بيان 2: لم يكن الصبي قد تجاوز الحادية عشرة من عمره عندما وقف أمام جمع من ابناء بلدته، في أحد أيام الاحاد لكي يصيح فيهم قائلا: «انظروا الي أيها الناس، ألا تعرفون ان الايدز يفضي الى القبر؟ وأنتم المتهمون»! كان ذلك الصبي يعلم الناس مخاطر الممارسات الخاطئة التي تؤدي الى الاصابة بمرض الايدز القاتل. قد يكون هذا المنظر غريباً ومثيراً للصدمة في العالم المتقدم، لكنه ليس كذلك في ربوع افريقيا، حيث يقوم الايدز بالقضاء على المجتمعات والصمت يعتبر العدو الأكبر. جرى هذا المشهد في بلدة أورانجا الواقعة بالقرب من بحيرة فيكتوريا في كينيا، وتعتبر هذه البلدة مسقط رأس جورج أوديرا أوتا أستاذ الأدب والفنون المسرحية في جامعة نيروبي. ويقوم أوديرا باستخدام المسرح الافريقي التقليدي لكي يعلم القرويين حول البحيرة أموراً تتعلق بالصحة والبيئة. ويعتبر المسرح أداة تعليمية مثالية لهذه المجتمعات الفقيرة لأنه يصل الى الجميع. وهذا أمر ضروري لأن معظم الناس هنا أميون نظرا لعدم قدرة الآباء الفقراء على ارسال أبنائهم الى المدرسة ولا يستطيعون حتى ان يشتروا أجهزة الراديو. يقول الصبي الذي يرتدي زي حفّار القبور: «الايدز يقتلهم بسرعة، وأنا بحاجة لبعض العمل». يرفع الأولاد الذين يقفون خلفه لافتة من القماش مغطاة برسومات لقبور، في اشارة الى الموت الذي يحيطهم من كل مكان. فالأطفال حديثو الولادة يموتون من الايدز الذي يرثونه من أمهاتهم. يعود حفّار القبور الى مخاطبة الجمهور قائلاً: «أيها الناس، اخبروني إذا كان الأطفال يموتون قبل أن يولدوا، والآباء ليس لهم مستقبل، فمن سيبقى إذن؟». إن هذه المشاهد المسرحية الساخرة التي يؤديها الأطفال أمام ذويهم، تجعل الكبار يخفون وجوههم من الحرج، وينفجرون ضاحكين. ويقول أوديرا أوتا «ان الأطفال يمكنهم ان يوصلوا الفكرة الى آبائهم». ويشرح الأمر بقوله ان الاستراتيجيات التي تنجح في الغرب مثل التشجيع على استخدام الواقي الصحي لن تنجح هنا، فاستخدام موانع الحمل يعتبر معارضاً للثقافة المحلية، ومعظم الناس لا يستطيعون شراءها. ويتحدث أوديرا أيضاً عن الاحساس القوي بالمسرح في كينيا، ويقول انه شكل منذ زمن بعيد جانباً من الحياة اليومية للقرية، حيث كان يعكس مخاوف وتجارب القرويين. وعلى الرغم من استخدام المسرح في جهود التنمية ليس بالفكرة الجديدة، إلا ان الجديد في الأمر هو قدرة أوتا على نسج الرسائل التي يريد ايصالها إلى الناس وتحويلها إلى أغان وتقاليد وحكايات محلية. ويقول بهذا الخصوص: «إنني لا أتعامل مع المفاهيم الغربية للمسرح، فالممثلون هنا يظهرون على المسرح خلال النهار ويقدمون أداء غير رسمي يشجعون فيه القرويين على الانضمام، ويتبعون في طريقتهم هذه أسلوب تقديم عروض تقليدية تحظى باقبال الناس مثل الرقص التقليدي والعزف على الطبول والغناء وغيرها، ومن ثم يوصلون رسالتهم التي يريدونها الى الجمهور المحتشد. ويقول آجري أونوتشور زعيم قرية كاميتون عن المسرحيات التي شاهدها مرات كثيرة ان «الناس يقدرونها ويعتقدون انها مهمة ويتّبعون ما تتضمنه من دروس مفيدة». غير ان المسرح لا يتعلق بالتنمية فحسب، وهذا الأمر أخذه أوديرا أوتا بالحسبان عندما أخذ يبحث عن طرق لاستخدام المسرح في استعادة التراث الثقافي الفني لأهل البلاد، وبخاصة الجوانب التي تركز على الصحة واحترام البيئة، فقد ضاعت جميع الأفكار الآن. ويقول أوديرا «ان زحف الرأسمالية وبخاصة الاستعمار قد جعل الناس يفقدون الثقة بما كانوا يفعلونه على امتداد العصور». يثير أوديرا في مسرحياته مشكلات خطيرة تتعرض لها المجتمعات القروية في كينيا، مثل التلوث والصحة والجهل. ويعيد الى أذهان الناس أهمية ومكانة التقاليد لديهم، فهو يثير مثلا مسألة تلوث بحيرة فيكتوريا التي كانت تعد مكانا مقدساً لدى أهالي المنطقة فيما مضى. ومن خلال الأسلوب الروائي الذي يعتمده والذي يسمى «سيجانا» وهو خليط من الإيقاع والاستعارة والأغنية والقصة والايماءة، يقوم الممثلون بسرد قصة خلق البحيرة وكيف جاء الناس وسكنوا بجوارها وقاموا بتلويثها. تنشد النساء في المسرحية كلمات تبرز المشكلة التي تعاني منها البحيرة ومن يقف وراءها، حيث يقلن: «أين أضع النفايات يا أمي؟.. أركضي الى البحيرة يا ابنتي، فهي ستحل مشكلتك». وترثي النساء مصير البحيرة بقولهن: «كانت أروع الجميلات.. فاغتصبوها وقاموا بتلويثها». ويأتين بايماءة تشير الى عملية رمي النفايات في البحيرة. ويواصلن القول: «لقد خنقناها بالنفايات الصناعية والنفايات البشرية». يبتهج الجمهور ويصفق للأداء العفوي المعبر، ويبدو الرضا واضحاً على وجه أوديرا الذي أسعده وصول الرسالة الى الجمهور. لم تذهب جهود أوديرا أوتا سدى، فقد كوفيء العام الماضي بجائزة سانت أندرو التي تكرم الأفكار الجديدة والملهمة في مساعدة البيئة. وهو يحلم بتوسيع المشروع من أجل نشر التوعية الصحية والبيئية الى مناطق أوسع. لكنه يعتبر في الوقت نفسه واقعياً حيال ما يمكن ان ينجزه «المسرح» كوسيلة لتحقيق غاية في اطار المفهوم الأوسع للتنمية في أفريقيا. والمسرح لوحده لا يمكن ان يحل مشكلة الفقر أو ينظف بحيرة فيكتوريا أو ينهي الفساد والاستغلال، ولكن ما لم يدرك الناس ما يجري حولهم، فإن الأوضاع لن تتغيّر. ضرار عمير