بيان الكتب: نهض التصوف في الإسلام، أو ما يعرف بالتصوف الإسلامي، على منهج استنباطي للصلة بين النفس والإله، حيث ان لكل متصوف طريقته الخاصة في السير نحو الذات العلية (الله)، لذلك تكمن حقيقة التصوف في مجموعة التجارب الذاتية للمتصوفة. وبالرغم من اختلاف مضامين ومواضيع ومنطلقات تجارب المتصوفة، فإن هذا لا يلغي وجود صلات تقارب واتصال وتفاهم بينهم في مختلف الجوانب الروحية والفكرية والسلوكية ضمن اطار التجربة الصوفية ومنطقها. ذلك ان التصوف في الاسلام اتصل بالفلسفة وتداخل معها الى درجة اعتبر فيها الفيلسوف صاحب تصوف عقلي، وهذا لا يلغي المنطق الخاص للتجربة الصوفية. من هذا المنطلق يتناول كتاب «نظلة أحمد الجبوري» الذي بين يدينا التجربة الصوفية وخصائصها في الإسلام، مركزا على البعد الفلسفي الذي تعتمده الكاتبة أساسا في قراءة التجربة الصوفية، وبوصف هذا البعد دراسة صوفية. واذا كانت التجربة في الفكر الصوفي تعرف بـ «الحال»، باعتباره سموا روحيا يصل به المتناهي (الصوفي) باللامتناهي (الله) وبه يشرق له ويفيض عليه العلم، فإن التجربة الصوفية كما تراها الكاتبة تعني من جهة حال الارادة الانسانية، بحيث تغدو الارادة نقطة الابتداء لاثبات الوجود، ومن جهة أخرى اقرار الصوفي بوجود المطلق (اللامتناهي)، وامكان معرفته والوصول اليه، اما بالشهود له واما بالفناء فيه أو بالاتحاد به، مما يقتضي البحث في طبيعة التجربة الصوفية، وتناولها كحياة مكتملة بما يجعلها خلاصة مركزة تجمع ما بين السلوك ووسائله وأبعاده والعاطفة ونوازعها واتجاهاتها، وبين الفكر (الفلسفة) بوصفه الشارح لها والموضح لمبادئها. هكذا تغدو الصوفية ممارسة عملية لحياة شعورية، تنتج أفكارا وتصوغ نظريات، وهي تجربة شخصية، فردية وحية، عمادها المعرفة الذوقية والحب الإلهي، وتعابيرها رمزية مبتدعة تعبر عن الأحوال والأذواق، وعن العبارات والاصطلاحات والتراكيب المنبثقة عن العقيدة الإيمانية. ومن طبيعة التجربة الصوفية الميل نحو الزهد والعزلة، وهو ميل يتحقق بمحو ارادي للحياة الشعورية بغية الوصول الى الخضوع اللامحدود والاستغراق به، والوصول الى تحقيق الأمور الخارقة للطبيعة البشرية، وعنده تصبح التجربة الصوفية روحية خالصة، تتعدى حدود الزمان والمكان، لتتجلى الحاسة المدركة لله ادراكا ذوقيا، وهي حاسة كونية، متعالية على الطبيعة، تتجاوز حدود العالم الحسي وقيوده. وبالتالي فإن التجربة الصوفية غايتها معرفة الحقيقة (الوحدة)، وعليه ترى الكاتبة ان الصوفي يلتقي مع الفيلسوف في معرفتها، انطلاقا من اعتبارها التصوف علم الحقيقة والفلسفة علم الأشياء بحقائقها. وتبحث الكاتبة في اتجاهات وأبعاد التجربة الصوفية، مميزة ما بين اتجاهين في التجربة الصوفية: الأول، هو الاتجاه الخارجي (التجربة الظاهرة) ويتحقق بالادراك الحسي، من حيث انه يتجه اتجاها ظاهريا (برانيا) نحو العالم المحسوس بغية تتبع الآثار المتكثرة لله الواحد. والاتجاه الثاني هو الاتجاه الداخلي (التجربة الباطنة)، ويتحقق شعوريا للمتصوف بعد ان يتوجه توجها باطنيا الى أعماق نفسه، ليجد الواحد فيها. اما غاية التصوف فتتحدد عن طريق الفناء أو الاتحاد أو الاتصال، وفي هذا السياق تتلمس الكاتبة هذه المصطلحات عند البسطامي والنفري والحلاج والفارابي وابن سينا وسواهم، ثم تنتقل الى تناول ابعاد التجربة الصوفية، حيث تبدأ بالبعد السلوكي الهادف الى تحقيق التصفية الروحية بواسطة المجاهدة البدنية والرياضة المتصلة بالنفس، وما يترتب عنها من معاني التفكر والتأمل، ثم الخلوة والعزلة والسماع. والبعد الديني الهادف الى تكوين نسق يمتزج من خلاله المتصوف مع حقيقة تجربته، وهذا البعد يتحقق من منظورين أولهما الحقيقة والشريعة المبني على التوفيق بين الحقيقة والشريعة، أو بين باطن الشريعة وظاهرها، وثانيهما الحكمة والشريعة، وينتهجه الفكر الصوفي العقلاني بغية التوفيق ما بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لاثبات عدم التعارض بينهما أو رد التعارض الظاهر بينهما الى فرقات المنهج والغاية. وتتضمن العملية الارشادية التوجيهية التعليمية البعد الارشادي للتصوف الهادف الى الوصول الى مرتبة الشيخ الخبير، وكل من يسير في طريق التصوف عليه اتباع خطا الشيخ كدليل له، فهو مريد لله بمعنى انه مجرد عن الارادة. وفيما يخص الصلة بين التصوف والفلسفة ترى الكاتبة انها تحققت عبر التوجه الصوفي نحو الفلسفة، وبالتالي مع ظهور التصوف الفلسفي، الذي تحدد مسعاه في الجمع بين التوفيق والتلفيق والابداع، وبين الذوق والعقل والفلسفة، وعرف أصحاب هذا الاتجاه بفلاسفة التصوف. أما صلة الفلسفة بالتصوف فقد جاءت من التوجه الفلسفي نحو التصوف، وسعي الفلسفة العربية الاسلامية الى معرفة الصلة بين الموجود وموجده، مقترنة بالعقيدة الايمانية ومعتمدة على النزعة العقلية لتحقيق الاتصال بالعقل الفعال. وبناء على ما سبق من تداخل بين الفلسفة والتصوف تميز الكاتبة بين التجربة الصوفية، والتجربة الصوفية ـ الفلسفية، والتجربة الفلسفية ـ الصوفية، ثم تقسم التجارب بناء على العمل والنظر الى ثلاثة أنواع: التجربة العملية، والتجربة العملية النظرية، والتجربة النظرية، وبناء على الغاية المتحققة من خلال التجربة تحدد ثلاثة انواع للتجارب: تجربة كشفية، وتجربة اتحادية، وتجربة عقلية. لكن هذا التقسيم يقابله تقسيم ثلاثي ايضا بالنظر الى النزوع الشخصي والميل نحو الاتصال والاتحاد ويتجسد في: التجربة النفسية او الروحية التي يقوم مضمونها على الانفراد والانعزال والانسلاخ عما هو ليس منها بغية الوصول الى معرفة النفس معرفة صحيحة، والتجربة الطبيعية التي يتجلى مضمونها في وحدة الكل وتضمن الكل للواحد وتركز على حقيقة نهائية وقطع الصلة مع سواها، والتجربة ذات البعد الالهي التي يجسد مضمونها برجوع النفس او الروح الى مصدرها الاول ومبدئها المطلق. وتتلمس الكاتبة تقسيماتها في تجارب العديد من المتصوفة امثال البصري والبناني والسختياني والداراني ومالك بن دينار والثوري والبلخي والانصاري والحلاج والسهرودي وابن عربي وابن سبعين وسواهم، ويستوجب ذلك الخوض في الرموز والمصطلحات والحروف التي استخدموها، وفي اللغة التعبيرية التي عبروا بها عن تجاربهم الصوفية، ودراسة تأويلاتهم العقلية والفلسفية، وهو امر يقتضي المزيد من البحث. وتتناول الكاتبة المعرفة في التجربة الصوفية، محددة مفهومها في الفكر الصوفي، حيث اعتبر ان المعرفة تقوم على العبادة، وان تفسير العبادة يقوم على المعرفة، لذلك يقول السينيوي عن التعبد بأنه «عرفان واجب الوجود» لكن ذو النون ربط ما بين المعرفة وبين العلم، معتبرا ان المعرفة «هي المعرفة بالله، والعلم هو العلم الأعلى الالهي»، لكن الامر لا يتوقف عند هذا الحد بل يحتاج لاستقصاء اكبر بغية الاحاطة بمركبات المعرفة والعلم في الفكر الصوفي. وعليه تجري الكاتبة بحثا في العلاقة بين العلم والمعرفة في نصوص عدد من المتصوفة، حيث يتميز العلم الالهي عن العلم الانساني وعلوم الطبيعة، كما يتميز العالم عن العارف. اما تاريخيا فقد ركز الفكر الصوفي على المعرفة، وتنوعت المعرفة الصوفية بين الحسية والعقلية والالهية، وتعددت مصادرها وروافدها التاريخية، وهو امر لا توليه الكاتبة اي اهتمام، كون ان بحثها انشغل بالنصوص التي تركها الفكر الفلسفي الصوفي، فاتجهت الى تلمس مصادر المعرفة الصوفية في نصوص اشهر فلاسفة المتصوفة، لتجدها في القلب والعقل والحدس، ثم تنشغل في تحديد انواع المعرفة الصوفية المتمثلة في المعرفة الذوقية والمعرفة الكشفية والمعرفة الالهامية والمعرفة الاشراقية، وهي معارف تتأتى من الذوق او الكشف او الاطلاع على خواطر الآخرين او من اشراق العقل والفعل، وترتكز على المفاهيم الفلسفية التي استقاها الفلاسفة كل حسب منظوره الفلسفي، وحسب اجتهاده وتأثره بسواه من الفلاسفة. وبالانتقال الى النفس والمعرفة الصوفية يظهر جليا تأثيرات المفاهيم الفلسفية اليونانية فيما طرحه المتصوفة حول قوى النفس وطبيعتها وماهيتها. ثم تتناول الكاتبة الوحدة والكثرة في التجربة الصوفية، مقدمة تصورا اجماليا لفكرة الواحد والكثير، وتعرض لمفاهيم الواحد والكثير من خلال عرض المفهوم الميتافيزيقي والمفهوم الانطولوجي والمفهوم الرياضي ـ الهندسي والمفهوم المنطقي والمفهوم الهندسي، وكل هذه المفاهيم يغلب عليها الطابع الفلسفي اكثر من الطابع الصوفي، وينطبق ذلك ايضا على مفهوم الزمان وطبيعته في التجربة الصوفية. وتخصص الكاتبة الجزء الاخير من كتابها، الذي يقع في 485 صفحة، لتناول الخير والشر في التجربة الصوفية، ملاحظة ان المفهوم الاصطلاحي للخير والشر في الفكر الصوفي، وخصوصا عبر التجارب الصوفية، لم يتبلور دفعة واحدة، بل تبلور في المحصلة النهائية من خلال التأثر بالطروحات الفلسفية للمفهوم. أخيرا، يعد الكتاب في مجمله بحثا اكاديميا يضاف الى الابحاث المهمة التي حظي بها التصوف الاسلامي، وخصوصا الجانب الفلسفي والفكري منه، سعت من خلاله الكاتبة الى الالمام بكل ما يخص التصوف في النصوص الصوفية الاسلامية، وقدمت قراءة تقترب في اغلبها من عرض لافكار ومفاهيم اشهر المتصوفة ـ الفلاسفة. وغاب في الكتاب الجانب العلمي او الحياتي للمتصوفة على حساب الجانب النظري الفكري، وعليه فإن التجربة او (الحال) الصوفية حلقت في سماء المفاهيم الفلسفية ولم تحط على الارض. مرد ذلك هو ان الاهتمام بالجانب النصوصي ـ الاكاديمي غيب اختلاف المشارب والمشاعر وطرائق العيش بين فرق المتصوفة، اضافة الى ان الحشد الهائل للطروحات الفلسفية لم يكسب الكتاب طابعا فلسفيا بل وسمه بالخلط ما بين الفلسفة والتصوف، فاستوى فيه الاشاعرة مع المعتزلة مع المتكلمين مع المشائين وسواهم، كما غاب عن الكتاب التصوف ما قبل الفلسفي، والأهم من ذلك هو غياب التاريخ عن البحث والظروف الاجتماعية والسياسية التي عانى منها المتصوفة في زمانهم. عمر كوش