يلاحظ شداة الأدب ومحبو الشعر أن شعراءنا، وبخاصة القدماء كانوا في ندائهم لمحبوباتهم، يجرون بعض التغيير في اسمائهن، بحذف الحرف الاخير،وذلك من باب التمليح والتدليل، كأن يخاطب «عنترة» محبوبته «عبلة» بقوله: «يا عبل»، ويخاطب «امرؤ القيس» محبوبته «فاطمة» بقوله: «أفاطم». هذا الحذف والتغيير في الاسم المنادى يسمى في اللغة «الترخيم»، من الفعل «رخم» الصوت و«رخم» (بفتح الخاء أو ضمها) «يرخم» (بضم الخاء) «رخامة)، أي لان وسهل، فهو «رخيم» أي رقيق سهل. و«رخم» (بتشديد الخاء) الشيء «ترخيما»: سهّله وليّنه. وفي علم النحو يقال: «رخم الاسم»، أي حذف آخره تخفيفا، وبخاصة في النداء، ويقصد بذلك غالبا التدليل للصغار والاحباب او الاصدقاء، ومن ذلك قول «امريء القيس» لمحبوبته «فاطمة»: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وان كنت قد أزمعت صرمي فاجملي ومن ذلك قول «ذي الرمة» لمحبوبته «مية» أراني اذا هومت «يامي» زرتني فيا نعمتا لو أن رؤياي تصدق والشائع أن ترخيم المنادى من الأسماء المختومة بتاء التأنيث هو حذف هذه التاء، مهما كان عدد أحرف الاسم، وسواء كان علما لمؤنث «كفاطمة»، أو علما لمذكر «كمعاوية». من أمثلة ترخيم الاسم العلم المؤنث المختوم بتاء التأنيث، قول جميل بثينة: تقول «بثينة» لما رأت فنونا من الشعر الأحمر: كبرت جميل وأودي الشباب فقلت: «بثين» ألا فاقصري ومثل ذلك قول كثير عزة: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي «يا عز» لا يتغير؟ ومثله ايضاً قول ابن الدمينة لحبيته «أميمة» قفي يا أميم القلب نقضي لبانة ونشكو الهوى ثم افعلي ما بدالك ومن امثلة المنادى العلم المختوم بتاء التأنيث والدال على مذكر، قول «عنترة»: يدعون «عنتر» والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم أي أن الرماح في صدر الفرس كالحبال في البئر ومن ذلك قول الشاعر للخليفة «معاوية»: «معاوي» لا أعطيك ديني ولم أنل به منك دنيا فأنظرن كيف تصنع أما الاسم المنادي غير المختوم بتاء التأنيث فلا يرخم الا بشروط اهمها: ان يكون مكونا من اربعة احرف فأكثر، واشهر امثلة ذلك قولنا: «يا صاح»، واصلها: يا صاحب، وحذفت الباء للترخيم، ومن ذلك قول أبي العلاء المعري: «صاح»، هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟ ومثل ذلك اسم «ليلى» الذي كثر من نادوا به محبوباتهم مثل المجنون «قيس» في قوله: «فياليل» جودي بالوصال فإنني بحبك رهن والفؤاد كئيب ويلاحظ ان الاسم المرخم، اي المحذوف آخره، يجوز في ضبط آخره اعتباره اسما غير كامل الحروف، فنتوقف عند ما بقي من حروفه على ما هي عليه دون تصرف، اي نطقه دائما على ما كان عليه قبل الحذف، فنقول: «فاطم» و«أميم» (بفتح الميم) كما كانت في «فاطمة» و«أميمة»، ونقول: «صاح» (بكسر الحاء) كما كانت في «صاحب». كما يجوز اعتبار الاسم المرخم اسما مستقلا كاملا، وحينئذ يتصرف في آخره، فيبنى مثلا على الضم، كما في قولنا: «يا فاطم» (بضم الميم) و«يا عنتر» (بضم الراء). ويلاحظ ـ أخيرا ـ ان الاصل في الترخيم هو اقتصاره على الاسم المنادى فقط، فإذا كان الاسم غير منادى فلا يصح ترخيمه. ويستثنى الشعر من ذلك الحكم، حيث اجاز الشعراء لانفسهم ترخيم الاسم غير المنادى كضرورة من ضرورات الشعر، كما في ذكر «ذي الرمة» لحبيبته «مية» بقوله: تجيش إلى النفس من كل منزل «لمي» ويرتاع الفؤاد المشوق