تحت عنوان «دور القطاع الخاص في تشجيع البحث العلمي في دول الخليج العربي» استضاف مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي امس الاول فريال عثمان الفريح نائب المدير العام للمعلومات في معهد الكويت للأبحاث العلمية ، في محاضرة تناولت فيها القطاع الخاص والأدوار التي يلعبها عربياً وخليجيا للتطوير من الابحاث العلمية في ظل تعاظم الاهتمام بالبحث العلمي على المستوى العالمي باعتباره المحرك الاساسي في مسيرة الازدهار الاقتصادي والتنمية الى جانب كونها بوابة المستقبل لهذا الازدهار. واشارت الفريح في مستهل ورقتها الى انه في هذا العالم المندمج والمعولم يتقلص الزمن وتتلاشى المسافات وتنتقل رؤوس الأموال والسلع والمعلومات والأفكار والأخبار بسرعة مذهلة وحرية تامة غير معترفة بالرقابة الحكومية والحدود الوطنية، ومن هنا فإن العولمة والثورة التكنولوجية هما وجهان لعملة واحدة ويتفقان بكونهما في طور التشكل رغم تلمسنا لنتائجهما في كل أوجه حياتنا. ولهذه الاسباب يقوم موجهو عملية العولمة المتسارعة اليوم بتحسين وسائل وأنظمة الاتصال الدولية عبر الابتكارات والخدمات الثورية في مجال المعلومات، وصولا نحو الهيمنة على السوق الدولية للأفكار والخدمات الأمر الذي سيؤثر حتميا على اساليب الحياة والمعتقدات واللغة وكل مكونات الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في كافة المجتمعات، وتحت راية العولمة ستفقد الدولة القومية تأثيرها ونفوذها على عالم السياسة لصالح الشركات، هذا الضعف تسببه بصورة مباشرة او غير مباشرة قوى السوق الكونية التي تقيد الوظائف الاقتصادية للدول القومية، وتخلق ثقافة كونية متجانسة لاتعترف بالعواطف القومية. واضافت الفريح بأن العالم يقف اليوم على مفترق طرق، ومن المعروف ان التاريخ في مثل هذه المفترقات القاسية يضع الشعوب في حالة من التشوش، والقلق، وهذا ما ينطبق على العالم العربي عموما والخليجي بصورة خاصة، وستصبح حالة التشوش والقلق هذه أكثر عمقا عندما سنجد انفسنا مطالبين ونحن على أبواب الألف الثالثة بأن يكون لنا حضورنا الفعال على الساحة العالمية الذي لايعترف الا بمن يمتلك مفاتيح التعامل معه. واعتبرت الفريح بأن هذه التطورات تفرض تحدياتها وخاصة على الأمم العريقة ذات التراث الثقافي الوطيد كالتراث العربي واذا كانت بلدان الغرب المتقدمة والمتطورة تواجه أزمة في هذا العصر الا ان هذه الازمة مختلفة عن الشعوب الأخرى كالشعوب العربية التي تعيش أزمة تخلف في البنى الحضارية وقصورها عن التلاؤم المناسب معها وعجز وسائلها بالدفاع عن ذاتها ازاء اخطار القوى الخارجية الى جانب عدم الادراك الحقيقي ان مجتمع الغد الآتي مليء بالمتغيرات والتحديات التي تقوم على انقلابين يتمثلان في الانفجار المعرفي والثورة العلمية والتكنولوجيا فضلاً عن الثورة المعلوماتية والاتصالاتية التي فرضت على العالم السرعة البالغة والغاء الابعاد وترابطها. وأكدت بأن الاخطار تزداد تحدياتها بسبب ما تعانيه المنطقة العربية من عوامل ضعف عديدة، ومن أهمها الأمية التعليمية والثقافة العلمية التي تعرقل الكثير من مشاريع التنمية وتنتقص من انسانية الانسان، اضافة الى عدم تطابق برامج التربية والتعليم في كثير من الحالات مع حاجات المجتمع العربي وتطورات العصر، الى جانب سيادة الإعلام الترفيهي السطحي، ونقص الحريات، لكن أسوأ عناصر الازمة العربية هو الوهن الذي اصاب روح وجسد النظام التعليمي الذي تحول هدفه الى خلق انسان يجيد الحفظ والتلقي وتخزين المعلومات، دون خلق إنسان يمتلك فكرا نقديا حراً قادراً على أن يواجه عصره من موقع المشارك الايجابي لا من موقع المتلقي السلبي مستندا الى تراثه وحضارته. الأمر الذي أدى الى خلق عقول عربية خاملة وفي حاجة ماسة لتوجيه امكانياتها الى الأهداف الجديدة بزيادة وعيها الإنساني بالحضارة المعاصرة. واشارت الفريح الى عملية رصد بسيطة للواقع العربي وخاصة في مجال الطباعة والنشر تقودنا فعليا الى حجم التردي الكبير الذي نعيشه مقارنة مع دول العالم، والعلة في هذا الأمر لايعود فقط الى الأمية الابجدية، وانما الى وجود أمية ثقافية كبيرة وعزوف مخيف عن القراءة، فالوطن العربي تعداد سكانه 250 مليون نسمة يصدر كتبا هي سدس ما تصدره اسبانيا وتعدادها 39 مليون نسمة، اما فيما يتعلق بالترجمة فالصورة اكثر فجاجة، فالوطن العربي يترجم عشر انتاج البرازيل وهي دولة نامية تعدادها نصف تعداد العرب، وفي هذا السياق مضت الباحثة لتقدم جملة من الارقام والاحصائيات التي وضحت فيها الواقع المأساوي العربي وخاصة في مجال البحث العلمي حيث تعتبر الأمم المتحدة ان الحد الادني المقبول في الانفاق على البحث العلمي هو 1% من الناتج الوطني في الوقت الذي ينفق فيه الوطن العربي بصورته العامة 13% وفي دول الخليج وصل الانفاق الى 0.14% آواخر الثمانينيات ووصل عام 1989 الى 0.86%. وختمت فريال الفريح ورقتها بالاشارة الى التجربة الكويتية كنموذج ايجابي لاسهام مؤسسات القطاع الخاص في تمويل مشاريع وبرامج البحث العلمي وطالبت بتعميم هذا النموذج في بقية الدول العربية لكن هذا النموذج الايجابي لا ينفي حقيقة وضعنا المأساوي على خارطة الحضارة العالمية. نحن هامشيون، ومهمشون، ووضعنا لا ولن يتحسن، بل سيزداد سوءا. وهو ما يدعونا الى اعادة النظر في الوضع العربي كله لتحديثه، واعطائه الحركية الحيوية اللازمة، وجعله في مستوى المعطيات العالمية المتطورة. واذا اخذنا كل هذا بعين الاعتبار فسندرك اننا لن نتجاوز ازمتنا الا بمشروع عربي نهضوي شامل ذي ابعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وتعليمية وثقافية. مشروع لايتجاهل الاختلاف مع الآخر، لكنه يعتبره حافزا للابداع والتجديد، مشروع يستند اساسا الى القدرة على نقد الذات، واعادة انتاج المعرفة من قلب التعامل الايجابي مع حقائق العصر. كتب حازم سليمان