بيان 2: «تتأثر العمارة بجميع العوامل التى تشكل الحضارة من علوم إنسانية وعلوم تطبيقية وفنون، بل وتعتبر العمارة، هى البوتقة التى تنصهر فيها هذه العوامل لتقدم فى النهاية تعبيرا صادقا ومتزنا عن الحضارة التى أنتجتها» بهذه السطور الموحية بدأ الباحث حسام مهدى مقدمة دراسته القيمة عن (إحياء الطرز المعمارية التاريخية بمدينة القاهرة، والتى حصل بها على درجة الدكتوراة من كلية الهندسة قسم العمارة بجامعة عين شمس، ويتناول الباحث فى الفصل الأول العلاقة بين الحضارة والطراز المعمارى التاريخى فيقول: (ان الدارس للعمارة المصرية القديمة (الفرعونية ) مثلا، يمكنه أن يعرف الكثير عن عقيدة المصريين القدماء واهتمامهم بالخلود والحياة بعد الموت، ويمكنه كذلك أن يفهم القيم الإنسانية والنظم الإجتماعية والمستويات الجمالية التى أفرزها المجتمع المصرى القديم . بينما تعبر التصميمات المعمارية ومواد البناء والزخارف والمعالجات المناخية والنظم الإنشائية عن القدرات العلمية والتقنية والفنية التى وصل إليها المصريون القدماء، وعليه فإن الباحث فى تاريخ العمارة يرى لشكل الطراز المعمارى التاريخى مضمونا حضاريا، فمضمون الطراز الفرعونى هو التطلع الروحى للخلود وقهر الموت، فى حين أن مضمون الطراز الإغريقى هو التطلع العقلى إلى الجمال والكمال المطلقين، ومضمون الطراز الرومانى هو التطلع الواقعى للوصول إلى نظام عالمى للسيطرة والملك، ومضمون طراز (الرينسانس) أو عصر النهضة هو الوضوح والعقلانية الصارمة والاتجاه نحو العلمانية واستلهام القيم الإنسانية و الجمالية من الحضارتين الإغريقية والرومانية، ومضمون طراز الباروك هو الاستعراض المسرحى للفنون الجميلة وأمجاد الحضارتين الإغريقية والرومانية، وغنى عن الذكر أن مضمون الطراز الإسلامى فى نظر مؤرخ العمارة هو تعاليم الدين الإسلامى، ومضمون عمارة الحداثة هو النظام الاشتراكى والإيمان بالتقدم العلمى. مفاهيم خادعة ولأن الطراز المعمارى التاريخى يعد تعبيرا صادقا عن الأبعاد والقيم المختلفة للحضارة التى أنتجته، يؤكد د. حسام أن إحياء هذا الطراز فى غير الزمان والمكان اللذين أنتجاه بطريقة تلقائية هو محاولة لاستلهام قيم الحضارة التى أنتجته، فعملية إحياء طراز معمارى تاريخى هى فى الواقع استخدام شكل هذا الطراز فى محاولة للتعبير عن المضمون الذى يرمز له الشكل تاريخيا، فإحياء الطراز الفرعونى يعنى استخدام المفردات المعمارية لهذا الطراز كالأعمدة والاعتاب الضخمة والحوائط الخارجية ذات الميو ل للتعبير عن التطلع للخلود وقهر الموت، ذلك المضمون الذى أصبح الطراز الفرعونى رمزا له.. ويحذر الباحث أيضا من الإنخداع بالمعنى السطحى لمفهوم الطراز المعمارى التاريخى، فمضمون هذا الطراز يخضع - من وجهة نظره لنفس المحاذير التى يخضع لها تفسير الأحداث التاريخية. تاريخ المصطلح وعن تعريف كلمة طراز، يقول الباحث: لقد استخدمت كلمة (طراز ) فى اللغة العربية قديما لتدل على الهيئة أو الشكل، فقد قال حسان بن ثابت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول أما مفهوم (الطراز المعماري) فلا نجد له أثرا فى مرجع عربى قبل القرن التاسع عشر، ولا نجد أى وصف أو تحليل للطرز المعمارية فى كتب المؤرخين وكتاب الخطط والرحالة والجغرافيين العرب، رغم دقة تعبيرهم وقوة ملاحظتهم، مما يدل على عدم اهتمام العرب والمسلمين بربط الطراز المعمارى بالمضمون الحضارى، كأحد وسائل التعبير، أمام مفهوم الطراز المعمارى التاريخى ومحاولات إحيائه كرمز لاستلهام الماضى، فلم يظهر فى العالم العربى إلا على يد الأوروبيين فى القرن التاسع عشر فى المدن العربية التى أقاموا بها كالقاهرة ودمشق وتونس، فمن الغريب. أن تظهر أولى محاولات إحياء الطراز الإسلامى فى مصر على يد الأجانب من غير المسلمين المقيمين بها، حدث هذا فى الوقت الذى كان فيه المصريون يشيدون عمارتهم على الطرز الأوروبية المعاصرة ! والتى كانت فى حد ذاتها إحياء لطرز أوروبية سابقة، وبالرغم من غرابة الفكرة بالنسبة للعقل العربى، فقد انتشر استخدام الطرز المعمارية التاريخية المختلفة فى المدن العربية، وتلك الفكرة ترسخت فى أوروبا منذ عصر النهضة فى بدايات القرن الخامس عشر، حيث كان طراز عصر النهضة (لرنيسانس) إحياء لطراز العمارة الكلاسيكية ( الاغريقية والرومانية )، ويعتبر مبنى دار القضاء العالى بالقاهرة دليلا على عمق التغيير الذى حدث باستخدام طراز المبنى كأحد وسائل التعبير مضمون فكرى أو سياسى، حيث يشعر من ينظر إليه بضآلته وضعفه أمام ضخامة الواجهة وقوتها. بين دارين ويقارن د. حسام مهدى بين الطراز الإنتقائى الكلاسيكى لمبنى دار القضاء العالى، والذى يشعر إزاءه الإنسان بمدى التراكمات التاريخية للسلطة والقانون منذ أيام الإغريق وبين دار العدل التى كانت تقع داخل قلعة صلاح الدين حسب وصف المؤرخين لها فيقول: ( تلك الدار لم تكن لها واجهة ولم يكن لها باب، وكان يجلس بها السلطان وقضاة المذاهب الأربعة وأهل الحل والعقد بالدولة، وكان من حق أى إنسان أن يدخل الإيوان (دار العدل ) ويقدم مظلمته، مما يدل على أن أهمية طراز المبنى بالنسبة لوظيفته لم تكن أساسية. ويتحدث الباحث عن عمارة مدينة القاهرة منذ بداية محاولات النهضة على يد محمد علي الكبير وحتى يومنا هذا، فيرى أن المتأمل لهذه العمارة سيرى إنعكاسا للأفكار والمشاريع المتباينة لنهضة مصر، حيث قدم كل مشروع رؤيته لمصر الحديثة وهويتها بناء على الأيديولوجية التى تبناها، وكما نلاحظ فى كثير من الأعمال الفنية والأدبية والفكرية تأثير هذا المشروع النهضوى أو ذاك، يمكننا أن نعيش المناظرات الفكرية والأيديولوجية التى تعتمل فى الحياة الوطنية المصرية من خلال الطراز المعمارية المختلفة التى تطالعنا فى شوارع القاهرة. فها هو حى الإسماعيلية (وسط المدينة حاليا ) الأوروبى التخطيط، بشوارعه المستقيمة وميادينه الدائرية ذات التماثيل التذكارية، وعماراته ذات الطرز الأوروبية المنتقاة، يفصح عن مدى تأثير الثقافة الأوروبية على الخديوى إسماعيل، والذى سمى الحى باسمه، ومدى قناعته بضرورة أن تحذو مصر حذو أوروبا فى كل شئ بما فى ذلك الثقافة والنواحى الإنسانية والحياتية، ويؤكد ذلك الطراز الإنتقائى الكلاسيكى لقصر عابدين والذى صممه المعمارى الفرنسى دى ك وريل ديل روسو) وتم بناؤه بين عامى 1863 و1872، لكى يعلن منه الخديوى إسماعيل أن مصر أصبحت جزءا من أوروبا. إحياء الطرز الإسلامية ويستشهد الباحث فى دراسته الشائعة ببعض النماذج التى يعتبرها رمزا لإحياء الطرز الإسلامية، ومنها مبنى جمعية الشبان المسلمين بشارع رمسيس (شارع الملكة نازلى سابقا ) والذى بنى عام 1935، وهو يمثل من وجهة نظره الفكر النهضوى الذى كان يرى أن تقدم مصر سيحدث بتنوير وتطوير الشخصية الإسلامية، وليس بتهميشها أو التخلص منها، مع الاستفادة من التقدم الأوروبى فى مجالات التكنولوجيا والتنظيم والإدارة، والذى نادى به الشيخ جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده وتلاميذهما من بعدهما، ويمثل مبنى مشيخة الأزهر، والذي بني بشارع الأزهر عام 1936 نفس هذا الاتجاه، وكذلك مبنى وزارة الأوقاف بباب اللوق، والذى انتهى بناؤه فى عام 1929، ونجد فى المبانى الثلاثة تخطيطا للمساقط الافقية لمبان إدارية يشابه تماما لتخطيط المبانى الإدارية الأوروبية، إلا أنها تتميز بالواجهات المستوحاة من الطرز الإسلامية التاريخية المختلفة، كما نرى فى مبنى دار الحكمة والذى صممه مصطفى باشا فهمى على نفس النمط مع محاولة لتطوير الواجهات فيما أسماه بـ (طراز عصر النهضة الإسلامية ). أما مبنى مصر فى شارع محمد فريد فيمثل المشروع الوطنى المصرى الذى كان سعد زغلول قائدة السياسى، وكان طلعت حرب مؤسس بنك مصر قطبه الاقتصادي، ويتسم مبنى البنك بالمزج بين عناصر الطرز المختلفة، فالعناصر الزخرفية الإسلامية تتداخل مع توزيع عقود على الطراز الكلاسيكى، بينما تنتمى نسب المبنى ككل إلى طراز عصر النهضة الأوروبى، والاستخدام المكثف للشرفات فى الواجهة الرئيسية ينتمى إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، ويقدم إنعكاسا صادقا لتوجهات مشروع النهضة الذى فجرته ثورة 1919. طراز مصر الجديدة ويرى د. حسام مهدى أن مشروع مصر الجديدة (هليوبوليس ) هو أكبر مشروعات إحياء الطرز المعمارية الإسلامية ولكن من الناحية الشكلية فقط، أما بالنسبة للمضمون، فيعتبر مشروع هليوبوليس هو أضخم منتجع سياحى فى العالم بنى فى بدايات القرن العشرين، فقد سبق حى هليوبوليس مشروع (ديزنى لاند ) بأكثر من نصف قرن فى بناء مدينة متكاملة ذات أجواء خيالية للترفيه السياحى، حيث بنيت هليوبوليس لاستيعاب الأعداد الضخمة من السياح الأوروبيين الذين تدفقوا على مصر بصورة متزايدة فى نهايات القرن الماضى، فقد ألهب كتاب (وصف مصر) خيال أوروبا وولعها بمصر، فيما سمى بعد ذلك بـ «الهوس» بمصر «إيجيبتو مانيا« وتفاقم هذا الهوس بترجمة كتاب ألف ليلة وليلة، والذى قرأة كل من كان يعرف القراءة والكتاب فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وزادت دعوات الخديوى إسماعيل نبلاء أوروبا لحضور حفلات افتتاح قناة السويس من الاقبال الأوروبى على مصر، ثم جاء الاحتلال البريطانى ليضمن الناحية الأمنية التى كانت تمنع الكثير من زيارة مصر، وبدأ البريطانى (توماس كوك ) السياحة الترفيهية للأعداد الكبيرة أو ما يسمى الآن بالأفواج السياحية لأول مرة فى تاريخ البشرية بتنظيمه الرحلات البحرية من موانئ أوروبا لزيارة آثار مصر والتنقل بين القاهرة وأسوان بالسفن النهرية البخارية، وفى ظل هذا التدفق السياحى على مصر، قرر رجل الأعمال البلجيكى البارون إمبان إقامة مدينة سياحية ضخمة تستقبل السياح الأوروبيين وتقدم لهم الخدمات الترفيهية فى جو يخلط بين عبق الشرق وسحر ألف ليلة وليلة من جانب، والتنظيم والنظافة والكفاءة على الطريقة الاوروبية من جانب آخر، فجاءت المبانى المبكرة لهذه المدينة والتى صممها المعماريان البلجيكى (إرنست جاسبر )، والفرنسى ( الكسندر مارسيل تحمل خليطا من الطراز الإسلامية من الأندلس وشمال إفريقيا ومصر وآسيا وجاءت فلسفة التصميم تنتمى إلى طراز الباروك بطابعه المسرحى، مع توظيف جميل للزخارف والعناصر المعمارية المستعارة من طرز إسلامية مختلفة. القاهرة ـ محمد رفعت