بيان 2: عندما يحنو الذكر ذو القرون الطويلة الداكنة على الانثى الحمراء الرشيقة ويداعب بلطف خطمها، فإن في ذلك تجلياً لحنان ورقة الحيوانات، قد لا نجدهما في كثير من الاحيان لدى البشر. هذا المشهد المتجمد في الزمن والمؤثر في النفس ما هو إلا احد رمزيات الفن العالمي للرسم على الحجر وعلى الرغم من انه غارق بعمق 1500 عام في التاريخ، إلا انه لايزال يحتفظ بحيوية وعاطفة ذلك اليوم الذي انجز فيه على يد مبدع مما قبل التاريخ. ولا يشكل زوجا الرنة في كهف «فون دي جوم» الفرنسي سوى احدى الروائع الفنية التي يحتضنها هذا المكان والتي سيكون من المستحيل الاستمرار بالتمتع برؤيتها لزمن طويل. ومثلما حدث مع اماكن اخرى ذات شأن رفيع في الفن متعدد الالوان الذي يعود الى العصر الحجري، فإن مغارة «فون دي جوم» التي يمكن زيارتها حاليا بشكل حر «تستقبل 200 زائر يومياً»، تقترب من عملية تقليص جذري لعدد زوارها من اجل ضمان بقائها، وربما يكون هذا هو المصير النهائي بالنسبة لجميع الكهوف الكبيرة المليئة بفنون ما قبل التاريخ، اما الكهوف المكتشفة حديثاً، مثل مغارة شوفيه الشهيرة (التي عثر عليها في منطقة أرديشي الفرنسية عام 1994). فإنه ليس من المتوقع ان تفتح امام الجمهور مع ان هذه الاخيرة تكتنز مشاهد لـ 350 حيواناً، ويوضح جان كلويه المؤرخ المتخصص في مرحلة ما قبل التاريخ والرسم على الحجر ان الحل الامثل بالنسبة للكهوف التي تحتوي على رسوم حجرية من هذا النوع هو صنع نسخ مطابقة للاصل، وتقليص اعداد زوار الكهوف الاصلية الى الحد الاقصى، وهذا ما ينبغي القيام به في كهف «فون دي جوم». وشدد الخبير الفرنسي على ان «فون دي جوم» كان يجب ان تكون مغارة مشهدية، كمثيلاتها في اماكن اخرى، لكن رسوماتها فقدت بعض بريق ألوانها، لذلك ستسمح نسخة مطابقة لها بعرضها بكل رونقها، ومع ذلك فإن هذا الاختصاصي يقف الى جانب السماح بزيارة الاماكن الاصلية كلما كان ذلك ممكنا، من اجل تحفيز الاهتمام بمرحلة ما قبل التاريخ، لكن علينا ان نكون متيقظين دائما لأي مؤشر يدل على تلف من اجل اغلاقها. ولقد اعتاد المرشد الفرنسي الذي يصحب الزائرين في «فون دي جوم» ان يقول للمجموعات التي ستعيش هذه التجربة «لتكونوا واعين لاستثنائية المناسبة، فهذه هي آخر مغارة عظيمة من العصر الحجري يمكن زيارتها، وان رسومات كتلك التي ستشاهدونها لم يعد بالامكان تأملها في أي مكان آخر، لذلك افتحوا عيونكم جيدا وتمتعوا». اما عن قواعد الزيارة فإنها واضحة للعيان: «لا تلمسوا شيئا، لا تتكئوا على الجدران، لايمكنكم ان تتخلفوا عن الآخرين» وتتعزز المراقبة بحضور دليل آخر يقوم بانهاء الجولة داخل المغارة عند اختتام اللقاء مع الرسومات، وعموما لا ينصح بالزيارة بالنسبة لمن يعانون من رهبة الاماكن المغلقة، فعلى الرغم من ان هذه المغارة ليست عميقة جداً، حيث ان المكان الذي يمكن مشاهدته لا يتعدى 125 متراً، إلا انه يوجد جزء من الكهف ضيق جداً، وهو لا يتسع إلا لشخص واحد فقط ومن الممكن ان يكون شيئاً مزعجاً. ومع ذلك يسيطر على الزائر احساس بأنه في مكان ساحر وامومي ويزيد ذلك الاحساس من خلال الضوء الخفيف الذي ينساب مثل الشهد في الدهاليز أو يتجلى بشكل ناعم في الاماكن التي توجد فيها رسومات. ويتأخر الزائر في رؤية هذه الرسومات التي يصل عددها الى 230 رسماً، لكن بعضها من المستحيل تمييزها من دون مساعدة الخبير، فعلى سبيل المثال هناك رسم لثور وحشي اميركي على الزائر ان يأخذ وضعية القرفصاء لمشاهدته، وهذا الرسم يسلب لب الناظر اليه وهو مجرد مقدمة بسيطة لما سيأتي لاحقا حيث تظهر مجموعة من الثيران على الجهة اليمنى وهي منخفضة ايضا وحسية بشكل غريب وتنبت من الصخرة كما لو كانت تشكل جزءاً منها، ولقد تمت ملاءمة محيطها مع النقوش بشكل مدهش والذي يدهش اكثر هو ذلك التوزيع الحكيم للظلال والانطباع بأن الرسومات حية، وبالوصول الى منظر زوجي الرنة الشهير فإن الزائر لا يمكن ان يجادل في ان تلك الصورة المأخوذة من الطبيعة مباشرة قد شوهدت في يومها بعيون صياد ماهر. باسل ابو حمدة