بيان 2: في السهل الغربي ووسط قمم سلسلة الجبال الوسطى وعلى طول الساحل الشرقي حيث تقترب الجبال من البحر، اقامت شعوب تايوان الأصلية، التي تنحدر من اصل اوسترونيزي مجتمعات قبلية حباها الله بخيرات كثيرة، وكانت هذه الشعوب تعتقد ان الرياح كانت تهب جالبة معها الألوان وان الدخان يحمل الرسائل وان الشمس تلون السماء كل مساء لكي تدفع الناس للرجوع الى منازلهم قبل ان تختفي خلف الأفق وكانوا ينظرون الى ارواح الاجداد باعتبارها حراسا ابديين يقومون بحراستهم طوال الوقت. رجال القبائل كانوا يطمحون لأن يصبحوا محاربين لاعتقادهم بأن القلب الشجاع يهب الرجل الكبرياء والكرامة اما النساء، اللواتي كن يعملن في المنزل والحقل، فقد اضفن الى ذلك المهارة في الحياكة واعمال التطريز. لم تقم اي من القبائل بتطوير نظام للكتابة بهدف توثيق تاريخها، وربما لم يكن اي من ذلك ضرورياً في الوقت الذي كانت الحياة تجري بالوتيرة المعتادة وبصفتهم مغنين وفنانين موهوبين بالفطرة، فإن السكان الاصليين لتايوان تناقلوا تراثهم عبر موسيقاهم وطقوسهم واسلوبهم المميز في سرد القصص وفي التصاميم الخاصة بملابسهم التي كانت تحاك باليد. لقد وفرت الاساطير التي تم استقاؤها من فولكلورهم الأساس لمعتقدات السكان الاصليين والمرجع لابداعاتهم الفنية وبينما كانت النساء تصنع الملابس لتلبية الاحتياجات الاساسية لافراد العائلة، فإنها كانت تستغل الدرز والتطريز والحياكة من اجل ترجمة حكايات شعوبها القديمة الى صورة رائعة من اجل تزيين الملابس وأغطية الرأس وبدون ان يدركن ذلك، عملت تلك النسوة على تحويل عملهن الى وسيط للحفاظ على التراث الثقافي للسكان الاصليين. واستمر هذا التراث في الوجود حتى بعد دخول مواد جديدة الى حيز الاستخدام فمع تقدم الزراعة، تعلم الكثير من السكان الاصليين كيفية استبدال جلود الحيوانات ولحاء الاشجار بالقنب كمادة رئيسية لصنع ملابسهم وعلى الرغم من ان كل قبيلة قامت بتطوير افكارها الخاصة لتصاميمها الروائية على أزيائها، الا ان انواع ملابسهم اشتركت جميعها في ميزة واحدة وهي البساطة الهندسية والتناسق في نظام حيوي من الألوان التي شملت الاحمر والاصفر والاخضر والاسود والابيض. وبدلاً من استخدام الازرار، لجأت نساء القبائل الى استخدام الاحزمة لربط ملابسها ذات القصات البسيطة والمربعة الشكل. صفة مشتركة ان هذه الصفة المشتركة وسط الفروقات الفردية تعكس التأثيرات الثقافية المتداخلة بين القبائل، والتي حدثت بفعل تقاربها الجغرافي. وقد شكلت القبائل العشر المعترف بها رسمياً اليوم الى جانب ثماني قبائل اخرى يشار اليها مجتمعة باسم بنجبو شكل كل منها مجتمعاً قبلياً كاملاً، الامر الذي ادى الى بروز تنوع ثقافي مذهل على جزيرة لا تزيد مساحتها على 36 ألف كيلومتر مربع وكانت كل قبيلة تؤدي طقوسها في اوقات مختلفة من السنة وفي ايام الاحتفالات كان القبليون يرتدون ملابسهم التقليدية الرسمية ويغنون ويرقصون احتفاء بأرواح اجدادهم او احتفالاً بانتهاء موسم الحصاد. ومن بين القبائل جميعها، حافظت قبيلتا بايوان وروكاي على منزلة نبيلة موروثة، مما قاد الى تطوير تصاميم اكثر تطوراً في الازياء والكماليات التزيينية الملحقة بها وكان للنساء النبيلات من قبيلة بايوان وقتاً اكثر من العامة لصقل مهاراتهن في اعمال التطريز بالابرة، واصبحت انجازاتهن علامة على مكانتهن الاجتماعية وبحسب الاسطورة المتداولة لدى هذه القبيلة، فإن رئيس القبيلة المؤسس كان افعى سامة بشكل انسان ولدت من دمعة سقطت من الشمس وعند طلوع الفجر في يوم ولادته ظهرت افعيان لحراسة الطفل حديث الولادة. وقد أعطت هذه القصة سبباً وجيهاً لأبناء قبيلة بايوان كي يحترموا الافاعي باعتبارها الحامية لهم، وهم غالباً ما يستخدمون ذنب الافعى كعنصر تجميلي على ملابسهم ومن اشكال الزينة الاخرى الشائعة قواقع البحر التي ينظر اليها باعتبارها رمزاً للمال. صداقة الأفعى وعلى الجانب الآخر ترى قبيلة أتايال الافعى صديقاً اثيراً والاشكال الهندسية التي تمثل «المعين» على ملابسهم لها اصل مختلف فهي تمثل عيون ارواح الاجداد ويقوم افراد قبيلة اتايال بوضع الوشم على وجوههم على شكل خطوط لكي تستطيع الروح ان تميزهم عن الآخرين عندما تستقبلهم على جسر قوس قزح في الجنة. ظلت المجتمعات الخاصة بسكان تايوان الاصليين تعيش حياة هانئة وهادئة حتى بدأت اعداد المستوطنين من البر الصيني بالتزايد في القرن السابع عشر وبعد ان احتل اليابانيون تايوان في عام 1895، حاول السكان الاصليون ان يقاوموا جهود المستعمرين الرامية الى فرض سيطرتهم وذلك بتفجير انتفاضات متكررة غير انه لم تنجح لا المعارك تلك ولا الاحتلال الياباني للجزيرة، الذي دام خمسين عاماً في اقتلاع تقاليدهم فالسكان الاصليون تعلموا التحدث باللغة اليابانية ولكنهم لم يتخلوا عن لغاتهم القبلية والحكايات التي كانت تروى ملايين المرات طوال عقود استمرت في اثارة افئدة ابناء القبائل. ولم تتوقف الايادي البارعة للأمهات والزوجات عن الحياكة لأحبابهن. لكن ممارسة الطقوس التقليدية للسكان الاصليين من ابناء القبائل توقفت خلال الستينيات وحتى الثمانينيات من القرن العشرين اثر اندماج ابناء القبائل بالسكان الآخرين وهجرتهم الى المدن وفي ضوء هذا الوضع اصبحت العادات والتقاليد الاصيلة في خطر بفعل الحضارة الزاحفة. وخلال العقد الماضي، شهدت تايوان اهتماماً متجدداً بالثقافة القبلية الاصلية نتيجة للاحترام المتزايد للتنوع الثقافي والاجتماعي واكتسبت الموسيقى التقليدية والغناء الأصيل جمهوراً عريضاً من الشباب وعادت الفتيات من اصل قبلي الى ممارسة التطريز والحياكة ولكن كل ذلك لم يمنع اندثار بعض المهارات القديمة التي انقرضت مع موت الاجيال السابقة التي كانت تتقنها ولم تورثها للأسف الى الاجيال اللاحقة. ضرار عمير