بيان 2: كشف لبنان انه حقق خطوات متقدمة في المساهمة مع العالم في حربه ضد السرطان، ومعالجته في وقت مازال فيه هذاالداء عصيا على الانهيار والانقهار امام ثورة الطب، والتطور الهائل الحاصل في تجاربه وانجازاته. ففي وقت افتتحت فيه الجامعة الأميركية في بيروت مركزا في مستشفاها لمعالجة سرطان الاطفال ويشرف عليه طبيا وتقنيا «مستشفى سانت جود» العالمي وهو ثمرة حلم داني توماس، وذلك تحت شعار: «افضل سبل العلاج لصغار يجمعهم الالم»، كان احد ابرز كبار الاطباء اللبنانيين المتخصصين بالاورام والامراض الخبيثة الدكتور ناجي الصغير يعلن في لقاء خاص تطورات «متفائلة جدا» في اقتراب ايجاد علاجات لانواع سرطانية عدة، حيث سيكون الانجاز الاكبر المرتقب هو التمكن من تحويل السرطان من داء خبيث قاتل، لا امل في الشفاء منه: الى مرض مزمن يمكن التعايش معه. السرطان يكشف هويته صار للسرطان هوية، يقول د. الصغير: لم يعد ذلك المرض المجهول، وسقطت تسمياته الشعبية الوجلة التي كانت تخشى لفظ كلمة سرطان، فيكتفي بالاشارة الى ان فلانا مصاب «بذلك المرض» او «المرض القاتل» او هذا المسمى «كش برا وبعيد» او «بعيد من هون» والمقصود في كل التسميات داء السرطان. الان صارت تسمية كلمة «سرطان» تلفظ عايا بعد ان حدد الاطباء ظواهره فاصبح مرضا كسواه، وان كان فاتكا وقاتلا ومؤلما، ولا علاجات نهائية له حتى الان. لماذا حصل ذلك؟ يجيب د. الصغير: لاننا اصبحنا قادرين على تعريف السرطان بدقة طبية وعلمية فهو خلل في برنامج الوراثة لخلية ما، في احد اعضاء جسم الانسان، ويتسبب بخلل في الحامض النووي «دي.ان.ان» او نقله الى «ار.ان.اي» او ترجمته الى بروتين، ثم بخلل في عمل البروتينات داخل الخلية، او على سطح الخلية، او بروتينات الانزيمات التي تسهل حياة الخلايا، وهذه الخلية السرطانية تبدأ بالنمو وتتخطى جهاز مناعة الجسم، وحتى انها تنتج مواد تزودها اوعية دموية وتغذية جديدة لتتمتع بنمو مستقل ودائم. قطعنا مراحل في معرفة اسرار السرطان وخفاياه. ورافقت كل مرحلة منها، وترافقها دائما تغييرات في طرق العلاج باتت الان ثورية حقا، واصبحت تفرض علينا تغيير تعريفنا للسرطان، فهو ليس مرضا واحدا بل اسم لامراض عديدة مختلفة من عضو الى اخر. والمفارقة التي تقود الى هذا الداء تبدأ من كون خلايا جسم الانسان تتصف بقدراتها على التكاثر، خاصة خلال مراحل الجنين والطفولة الى ان نصل الى مرحلة البلوغ حيث التكاثر يستقر في خلايا الدم والاغشية المخاطية والجلد خاصة، اما خلايا السرطان فتتكاثر بدون ان تخضع لرقابة جسم الانسان ومناعته، وتنتشر بارسال خلايا تستقر في اماكن اخرى من الجسم وتنشيء ما نسميه «ميثاستاز» او «مستعمرات» او مايسمونه بلغة الاحداث الان «مستوطنات» تأخذ مكان الخلايا الاصلية وتقتلها ولكنها اذا تمكنت من قتلها فهي تنتهي الى الموت معها. اكتشافات خلايا عسكرية ويقول د. الصغير اننا توصلنا الى اكتشافات جديدة والى صنع ادوية خاصة بالتغيرات البيولوجية للعديد من الامراض، واصبح لدينا ادوية الان تعمل مثل «القنابل الذكية» والصواريخ الموجهة عبر القارات، تذهب من نقطة دخولها في الوريد الى سائر اعضاء الجسم، ولكنها لا تقتل الخلايا الطبيعية الصحيحة البريئة «المدنية» بل تبحث عن الخلايا السرطانية «العسكرية» وتشل عملها، وتوقف نموها لتسبب قتلها و«تحرير» جسم الانسان منها وشفائه. ويبدو ان الادوية البيولوجية الجديدة تحتاج الى ان تعطي لمدة طويلة، لسنة او سنتين او لمدى الحياة، هل هذا يعني ان السرطان قد يصبح مرض الضغط او السكري، اي ان المريض يحتاج فقط الى دواء دائم؟ يجيب: نعم، وهذا هو الجديد وبيت القصيد، فكما يتعايش المريض مع السكري يمكن ان يحقق تعايشا مع السرطان، وليس في هذا الامر اي خيال علمي، بل هو سيصبح حقيقة عملية ملموسة ومعاشة، اذ ان ذلك الاكتشاف يندرج في اطار التعرض لاشارات النمو البيولوجية فبعد ان اكتشف واتسون وكريك تركيبة الحامض النووي «دي.ان.ان» عام 1952 وانتقلنا الى عصر الجزئيات البيولوجية اصبح جزءاً من الابحاث ينصب على تطور الادوية الكيميائية الجديدة وتقوية مفعولها، وجزء اخر يهتم بالفيزيولوجيا المرضية. تعددت العلاجات وعن السبل الاخرى في معالجة السرطان عدد الدكتور الصغير خمس وسائل طبية هي: 1 ـ الجراحة في حال الاكتشاف المبكر لذلك الداء، اي في مراحله الاولى، لان اي استئصال جراحي سيصبح دون فائدة في المراحل المتقدمة حيث يتم عادة الاكتشاف فيها في الدول العربية باعتبار ان الناس يتجنبون اجراء فحوصات روتينية لمعرفة ما اذا كان الداء السرطاني قد بدأ زيارته لهم ام لا. 2 ـ العلاج الشعاعي والكيميائي بقتل الخلايا السرطانية والاورام المرئية وغير المرئية من تلك التي لا يستطيع الاطباء استئصالها لكن هذا العلاج يقتل خلايا صحيحة ايضا، وتنشأ عنه اعراض جانبية كثيرة، خاصة في حال استخدامه بجرعات كبيرة. 3 ـ تقوية جهاز المناعة وقتل الخلايا السرطانية من خلال استعمال مواد طبيعية «انترفيرون مثلا» بجرعات عالية. 4 ـ اعادة تصويب نمو الخلايا مثل حالات اللوكيميا التي يعطى المصاب «اي.تي.ار.اي». 5 ـ وقف التغذية والاوعية الدموية الخاصة بالخلايا السرطانية. احذروا واكثروا والى جانب كل ذلك، يبدو من المهم بمكان بالنسبة للدكتور الصغير: ان يتجنب الانسان المواد المسببة للسرطان مثل التدخين، وان لا يكثر من الشحوم والدهون الحيوانية، فيما يجب الاكثار من الخضار والفواكه، ومتابعة تجارب الادوية من فيتامين «اي» وسيلكوكسيب واسيد فوليك، ومحاربة التلوث، والواقع ان ذلك يشكل بعض اسس الوقاية التي يجب اتباعها وتشجيعها. ثم يدعو الجميع الى وجوب التخلي من التخوف والهلع من السرطان، يقول: الخوف منه شائع في كل العالم، وليس عندنا فقط، حتى في اوروبا وأميركا حيث يقولون هناك ان فلانا مصابا بالسرطان وسيموت، عندما اكون في الخارج اصحح للاوروبيين والاميركيين هذا القول: لا تقولوا: «فلانا يموت من السرطان، بل فلان يعيش مع السرطان»، فحتى في الحالات القابلة للشفاء، فانه قبل التغلب على السرطان فان على المريض ان يعيش معه، او عليه ان يتعايش معه على الاقل. مركز عالمي ولعل خير دليل على مثل ذلك التواصل والتفاعل اللذين اشار اليهما باهتمام الدكتور الصغير انشاء الجامعة الأميركية في مبناها في بيروت مركزاً لعلاج سرطان الاطفال، وهو تابع لمؤسسة «سانت جود» المتخصصة في معالجة سرطان الاطفال في الولايات المتحدة. وقد جرى افتتاح المركز قبل حوالي الاسبوع برعاية وحضور رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، وعقيلته نازك، وعدد من الوزراء والنواب والاطباء والمسئولين في رئاسة الجامعة الاميركية ومجلس امنائها، «ومؤسسة جود». ويضع الحريري انشاء المركز في مصاف تحقيق الاحلام: «انه حدث مهم جدا، وبداية اساسية لنا تتلاءم مع الرؤية المستقبلية لبلدنا، وتتماشى مع حلم اللبنانيين في جعل هذا البلد مركزا لنشاطات كثيرة، لكن لماذا سانت جود، ولماذا في مستشفى الجامعة الأميركة، لان هاتين المؤسستين هما الافضل في العالم. ان هذا المركز الذي يبدأ متواضعا في بيروت، جاهز للتوسع، ان يصار كل عام الى اضافة طابق جديد اليه، وتوسيعه، وهذا لا يتطلب المساعدة المالية فحسب، بل ايضا ارادة الناس والقيمين عليه والمسئولين فيه». بيروت ـ وليد زهر الدين