بعيداً عما حدث.. ويحدث.. وما سوف يحدث.. في فلسطين.. وفي افغانستان.. وفي كل سنتيمتر على سطح الكرة الارضية على يد «العزيزة» اميركا، هناك سؤال حائر.. تردد ومازال يتردد عن هواية «التدخل» الاميركية.. هل هي ظاهرة عرضية ام انها ظاهرة اميركية خالصة لم ينتبه اليها كريستوف كولومبس مكتشف القارة الاميركية «سامحه الله» عندما فعلها ـ بحسن نية ـ وأقدم على اكتشاف اميركا، وسواء كان هذا الغرض أو ذاك.. أو الاثنان معا.. فالثابت ان هذا التدخل اصبح ـ شئنا أم أبينا ـ جزءاً من مكونات الدم الاميركي، تقل نسبته أم تكثر.. لكنه مع كريات الدم البيضاء والحمراء، اصبح الناتج الطبيعي لاي تحليل دم يجرى لاي مواطن أميركي، خاصة من كان منهم ينتمي الى فصائل العمل السياسي في الادارة الاميركية أو يرتبط بصلة الرحم مع عائلة «السي. آي ايه» المعروفة، وهؤلاء جميعا يمارسون هواية التدخل في سياسات الآخرين بدافع فطري غريزي مصحوب بمتعة لا ينقص منها أو يؤثر فيها سخط الآخرين او رفضهم لهذا التدخل البغيض..! بعض المحللين يؤكدون هذه النظرية، ويؤيدون كلامهم بالعديد من الوقائع التي تثبت ان «التدخل» عادة اميركية غريزية لا يقوى الاميركان على مغالبتها حتى لو جرت عليهم المصائب والكوارث، كما حدث لهم في كوريا وفي فيتنام وفي ايران ولبنان.. ثم في الخليج وأفغانستان، وكما سيحدث مرات ومرات كلما تضخمت لديهم غدد التدخل ودفعتهم دفعا لا يملكون مقاومته الى تدخل جديد..! محللون آخرون يرفضون هذه النظرية، ويؤكدون ان التدخل عقيدة أميركية يلتزم بها كل من يتولى منصبا مؤثراً في الادارة الاميركية بموجب القسم الذي يؤديه كل منهم عند تعيينه، والذي نصه: «أقسم ان اقوم مخلصاً بالتدخل في شئون الدول الاخرى ما استطعت الى ذلك سبيلاً، مضحيا في سبيل ذلك بكل مرتخص وغال، وألا احاول مهما كانت الظروف فهم الاسباب التي تدعو الى هذا التدخل أو ادراك دواعيه.. والله على ما اقول شهيد»..! اصحاب هذه النظرية يدللون على صحة نظريتهم ببرامج التدريب التي يمر بها مسئولو وموظفو الادارة الاميركية قبل تسلمهم للعمل، والتي تتضمن تدريبات عملية على وسائل التدخل المختلفة، سواء كان هذا التدخل سياسياً او ارهابياً لخلق المتاعب امام القوى الوطنية التي يدفعها حمقها الى رفض او مقاومة الضغوط الاميركية، أو كان التدخل تجسساً معلوماتياً تمهيداً لتدخل عسكري يصل في نهايته الى خيبة أمل غير محسوبة تضاف الى سجل الفشل الاميركي التاريخي الدائم.. طبقا للحكمة القائلة «من تدخل فيما لا يعنيه.. اصابه ما لايرضيه»..! نظرية ثالثة لمحللين آخرين يرى اصحابها ان فكرة التدخل لم تنشأ لدى الاميركان من فراغ، وانما هي جزء من نظرية اميركية ثابتة تؤمن بأن اميركا هي «ولية امر العالم» شاء العالم ذلك ام ابى، وانها مسئولة امام الله والتاريخ عن امنه وسلامته، وعلى ذلك فمن حق الرئيس الاميركي متى شاء ـ بل ومن واجبه ـ ان يتحسس احوال رعيته في اي موقع من انحاء ولايته التي تغطي كل ارجاء المعمورة، وان ينشر رجال العسس الاميركيين المحمولين براً أو بحراً أو جواً لتأديب العصاة وضبط الخارجين على القانون الاميركي، طبعا، ويكون من حقه ايضا التدخل لعزل هذا «الوالي» او ذاك اذا خرج عن الطاعة او «شم نفسه حبتين» وأعلن تمرده واعتراضه على هذا التدخل..! وطبقا لهذه النظرية يصبح التدخل واجبا قوميا وخدمة وطنية لا يستطيع مسئول اميركي التنصل منها، وإلا اتهم بخيانة الامانة.. وبالنكوص عن الواجب الوطني المقدس، وعلى هذا فهو مكلف تلقائيا وبمجرد تسلمه مهام منصبه باعلان خططه للتدخل راضيا أم كارها خوفاً من اتهامه بالتقصير وعزله او تفنيشه عقاباً له حتى يكون عبرة لكل من «ينشك في عقله» وينحرف عن هدف التدخل القومي الاميركي..! آخر هذه النظريات قد تكون اضعفها، إلا ان المؤيدين لها لا يقلون حماسا او اقتناعاً عن اصحاب النظريات السابقة، ولا مفر من عرضها من باب الاحاطة واستكمالا لهذا البحث العلمي، النظرية تقول ان اميركا تحب ان تقوم بدور «الحماة» استناداً الى انها «زوجت» العديد من «رجالها» وانصارها المخلصين لدول عديدة في العالم الثالث وبعض العوالم الاخرى وانها بمقتضى هذه المصاهرات التي قد تتم في العلن أو في الخفاء يكون من حقها ان تلتزم «كأي حماة مخلصة لموقعها الحماتي» بالتدخل في حياة شعوب هذه الدول.. وان تقوم بتنكيد عيشتها ما وسعها ذلك.. بسبب وبغير سبب، فهي الحماة وعلى الجميع ان يتقبل منها كل شطحات الحموات رضي أم لم يرض، وعلى من «يقل عقله» ويفكر يوما في الاعتراض على «الحماة الاميركاني» ان يرينا اولا «شطارته» مع حماته في منزله...! اختلفت النظريات حول نشأة هواية التدخل الاميركي وتعددت..، تباينت اتجاهات اصحابها واختلفت الرؤى فيما بينهم، إلا انني اجد نفسي في نهاية المطاف مقتنعاً بأن كل هذه النظريات مجتمعة صحيحة، فالتدخل الاميركي غريزة.. والتدخل الاميركي عقيدة.. والتدخل الاميركي ولاية اجبارية مفروضة.. والتدخل الاميركي حق فرضته حقيقة ان اميركا هي حماة العالم شاء ذلك من شاء.. وأبى ذلك من أبى..، وقانا الله واياكم شر الحموات..!!