في معرضها الحالي الذي يقيمه بيت المدى للثقافة والفنون بدمشق، تمسك الفنانة التشكيلية العراقية نوال السعدون ، الاشكال وهي في لحظة تشظّيها وتبعثرها، هكذا نرى انتشارات الخطوط من بؤر بركانية، ونرى انسكابات اللون الشاقولية والمواد الدخيلة (الكولاج) ونستشعر القلق والتوترات الحادة في كل ما نرى من تجريدات تختبئ في ظلها ملامح غائمة ومشهدية ضبابية، تنتظر لحظة اعادة التكوين والتأويل وطرح الأسئلة، المتروكة دوماً لاعتبارات المتلقي وهواجسه. والفنانة التي حلت ضيفة على دمشق، تقيم في الدنمارك منذ خمسة عشر عاماً، وكانت قد درست الفن في بغداد وبوخارست، وأقامت العديد من المعارض الفردية والجماعية في دول عربية واجنبية، وهي متفرغة للفن، وعضوة في اتحاد الفنانين العالمي. التقينا الفنانة نوال السعدون على هامش معرضها، ودار الحوار الذي حدثتنا في بدايته عن البيئة التي نشأت في ظلها، وبداية ارتباطها بفن الرسم. ـ اعتبر نفسي محظوظة لكوني ولدت في عائلة تهتم بالثقافة والفن، واخوتي الاربعة الذين يكبروني، سافروا الى اوروبا حيث درس احدهم التمثيل والآخر هندسة العمارة والثالث الموسيقى والرابع فن السيناريو، وبعد عودتهم الى العراق ومزاولتهم لمهنهم، صرت على احتكاك مباشر بالوسط الفني، كنت لا أشاهد العروض المسرحية فقط، بل أتابع التدريبات عليها، تعرفت على رسامين مهمين امثال: محمد مهر الدين وماهود احمد وملاح الجواهري، وهكذا بدأت أتعلم العزف على البيانو، وبدأت ارسم، لكني احسست ان الرسم هو المجال الأقرب الى روحي، الذي استطيع من خلاله ان اقدم شيئاً مهماً. ـ وماذا اعطتك تجربة الدراسة في بلد أجنبي؟ ـ مع ان معهد الفنون الجميلة في بغداد قد خرج اهم الفنانين العراقيين غير ان تجربتهم قد تم صقلها اثناء دراستهم في الخارج، فناهيك عن ان السفر بحد ذاته يوسع رؤية الفنان، غير ان التأهيل الاكاديمي في اوروبا مختلف عما لدينا، فدراسة مادة التشريح هناك مرتبطة بالموديل الحي والجسد العاري وهذه بحد ذاتها معرفة مهمة جداً للفنان. ـ بمن تأثرت من الفنانين، وما هي المراحل التي اجتازتها تجربتك؟ ـ كنت معجبة جداً بالفنان الغرافيكي العراقي فايق حسن ويقال ان اعمالي الغرافيكية قد تأثرت بروحيته، لكني حينها لم اشعر بذلك، كنت ابحث عن شخصيتي، ولم أقلد احداً، وكانت موضوعاتي تتشكل في ذهني وتمنحني متعة كبيرة اثناء حركتها، ومنذ سنوات الدراسة كانت لدي رغبة حادة في تحطيم الموديل والاشكال المعتادة ولكن هذه الرغبة لم تكن ناضجة بعد، فبعد تخرجي عملت سلسلة من اللوحات كان الواقع فيها حاضراً بقوة، لكن فيما بعد بدأت اشتغل على مؤثرات الخارج على داخل النفس البشرية، وبدأت أتأثر بالتعبيرية وأقمت معرضاً حول تأثيرات الحرب العراقية الايرانية في اليمن، ثم بدأت الملامح تغيب تدريجياً من لوحاتي، مع انها اصلاً موجودة، ثم عمدت الى عدم استخدام الرموز والعناصر المرتبطة مباشرة ببيئة معينة. ـ الحياة في الدنمارك كيف أثرت عليك كفنانة؟ ـ وجودي في الدنمارك منذ خمس عشرة سنة أثر ايجابياً على تجربتي، فالحياة المفتوحة وامكانات التجريب والسفر واقامة المعارض والاطلاع على معارض الآخرين، أمور قد طورت كثيراً من تقنياتي ورؤاي وفهمي للعمل الفني، صارت لديّ مشاركات كثيرة في المعارض التشكيلية داخل الدنمارك وخارجها وتعرفت على الملتقى الاجنبي وسررت بقبوله لفني. ـ كيف تأتيك لحظة الابداع؟ ـ تفاجئني دائما، أشعر بدبيب في أعماقي وبرغبة في أن أفعل شيئا ما واحياناً أشعر بالضيق، وحين أقف أمام اللوحة البيضاء لا أشعر بخوف، أضع الخطوط والألوان دون تحضير مسبق، انها لحظة الكشف عما في أعماقي، فالواقع الذي نعيشه زائف ولا يعطيني أي جواب عما نحن فيه، الألوان والأشكال نفسها على اللوحة، التي تتحول الى كائن حي أتحدث معه وأحاوره، وأحيانا أبكي عند انتهاء اللوحة، واحياناً أرقص مثل طفلة صغيرة. ـ لوحاتك تمسك الاشكال في لحظة تشظيها، فكيف تفسرين ذلك؟ ـ لا أعرف تماماً، حين أرسم أود ان أكتشف نفسي والعالم الذي يحيط بي، واللوحة تشبه المقطوعة الموسيقية من الصعب الحديث عنها انشائياً، وأنا لست ناقدة وإنما رسامة، ولا أعتقد بأن الفنان مطالب بأن يفسر أعماله، ولكن هذا لا يعني انه غير مسيطر على أدواته، وفي النهاية يعجبني ان تتلقى لوحاتي تفسيرات متباينة ومن زاويا مختلفة. ـ في لوحاتك تتدخل المواد المضافة والخلطات اللونية الغريبة، فماذا عن هذا الجانب؟ ـ استخدم الكولاج والمواد الطبيعية وعندي رغبة مستمرة في تجميع اشياء مختلفة ووضعها في لوحاتي، أجمع الصور وقصاصات الجرائد والاوراق الشفافة وما شابه، أما ألواني فأنا لا أشتريها جاهزة، بل اشتري الاكاسيد واصنعها بنفسي، واخلطها بمواد قد لا تخطر على البال كالاسفلت مثلا، بمعنى انني استخدم أية مادة اشعر انها سوف تدعم لوحتي، وأنا هنا لا أصطنع الأمور ولا افتعلها، بل تأتي من داخلي وهي نتائج تراكمات حياتية وخبرة ورؤية فنية. ـ دخلت التقنيات الحديثة في مجال الفن التشكيلي، فهل تعتقدين انها ستحل ذات يوم مكان الفنان واللوحة بمعناهما التقليدي كما يروج اليوم؟ ـ اطلعت على تجارب فنانين قلائل ممن استخدموا الكمبيوتر في لوحاتهم، وعندي رغبة في خوض مغامرة كهذه كنوع من التجريب، ولكني أعتقد بأن الكمبيوتر لا يمكن ان يكون بديلاً للفن والفنان، وإنما مجرد اضافة لهما، وأنا على الصعيد الشخصي أجد متعتي في ان أمسك الطين وأفرك الألوان، وألمس قماش اللوحة، وانتظر الى اليوم التالي لأرى كيف ستكون لوحتي، انه انتظار يشبه انتظار رسالة من حبيب، هذه الانفعالات والأحاسيس لا يمكن ان توفرها التقنيات الحديثة. دمشق ـ تهامة الجندي