قد تكون السعفة الذهبية لمهرجان كان الخامس والخمسين من نصيب الفيلم الفلسطيني «يد إلهية» الفيلم العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان والفيلم من انتاج فرنسي فلسطيني مشترك وقد شارك المخرج ايليا سليمان بنفسه في انتاجه. قصة «يد الهية» الذي عرض امس في كان بسيطة ومركبة في آن تنتمي إلى نوع السهل الممتنع وهي تعبر عن سينما ذكية تنم عن تفكير متأن بالصورة وكتابة صورية عالية التقنية، فالمخرج وكاتب السيناريو يمتلكان أفكارا سينمائية جديرة بكبار المخرجين ويفكران اولا بالصورة التي تصبح كلا ينتظم كافة العناصر في المشهد. والفيلم عبارة عن مجموعة من القصص الصغيرة التي تنمو متجاورة لتشكل في مجموعها قصة الفيلم، وهي لا ترتبط ببعضها بالضرورة لكنها في النهاية قصة وطن يجعله ايليا سليمان ينتصر على فاشية المحتل في مشهد ينتمي الى الخيال وحيث تنجح فتاة نينجا فلسطينية في قتل الاعداء في مشهد اساسي يسبق نهاية الفيلم. ونرى في المشهد علم فلسطين تحت ارجل المحتل للحظة، كأنما يهز الارض من تحتها، ونرى خريطة فلسطين عبارة عن سلاح في يد المرأة النينجا الفلسطينية التي تنجح في تفجير طائرة هليكوبتر اسرائيلية من خلال استخدامها كما تنجح بواسطة المقلاع في قتل رجال الوحدة الخاصة الذين كانوا يتدربون على قتلها. شيئا فشيئا تتجمع خيوط السيناريو لتعلن في النهاية انتصار الفلسطيني على العدو ولو في الخيال، وهنا يتدخل العنوان «يد الهية» ليقول ان الامر ممكن وان السيطرة الاسرائيلية لا يمكن ان تكون مستمرة. ويمكن تقسيم الفيلم الى ثلاثة فصول عنون لها المخرج بنفسه بعناوين ثلاثة. هناك اولا الناصرة، الحارة، التي يعيش فيها الناس في مكان محصور وضيق ويلعب المخرج في هذا الجزء كثيرا على النكتة والطرافات التي تتكرر من مشهد الى مشهد لتوقع نبض الفيلم وتمنحه الكثير من الشاعرية التي تنسحب عليه كاملا. وفي الفيلم الذي أهداه المخرج الى والده الذي رحل من مدة قريبة نجد الوالد المريض ونطلع على حزن الابن في مواجهة مرض الوالد وامام الواقع العام الذي تعيشه البلاد. وهو في لقاءاته مع حبيبته على الحاجز عند نقطة العبور في الرام بين رام الله والقدس لاستحالة عبورهما يظل متلبسا لهذا الحزن الذي لا يبارح حبيبته التي تتحول بنفسها الى فتاة النينجا الفلسطينية بعد ان غابت عن ملاقاته عند الحاجز كما اعتادا. وفي الفيلم صمت كثير وحوار تقوله الصورة اكثر مما يقوله الكلام، الصورة المشغولة بدقة وتأمل في لغة سينمائية خاصة ومتفردة تلتقط دقائق الواقع وتحوله الى متخيل شديد الارتباط بهذا الواقع وحيث تقوم بينهما عملية اخذ ورد لا تنتهي فكما يحاور الواقع المتخيل، يحاور المتخيل الواقع ويصبح احتماله أو مستقبله. من هنا فإن الفيلم رغم الحزن الذي ينساب منه يبدو متفائلا وينقل ساحة الصراع التي يعيد انتاجها الى مساحة ارحب هي مساحة المتخيل وحيث لا يمكن للحق الا ان ينتصر. عبر اعتماده هذه الاساليب يخرج ايليا سليمان بسينما جميلة جديدة وخاصة في العالم العربي، جدة تقود الى حداثة ما في المعنى وفي الرؤيا، وحيث يعود المعنى ليولد منها فيبتكر فضاءات جديدة لمخاطبة الآخر. هذا الآخر نجده في الفيلم مثلا من خلال مستوطن يعبر بسيارته التي يعلوها علم اسرائيلي ليتوقف امام اشارة حمراء، يقف الفلسطيني المخرج الممثل بدوره امامها فيضع اغنية تتحدى المستوطن ويفتح نافذته ليسمعه. كل هذه الحكايات الصغيرة تجمعها قصة الحب، ففي كل يوم في الفصل الاول من الفيلم، نجد شخصا يخرج من منزله ليقول لشاب واقف على محطة باص «فش باص» وتتكرر القصة ثلاث مرات قبل أن نكتشف أن الشاب يقف في مواجهة بلكون حبيبته. في الفصل الثاني الذي يعنون له المخرج بـ «يوميات الحب والالم» يصبح هو الحبيب ونرى الحبيبين يلتقيان في صمت ودون التلفظ بأي عبارة كان الكلام مس بقصة الحب. وحين يريد ان يقول لها انه يحبها يكتب لها عبارة يلصقها على شباك سيارته ويقفل الشباك لتراها. ونرى المخرج بين وقت وآخر في بيته يعد فقرات السيناريو يغير فيها ويقلبها بعد ان الصق عباراتها على حائط في المنزل، نراه صامتا باستمرار كما نرى مشاهد الفلسطينيين المتعاونين ومشاهد الاهانات على الحواجز ومواقف الجنود التي قد تبدو سوريالية في بعض الاحيان. وهو حين يكون مرة على الحاجز للقاء حبيبته يطلق بالون عليه صورة عرفات، فيرتبك الجنود ويعودون الى قيادتهم لتقرر ما الذي يجب فعله امام بالون يعبر الحاجز ونرى فيما بعد مع موسيقى مختارة رافقت عددا من مقاطع الفيلم، البالون وهو يعبر اسوار القدس القديمة حتى يصل الى قبة مسجد الصخرة ويستقر فوقها، بفضل «يد الهية». «يد الهية» فيلم يصور عبث الحياة تحت نظام فاشي كما يقول المخرج ايليا سليمان وقد رحب النقاد بالفيلم واعتبر عدد منهم انه يستحق نيل السعفة هذا العام. ـ ا ف ب