بيان 2: على طريقة «ألف ليلة وليلة» التي جمعت التشكيلية وداد الاورفه لي عدداً كبيراً من حكاياتها في لوحاتها واعمالها الفنية المختلفة، جمع بعض النقاد اللبنانيين ما كتبته اقلامهم عن التفرد، الذي جاءت به الفنانة العراقية على مدى خمسين عاماً من معايشتها للفن عطاء واستمراراً. تشكل الاورفه لي عالماً خفياً لابتسام عبدالله التي تستغرب المفارقة بين ذلك الاشراق الذي ينبسط على مدى حياتها وهي سرعان ما تجد تفسيره بكونه جاذباً واكثر زخرفاً، ذلك ان الخيال يلازمه باستمرار شيء من الغموض والغرائبية التي تبدو لا معقولة، فنتشبث بحباله الممدودة، نتأرجح فيه صعوداً وانحداراً، مهما تقدم بنا العمر. عالم وداد هو مدن الحلم والمنمنمات، هي تكوينات مستقرة عند ضفاف الانهار، دجلة والفرات، او هي تلك المعلقة بين الارض والفضاء، تحيط بها هالة من الألوان الزرقاء او الذهبية المكتسية بلون الشفق مدن قد ترد في احلام الصغار تزدحم بيوتها في صفوف مستقيمة او ملتوية جدار لصق جدار، وترتفع اشجارها، تلوح من بينها قباب بلون الشذر، وهامات نخيلها تمتد عالياً في الفضاء المفتوح، حيث المطلق. وتساءل عبدالله كذلك: هل كانت حكايات ألف ليلة وليلة منبع خيال وداد الاورفه لي؟ تلك الحكايات التي تركت آثارها على المخيلة العالمية وأغنتها صورة. النهر والبساتين والقصور المضمخة بالعطر وعلية القوم وشهرزاد وزبيدة وياسمين، واخريات يرفلن بالحرير المرصع باللؤلؤ والمرجان وينشرن السحر والجمال في مدن تبدو الآن غارقة في الاحلام كأنها لم تكن يوماً. هل كانت حكايات ألف ليلة وليلة منبع خيالها؟ ام ان وداد الفتاة الصغيرة يومئذ، تطلعت الى ما حولها، بعين مدركة، واستشفت بتجانس وسجاجيد وبسط ذات نقوش مدهشة ودروب ضيقة ومساجد تعلوها اهلّة مذهبة، يتسم معمارها بكل جمال خصائص العمارة الاسلامية والعربية وعندما خلت الى نفسها استعادت الرؤى واضافت اليها اجواء سحرية لابد منها، ارتفاعاً بها عن ارض الواقع، كي تغدو الثمرة المبتغاة، صعبة المنال. ويبقى السؤال حول ما اذا كانت حكايات ألف ليلة وليلة منبع الخيال لديها على حاله خاصة وانه من المعروف ان وداد عاشت زمناً في الاندلس بما تعنيه هذه من ذاكرة زاخرة بصورها ومشاهدها وموشحاتها. لقد اكتنزت وداد الاورفه لي كل تلك الرؤى لتتسرب منها، بعدئذ، وعلى مهل، لوحات مرسومة بدقة، فمهما كانت صعوبات الحياة بالنسبة لها، فإن هناك مدناً لا مثيل لها قابعة في انتظارنا في تصاريح الاحلام انها مدن قد تكتسي احياناً حزناً نبيلاً فترتفع بين اشجارها الخضراء الجرداء، المتساقطة اوراقها، وقد تبدو على ملامح بناتها، سمات كآبة أزلية، مدن، مهما اختلفت ألوانها مستقرة على ضفاف النهر او فوق جزر عائمة او معلقة بين الارض والفضاء فإنها تكون آهلة بناسها تمنح الطمأنينة للنفوس وتبشر بالخير والسلام. «الفنتازيا» و«اليوتوبيا» من جهته يقول فاروق سلوم انه من الصعب ان نفصل بين الارث الحضاري الذاتي والارث الحضاري العام في حالة الفنان التشكيلي فالكشف الجمالي ليس حالة شكلية لديه بل انه امتداد للجدل الذاتي والموضوعي معاً داخل البنية الحضارية ذاتها وهو كشف فردي يشكل تأسيساً لبنية مغايرة لعصر مختلف ولمشكلات اعمق. وحين اطلقت وداد الاورفه لي رؤيتها اللونية للعالم فإنها لم تستهدف اعادة الرسم او الاختزال، او الوظيفة رغم انها في مطلع حياتها الفنية اجرت تجارب متنوعة هي جزء من دراساتها على موضوعات شتى لابد من الاقتراب منها في مرحلة من مراحل تكوينه الفني. لقد استهدفت الاورفه لي ترويض التنافر القائم في الارث الحضاري عمارة ومجسمات ورسوم وحفور جدارية واعمال تشكيلية لاحقة. كانت نمطاً من انماط الرؤية المستقلة تتجاوز التجريب والتنافر الاسلوبي الى نوع من انواع الاطلاق الخاص لنتائج توصلت اليها بعد بحث دائب ودراسة معمقة ورؤية متجانسة. ويعتبر سلوم ذلك انه كشف صوفي للتوحد مع المطلق كما انه تناغم واع مع جماليات الواقع وتحويل كل ذلك الى حلم لا نهائي. ان كلمة «تهاويل» وهو عنوان اختارته وداد لاحد معارضها، تبدو هنا كافية لاعطاء المعنى الدلالي لعلك اللانهائية من المعنى او الاشتقاق او التخيل انه لمن الصعب ان نمسك بأداة وداد او «ثيمتها» او «موثيفاتها» على حدة، لان كل ذلك امتداد مطلق للحلم، للفنتازيا.. واليوتوبيا ايضاً انها كتل او كيانات او مدن او نقوش لها معناها الرمزي الوفير. لذلك فإننا نستطيع ان نتوقف طويلاً امام لوحة وداد الاورفه لي لنبصر تلك التنافرات المجسدة في التكرار والاعادة والربط، وتطوير الاشكال الهادف الى اعادة الخلق، واعادة الترميز وليس التكرار لذاته انها تتجاوز الشكل الظاهري الى الجوهر تأخذنا الى عالم اخاذ وهي تمضي بنا بعيداً الى حد التوحد. بيروت ـ وليد زهر الدين