بيان 2: مفاجأة غير سارة كانت في انتظار ياسر عرفات مؤخراً في جنين. الزيارة في مخيم اللاجئين الذي تعرض الى ضربات صعبة في عملية السور الواقي، كان من المفروض ان تكون عنوان خروجه من رام الله بعد حصار متواصل امتد الى اكثر من خمسة اشهر. ولكن عرفات لم يدخل ابواب المخيم بل اكتفى بنظرة عابرة على الدمار، من مروحيته التي مرت بسرعة. والرواية الرسمية لمساعديه تقول ان رجال الامن فقدوا السيطرة أمام مئات الاشخاص في المخيم الذين انتظروا قدومه ولم ينجحوا في ضمان دخول منظم وآمن الى المنصة، التي كان من المفروض ان يوزع الثناء «للمقاتلين الشجعان» في جنينغراد ـ وهو التعبير الذي استعاره الرئيس من عضو الكنيست احمد الطيبي ـ «الذين صمدوا ببطولة في وجه الدبابات الاسرائيلية». ورواية حماس، المدعومة بمعلومات جيدة من داخل المخيم، تختلف بعض الشيء. فهي تدعي ان مساعدي عرفات ببساطة خشيوا على حياته بعد ان اتضح ان الجماهير في مخيم جنين تهتف بدون توقف ضد الرئيس ويذكرون بصوت عال اسماء قتلى جنين للتذكير بعجز السلطة الفلسطينية التي لم تأمر أجهزتها الامنية بالقتال كتفا الى كتف مع نشطاء الارهاب داخل المخيم. وبعد ان حرقت المنصة، التي اقيمت لعرفات من اجل ان يلقي عليها خطابه، بيد مجهولين قبيل وصوله، وبعد ان اطلقت طلقات نارية في الهواء من داخل المخيم قبيل ساعات من وصوله الى ابوابه ـ الغيت الزيارة، لسوء حظ الكثيرين من السكان الذين ارادوا ان يصبوا جام غضبهم، وبصوت عال في وجه الرئيس ذلك لانه لم يعمل بما فيه الكفاية لتحسين وضعهم. وللدقة يجب ان نذكر ان مخيم جنين كان دائما وابدا شوكة في لحم السلطة الفلسطينية، كان بمثابة «دولة داخل دولة» مسيطر عليه من قبل نشطاء الجهاد الاسلامي وحماس، الى درجة ان الكثير من رجال الامن الفلسطيني امتنعوا عن الدخول اليه. وسمعت امس الاول في المخيم هتافات بهذا المعنى «يا ابو عمار لم تدخل الى هنا عندما كنت قويا، فمن باب اولى ان لا تدخل الى هنا اليوم وانت في اوج ضعفك». وعلى الرغم من ذلك فان حقيقة ان عرفات اختار الدخول الى المخيم رغم انه خطط لفعل ذلك، وحقيقة ان شوارع بيت لحم، جنين ونابلس لم يخرجوا لاستقبال رئيسهم في اول خروج له من الحصار، تدل على ان شعبية الرئيس في الشارع الفلسطيني لم تكن كما كانت. ثمة معاناة وضائقة شديدتان في الشعب الفلسطيني، والى جانب الرغبة المستمرة في الانتقام من اسرائيل ثمة الكثير من الاسئلة حول نهج القيادة الفلسطينية وغياب ضوء في نهاية النفق المظلم. وليس هذا وحسب، بل انه بعد ساعات من عودة عرفات الى رام الله، مع حلول الظلام، انهال خمسة من الملثمين بالضرب المبرح على حسن عصفور احد مقربي عرفات، وزير شئون المنظمات الاهلية ورئيس طاقم المفاوضات مع اسرائيل سابقا. ثمة سبب جيد للافتراض بان الملثمين الذين انهالوا بالضرب على حسن عصفور قصدوا التلويح بشيء ما لرئيسه. ادعى حسام خضر، رجل فتح، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، مؤخراً، بوضوح ان الجماهير لم تخرج لاستقبال عرفات لانها تريده ان يتخلص من مجموعة الفاسدين المحيطين به، وهذا ينقلنا الى قضية الاصلاحات في السلطة الفلسطينية التي ينشغل فيها الكثيرون ويتحدثون عنها. الاصلاحات التي يفكر بها ياسر عرفات ليست الاصلاحات التي يقصدها بوش وشارون. حيث ان الاصلاحات التي يفكر بها بوش وشارون هي الاصلاحات التي تطالب بها «القاعدة»، وحين نتحدث عن القاعدة نتحدث اساسا عن نشطاء فتح، كبار التنظيم الذين قادوا الانتفاضة الاولى واقصوا جانبا حماس والجهاد الاسلامي في النصف الثاني من المواجهة الحالية. كبار فتح هؤلاء يفكرون بان المطلوب ليس اصلاح المظالم في السلطة الفلسطينية، انما قلب الامور رأسا على عقب. لنبدأ بعرفات: طالما ان الامور متعلقة به فانه يستطيع العيش بهدوء بدون اصلاحات، واذا تطلب الامر اصلاحات فلتكن تعديلات بالحد الادنى، تعديلات تجميلية ليس اكثر. قال نبيل عمرو وزير اساسي في المجلس الوزاري الفلسطيني مؤخراً، ان عرفات يخشى من الاصلاحات وهو غير معني بالهزات ولا بالاطاحة بالاشخاص. انه يريد الهدوء. لهذا السبب اذا حشروه في الزاوية سيوافق، ربما على اجراء انتخابات بلدية ولكن في موعد متأخر بقدر الامكان. وبالنسبة لاستبدال «المجلس الوزاري» واجراء انتخابات جديدة للمجلس التشريعي فانه ليس هناك ما يقال. وابعاد المقربين المتهمين بالفساد لا يرد بالحسبان. من ناحية عرفات ثمة شيء آخر غير وارد في الحسبان: الاصلاحات التي يفترضها بوش وشارون، والتي تهدف ـ حسب رأيه ـ الى حشره في الزاوية وتحويله الى رئيس رمزي غير ذي صلة. الفكرة الاساسية التي طرحت في المفاوضات في واشنطن والقدس هي تعزيز مكانة شخصين اساسيين في السلطة الفلسطينية محمد دحلان ومحمد رشيد. سيكون دحلان «وزير الدفاع» المسئول عن أجهزة الامن الموحدة في السلطة والذي سيضع حدا لظاهرة تعدد الاجهزة التي تقاتل كل منها الاخر. ومحمد رشيد سيكون «وزير المالية» الذي يحرص على ان تخضع الاموال التي تصل السلطة، للرقابة والسيطرة ولكن ليس سيطرة عرفات بل سيطرة اطر خارجية ونظيفة، تحرص على نقلها للاهداف المطلوبة. بهذه الطريقة، وتدريجيا، يعزز الاثنان مكانتهما، ويمتصان ـ ربما الافضل القول يقلصان ـ من قوة عرفات. ان تنفيذ هذه الفكرة سيواجه عدة صعوبات اساسية خاصة حقيقة ان كونها فكرة أمريكية تجعلها مثار شبهات وسط الكثير من الفلسطينيين. لن يحب عرفات الفكرة لانه لا يريد ان ينحى جانبا وليس له أي مصلحة في تعزيز مكانة آخرين حتى لو اعتبروا من مقربيه. وهو يعرف ان ما هو جيد لبوش واسرائيل يجب بالضرورة ان يكون ضارا لمصلحته. وهكذا ورغم ضعف عرفات ثمة شك ان يتجرأ دحلان ورشيد على ان يوافقا على هذا الدور خلافا لارادته. ولكن العقبة الرئيسية التي ستعيق تنفيذ فكرة الاصلاحات الاسرائيلية الامريكية مرتبطة ليس فقط برفض المذكورين اعلاه بل بحقيقة ان الشارع غير معني باصلاحات من هذا القبيل، بل بتغييرات جذرية لكل مبنى السلطة الفلسطينية. بكلمات اخرى نشطاء التنظيم هؤلاء الذين قاتلوا ضد اسرائيل ولكن لم يحظوا بحصة في الكعكة السلطوية ولم يتمتعوا بنعيم السلطة، يريدون اقصاء كل طبقة القيادة وكل المسئولين الذين جاءوا مع عرفات من تونس واشتروا منازل ويعيشون برخاء. لذلك من هذه الناحية يعتقد التنظيم ان محمد رشيد المتهم من قبل الكثيرين بالفساد واكتساب رأس مال شخصي ـ غير جدير بان يكون وزير مالية. كذلك دحلان الذي تعرض الى انتقادات بسبب معالجته عملية نقل قتلة زئيفي الى سجن دولي في اريحا، غير جدير، بالنسبة لهم، بان يكون وزير دفاع. عمليا يدور الحديث هنا عن حرب فتح ضد فتح، رجال الجيل الشاب لفتح الذي ترعرع في المناطق، امام الجيل القديم من تونس. «الداخل» ضد «الخارج». صحيح ان قدرة التنظيم على احداث انقلاب في السلطة الفلسطينية ـ وفي هذه المرحلة لا احد يرغب بالمس بعرفات ـ تضررت الى وجه كبير، سواء بسبب تحطيم قوته على يد الجيش او بسبب حقيقة ان زعيمه مروان البرغوثي معتقل في اسرائيل. مع ذلك يبدو ان العملية العسكرية الاسرائيلية وتحطيم جزء من اجهزة السلطة كل ذلك ساهم في تأجيج التوتر والنزاع بين القوى الميدانية المختلفة: الرجوب ضد دحلان. دحلان ضد الرجوب. رجال التنظيم يهددون محمد رشيد ويوجهون ضرباتهم لحسن عصفور. وهذه كما يبدو البداية فقط. عن «معاريف»