بيان 2: مؤشرات في اتجاه استعادة القراءة للسلوك الثقافي للمواطن افترق أنصار الكتاب الجزائريون من قراء ومتعاملين في صناعته من ناشرين ومؤلفين ومكتبيين، بعد لقاء مثمر بينهم دام عشرة أيام كاملة، وكانت أروقة المكتبة الوطنية بالعاصمة الجزائر شهدت مؤخرا فعاليات الصالون الوطني الثاني للكتاب ... افترقوا على أمل اللقاء اعتبارا من 18 سبتمبر المقبل موعد افتتاح معرض الجزائر الدولي التاسع للكتاب واشترك في الصالون 59 ناشراً محلياً وخارجياً عرضوا 17140 عنواناً بالعربية والفرنسية والإنجليزية في شتى فروع المعارف الإنسانية والعلمية الدقيقة الطبيعية منها والتكنولوجية من بينها 152 عنواناً جديداً، وحضور أكثر من 80 مؤلفا للتواصل المباشر مع قرائهم من خلال لقاءات البيع بتوقيع المؤلفين إلى جانب 16 محاضرة، فضلا عن ندوات فكرية ومهنية ذات صلة بعالم صناعة الكتاب والقراءة. الصالون اعتبره إسماعيل أمزيان رئيس نقابة الناشرين الجزائريين وعضو نقابة الناشرين العرب، ناجحاً من جميع النواحي؛ وبالخصوص من حيث الحركية التي بدت في مجال النشر في الجزائر، وكذا إقبال الجمهور على الصالون، ثم اعتبارا لكونه سعى إلى اختبار مدى قدرة النقابة، ومن خلال هذه التظاهرة الثقافية التجارية، على استقطاب الناشرين الجزائريين استعدادا لمعرض الجزائر الدولي للكتاب. جمهور الزوار بدا راضيا إلى حد ما عن مستوى النشاطات الموازية التي تضمنها برنامج الصالون؛ حيث أتاح للقراء فرصة اللقاء ببعض المؤلفين والكتاب الجزائريين سواء من خلال لقاءات البيع بتوقيع المؤلفين، وبهذا الخصوص نذكر لقاءات الأدباء واسيني الأعرج ومرزاق بقطاش وليلى عسلاوي وزينب الأعوج، وغيرهم، أو من خلال الندوات الفكرية المنتظمة فهناك ندوة حول موضوع «كتابة التاريخ» وأخرى حول «الترجمة والنشر» وأخرى حول «العلاقة بين مؤسسات البحث والنشر» وأخرى حول «مكانة القراءة في المجتمع الجزائري والعائلة والمنظومة التربوية» وهي الموضوعات التي صارت تطرح نفسها بإلحاح على ساحة الجدل الفكري الثقافي والإعلامي الجزائري إلى جانب، طبعا، موضوع العنف بشتى تجلياته وانعكاساته في المجتمع الجزائري من السياسي إلى الديني والعائلي واللغوي.. التاريخ واستفاقة الذاكرة أهم ملاحظة سجلها المشاركون في الندوة المخصصة ل«كتابة التاريخ الوطني الجزائري» هي أن معظم ما يتداول من المؤلفات في الموضوع من تأليف غير المتخصصين لا سيما كتب المذكرات التي أخرجها للناس في المدة الأخيرة بعض المسئولين السابقين في الثورة الجزائرية والدولة والمؤسسة العسكرية متعرضين إلى مساراتهم النضالية الشخصية ومواقفهم من الأحداث في حينها أو محاولة إحيائها بعد مضي عقود عن ذلك لشيء في نفس هذا أو ذاك. ونذكر منها مذكرات الرئيس علي كافي وقائد الولاية التاريخية الثانية إبان ثورة التحرير الجزائرية، ومذكرات الجنرال خالد نزار وزير الدفاع في فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد و«حكايات سلطة» للجنرال يحيى رحال و«شاهد على اغتيال الثورة» للرائد لخضر بورقعة و«منابع التحرير» للمقدم عبد الرزاق بوحارة و «مسار منتصب» أو مذكرات الدكتور محمد حربي. والملاحظ بهذا الخصوص هو أن الشيء الذي لا يخفى حتى على القراء البسطاء المهتمين بهذا الموضوع الحساس في الجزائر لارتباطه المباشر السلطة، هو الحرص من قبل الجميع على تملك التاريخ أو جزء منه ولو عن طريق الادعاء لصناعة شرعية ما واكتسابها، تؤهل للاقتراب أو الدخول إلى السلطة أو محيطها المغري بامتيازاته المختلفة. إلا أن الملاحظة الأخرى التي لن يتأخر القارئ الجزائري في تسجيلها بإزاء ما يكتب في هذا المضمار، خاصة مع صدور كتاب «منابع التحرير» و«مسار منتصب»، هو ذلك التحول في الخطاب التاريخي الذي يستحضر العلاقة مع مستعمر الأمس؛ إذ يتناول صاحبا الكتابين هذا الموضوع «التابو» بنوع التحرر من قيود التجريم للطرف المستعمر والتقديس لطرف «الأخ»، والانخراط في مذكرات بمكاشفات إنسانية أو قل بشرية، متفتحة على الذات والآخر بسلبياته وإيجابياته. وهو ما يبشر ـ في نظر المتخصصين ـ باقتراب آجال تحرير موضوع التاريخ من ذاتية التناول في الجزائر وفسح المجال للكتابة المتجردة الموضوعية والعلمية له. لكن ما جلب انتباه الملاحظين هو الإقبال الكبير على كتاب «نساء الجزائر ـ المجتمع والعائلة والمواطنة» للكاتبة والأديبة لوسي بريفوست وتناولت فيه مختلف الجوانب المتصلة بالعلاقات المختلفة في المجتمع التي تكون المرأة طرفا فيها وكذا القوانين السارية لاسيما قانون الأسرة. وقال المنظمون إن مئات النسخ بيعت وإن عددا كبيرا من القراء لم يتمكنوا من الكتاب خلال أيام المعرض لنفاد الكمية المعروضة. الرواية، خاصة، على خلاف التوقعات نافست المؤلفات الأدبية، وبالخصوص منها الرواية، المؤلفات التاريخية في المعرض الوطني الثاني للكتاب؛ حيث عرف الإقبال عليها مستوى أدهش الكثيرين، خاصة في ظل انعدام مغريات الإقبال على القراءة من جهة، و شيوع مقولة عدم جدوى قراءة الأعمال الأدبية الطافحة بالخيال الناشئة بالدرجة الأولى عن هيمنة قيم المادة على المجتمع المنخرط في مراحل انتقالية مستمرة على أصعدة الاقتصاد والسياسة من جهة أخرى. ويرجع بعض المهتمين الرواج الذي سجلته المؤلفات الأدبية والروائية بالخصوص، إلى الصدى الإعلامي الذي خلفته بعض الروايات الجزائرية في فرنسا طوال السنوات الأخيرة ثم تناولها للراهن الجزائري المتميز بالعنف والنار.. وهي الملاحظة التي يعززها مدى الإقبال الذي سجل على الرواية الأولى للكاتبة ليلى عسلاوي «توائم الليل» الصادرة عن دار القصبة، وصاحبة كتاب «السنون الحمر» الصادر عن الدار نفسها قبل ثلاث سنوات. الجزائر ـ مراد الطرابلسي