليه سمات الرفعة قائلا: يا هيك بلا.. والله يا استاذ احتللت اعماقي مادا يده البيضاء الكبيرة ليصافحني ففعلت واخذ يقدم نفسه لي قائلا: انا فلان من الصحيفة الفلانية وقد وصلنا نبأ قصصك وقررنا ان نراك ونتحاور معك وننشر بعض قصصك في صحيفتنا اذا لم يكن هناك حرج، فأبديت سروري لهذا الطلب وتواعدنا على لقاء في الغد حيث قدمت له بعضها، ثم قام بنشرها بعد ايام في صحيفته وعلى اثر ذلك قام ناقد معروف باعداد دراسة عن القصة الشعبية مستخدما مني نموذجا لقصة التراث والفلكلور حيث اسهب كثيرا في ايضاح هذه الكلمات وغيرها والتي كانت تعتبر حديثة آنذاك على الشارع بل اني دعيت ذات مرة من قبل جمعية تطلق على نفسها جمعية القصة الجديدة الى حضور مهرجان قصصي في احدى القاعات الكبيرة فذهبت برفقة المعلم قصبة وقدمني الصحفي البدين لاصدقائه وللحاضرين مؤكدا انني نموذج لكاتب القصة الشعبية والذي اقترح على بعض الدارسين والمترجمين ان يقوموا بنقل تلك القصص الى لغات اخرى حتى يتسنى لشعوب غير ناطقة بالعربية ان تقرأ قصصي وتتعرف الى ادبنا الشعبي فأبديت انشراحي ايضا وقرر الرجل البدين ان ترافق قصصي صورة لي على الطبيعة وبين رواد الكزبرة تتموضع أعلى القصص المنشورة وذلك تقليد متبع في البلدان الاجنبية كما افاد الصحفي والذي اقترح ان ارتدي طربوشا احمر على رأسي وان أعقف شاربي واطليهما بالحناء كقبضايات الايام الخوالي، غير اني مانعت في البداية وأبديت تحفظا كبيرا تجاه مسألة الطربوش ولكني لا ادري كيف اقتنعت مؤخرا بحجج الصحفي بأنني جزء من تراث الامة بل انني اشكل بمظهري ثروة وطنية تجذب السياح ثم فح البدين في أذني وهل تعتقد ان ثمن الطربوش رخيص، الطرابيش غالية هذه الايام وأنت ستلبس تحفة على رأسك. وكان له ما أراد من طربوش وشوارب محناة معقوفة واستغنيت عن ربطة العنق والبنطال الضيق ليحل محلهما قميص بلدي مطرز بماء الذهب وشروال اسود فضفاض وهكذا تحولت من ركن قاص ومشروع روائي في الكزبرة الى قبضاي متعلم في نظر رواد الكزبرة ولكن اوحت شخصيتي الجديدة للكثيرين انني مهرج من عصر منقرض. قاصة وكاتبة ومترجمة من سوريا