يتفق الكثيرون منا على ان هناك تخمة في استيراد انماط السلوك العربي تعاني منه مجتمعاتنا العربية، غير ان ردود الافعال تجاه هذه السلوكيات المستوردة تختلف اختلافا جذرياً بين الناس. فمنهم فريق ارتمى في احضان هذا الفكر المستورد، وتقبل فلسفته وطريقته كنموذج يتناسب مع إيقاع العصر وطبيعته. وبهذا تحقق التصالح والانسجام بين الفكر القادم وبين اعضاء هذا الفريق الذين رحبوا بكل جديد وسايروا ـ بزعمهم ـ التطور والتجديد!! فريق ثان من الناس رفض الذوبان في هذه الموجة الغريبة، ورأى ان ذلك جرح للهوية وخروج عن الاعتدال، ولكن اعضاء هذا الفريق لم يلزموا انفسهم بشيء تجاه مجتمعهم فاكتفوا بالرفض الذاتي، واعطوا انفسهم شهادة الامتياز في اثبات الولاء والانتماء لهذه الامة التي ينتسبون اليها!! فريق ثالث من الناس لم يقبل بان يكون رفضا سلبياً ضعيف الأثر، ولكنه في الوقت نفسه ـ لم يمتلك رؤية ثاقبة تساعده على القيام بدوره تجاه ذلك الخطر الذي يهدد كيان المجتمع ويستهدف قيمه وآدابه!! لقد اكتفى اصحاب هذا الفريق بالبكاء والندب على الحال البائسة واستهلكوا طاقتهم وجهودهم في هذه المعاناة النفسية التي شغلوا انفسهم بها فترة طويلة من الزمن!! حال هذا الفريق طيب النوايا كحال ذلك الرجل الذي سطا لص في منتصف الليل على بيته الكبير وهو نائم فأخذ اللص يسرق وينهب ويلحق الاضرار بالمكان وصاحب الدار يغط في نومه العميق. وحينما انتبه صاحب البيت في وسط الليل كان اللص لا يزال يعيث فساداً في ذلك البيت الكبير، غير ان صاحب البيت اجتهد في تعداد الخسائر وحصر المسروقات قبل ان يتأكد من خروج اللص من الدار، وهكذا اصيب صاحب الحق بحالة من العقلة وشرود الذهن وضعف القدرة على التركيز جعلت اللص ينعم بالامان ويطمئن الى بقائه اطول فترة ممكنة في هذا المنزل العتيد!! هكذا هم الطيبون مخلصو النوايا من اصحاب الفريق الثالث اولئك الذين استهلكوا طاقتهم في حصر الاخطاء التي طرأت على سلوكيات الناس دون ان يمتلكوا رؤية علمية للتخلص من تلك الاخطاء واسترداد العافية المطلوبة. يجيد اصحاب هذا الفريق التشخيص الدقيق لنواحي النقص والتقصير في المجتمع فهم على سبيل المثال يتحدثون عن الانانية كمرض اجتماعي خطير لابد من الاقلاع عنه، كما يتحدثون عن انخفاض الدافعية للعمل، وعن الانفصال الشائن بين الاقوال والاعمال، وعن تفشي روح الكسل، وانطفاء الرغبة في الابداع، ويتحدثون كذلك عن تفكك العلاقات الاسرية، وضعف الروابط الاجتماعية، وعن اعلاء القيم المادية في مقابل القيم الروحية، عن كل ذلك يتحدثون، وهم صادقون، لكنهم ـ مع الاسف ـ لا يمتلكون رؤية علاجية لوقف تلك الاخطاء والانطلاق بقوة نحو مستقبل تتحقق فيه الطموحات والامنيات. فريق رابع من ابناء هذه الامة يمثلون طلائع الصحوة التي بدأت انطلاقتها منذ عقدين من الزمن، لديهم رؤية شاملة لبناء الانسان، وهم محصنون داخلياً من عقدة الانبهار بالغريب الوافد، ويمتلكون نظرة ثاقبة لواقع مجتمعاتهم بما توفر لديهم من الدراية والخبرة، نلمس آثار هذه النخب من خلال سيل الكتابات الجادة، والمعالجات الشاملة للواقع الاجتماعي الذي عليه الامة، وابرز ما يميز هذه النخب قراءتها الجيدة للواقع، وقدرتها على استشراف المستقبل، وثقتها العميقة بقدرة الانسان المنتمي لهذه الامة على استدراك الاخطاء واصلاح العيوب. حقا من يحظى بالثقة هو من يمتلك المبادرة لا من يجتر الاحزان. مريم عبدالله النعيمي m-alnaymi@maktoob.com