بيان الكتب: يضعنا ممدوح عدوان أمام ملخص مقتضب لرواية «دون كيشوت»، جاء فيه: ان دون كيشوت نبيل شارف على الخمسين من العمر، وكان يقضي الأوقات التي لا عمل له فيها في الانكباب على قراءة كتب الفروسية بلذة ونهم، جعلاه ينسى الخروج للصيد وادارة أعماله، وأخيرا وقد فقد صوابه استبدت به فكرة هي أغرب ما يتخيله مجنون في هذه الدنيا، فقد رأى من اللائق بل من الضروري ... أن يصبح فارسا جوالا.. وأن يمارس جميع ما قرأه عن الفرسان الجوالين، أن يصلح الأخطاء ويتعرض للأخطار، فسمى نفسه ألونسو كيخانو، الدون كيخوت (دي لا مانشا) على اسم منطقته، وأخذ أسلحة قديمة مهترئة كانت لأجداده، وكانت تلك الأسلحة ينقصها خوذة، فتدارك الأمر بصحن حلاقة أخذه من حلاق متجول، وركب حصانا هزيلا أطلق عليه اسم روزينانتا، وبهذا بدأت مغامراته ومعركته الخاسرة من أجل تغيير العالم نحو الأفضل، التي انتهت بعودته إلى بيته وقد شاخ واسترد عقله، ولكن عودة العقل تحدث وهو على فراش الموت. وبدءا من هذا الموجز يلتقط عدوان أوجه التشابه والتقاطع بين سيرة دون كيشوت وسيرة مؤلفه سرفانتس من حيث تراجيدية المواجهة مع العالم، فيشير إلى ان سرفانتس ولد في عائلة فقيرة وذات كبرياء، خدم جنديا وجرح جراحا بليغة في معركة ليبانتو، مما أدى إلى فقدانه يده اليسرى، ووقع في الأسر وقضى خمس سنوات أسيرا ورقيقا في الجزائر، أحب المسرح وخلال عشرين عاما كتب أربعين مسرحية لم تنجح أي منها في لفت الأنظار إليه، وقضى ما بين ثلاث وخمس سنوات في السجن بتهم مختلفة، وفي عام 1597 لاقى الحرمان الكنسي لاساءته لكنيسة جلالته الكاثوليكية، وبصعوبة نجا من عقوبة أكبر، وحين كبر في السن وضعفت بنيته واقتنع بفشله الذريع، جلس ليكتب «دون كيشوت» لكي يكسب عيشه، طبع المجلد الأول عام 1605 وهو في الثامنة والخمسين، وقد جلب له الشهرة لكنه لم يجلب له الرزق، وحين ظهر الجزء الثاني بعد عشر سنوات، ضمن الخلود بصفته صاحب أعظم رواية في الدنيا، لكنه كان قد تحطم جسديا وتوفي عام 1616 بعد عشرة أيام من موت شكسبير. بعد هذه المعلومات عن الرواية وكاتبها، ينتقل المؤلف إلى ابداء ملاحظاته وقراءته الخاصة للرواية وأسلوبها وظروف كتابتها فيسجل أولا: ان سرفانتس بدأ عمله وهو يسخر من دون كيشوت، ويبدو الكتاب وكأنه مكتوب لينقل وجهة نظر سرفانتس في أدب الفروسية الذي كان سائدا في أيامه، ومأخذه الأساس على هذا الأدب على لسان بطله، هو الكذب والمبالغة الذي يحفل به، لكن الانتقادات لا تقف عند أدب الفروسية بل تتعداها الى نواحي الحياة الأخرى. ثم يستطرد عدوان في عرض ملاحظاته مشيرا الى التحول النوعي الذي طرأ على الرواية في جزئها الثاني فيقول: بدا لي ان سرفانتس كان محتارا في كيفية اكمال القصة في الخرجة الثالثة، ولذلك فإن النقاشات النظرية والحوارات المطولة تأخذ حيزا كبيرا منها، وشخصية دون كيشوت نفسها وكذلك شخصية سانشو تصبحان متناقضتين مع ما كانتا عليه في الجزء الأول ومع الكثير من أحداث الجزء الثاني، وهو تناقض يختلف عن نمو الشخصية وتطورها. ويورد تفسير فاشرمان لهذا التحول: في الوقت الذي كتب فيه سرفانتس النصف الثاني، صار أكثر غرقا وتورطا في ثنايا شخصية دون كيشوت، لقد ظلت القصة كوميدية، لكنها الآن تتفحص التناقضات الأعمق في الأفعال الإنسانية، الصراع بين المثالي والواقعي وبين حكمة الجنون وغباء التوجه العملي الواقعي وبين الهدف الأسمى والوسائل الوضيعة التي توصل إليه ويضيف عدوان إلى هذا التفسير توضيحا آخر مفاده ان هاجس سرفانتس في الجزء الثاني، كان الرد على بياندا الذي ألف قصة أخرى بعنوان «دون كيشوت» بعد صدور الجزء الأول، فعد سرفانتس ذلك سطوا على بطله وقصته، وقد بلغ توتره من هذا العمل ما جعله يقتحم أبواب ما عرف فيما بعد بأدب اللامعقول، فبطله هو المكلف بالرد على ذلك الكاتب الذي انتحل اسمه، وقد لاحظ عدوان أيضا الاسلوب الذي اتبعه سرفانتس في الكتابة، والذي شبهه بتكنيك المسلسلات التلفزيونية التشويقي مضافا اليه الحس السينمائي، كذلك حيلة المؤلف في الايحاء بأنه ليس إلا ناقلا ومترجما لقصة عن كاتب عربي اسمه سيدي حامد بن الآيل المؤرخ العربي، وأشار إلى العلاقة المعقدة والغريبة بين البطل والمؤلف المفترض سيدي حامد والمترجم المفترض، وفسر هذا كله برغبة سرفانتس في التأكيد على ان قصته قصة حقيقية وأبطاله حقيقيون، تماشيا والتقاليد الأدبية في عصره. أما حول الآثار التي خلفتها رواية دون كيشوت على المستويين الشعبي والابداعي، فيكتب عدوان: سرعان ما سيطرت شخصيتا دون كيشوت وسانشو بانزا وحصان روزينانتا على المخيلة الشعبية، كما يبين ظهورهم في الاحتفالات الشعبية من بيروت حتى ألمانيا ... ومن الواضح ان المعاصرين للرواية لم ينظروا اليها بالجدية التي أخذتها بها الأجيال اللاحقة، ولكن مع نهاية القرن تعاظم حضورها وخاصة خارج اسبانيا وصار ينظر اليها على انها ملحمة ساخرة مكتوبة نثرا، وتتالت الشروحات التي تعلق على الكتاب بوصفه هجاء سياسيا مقنعا، وحين ظهرت الرومانسية الألمانية وبدأت تفسيراتها للكتاب، ازداد التعاطف والتفاعل معه وتحول البطل المضحك الاكثر سخرية الى بطل تراجيدي لأكثر الكتب حزنا.. ولا نستطيع هنا ان نحصر عدد الاعمال الابداعية التي تأثرت به او قلدته او اعادت صياغته او استلهمته لأعمال موسيقية او درامية او اوبرالية.. حتى وصل الامر بالروائية البريطانية شارلوت لينوكس 1730 ـ 1804 ان تكتب اشهر روايتها وأكثرها شعبية رواية دون كيشوت الانثى التي نشرت عام 1752. لم تكن الافكار والملاحظات والاقتباسات الغزيرة والمفيدة التي سجلها المؤلف في كتابه، إلا مدخلا للوصول الى ما سماه بالموقف الدون كيشوتي من العالم، او الاصرار النبيل على مواجهة الخطأ رغم اليقين المسبق بالخسارة، ويؤكد هنا ان هذا الموقف ليس جنونا ولا موقفا انتحاريا، بل هو ذاته الموقف الشجاع الذي تبنته كل الشخصيات الحرة والمناضلة التي عرفها تاريخ البشرية، والتي لم يكن آخرها المناضل تشي جيفارا، فدون كيشوت كما يراه عدوان، رجل يشع بقوة داخلية خارقة، قوة روحه، قوة اعتراضه على الحياة المحيطة به، واستعداده لمجابهة الخطأ مجابهة خاسرة حتما، لان القوى فيها غير متكافئة، ولكن المجابهة لابد منها لان الخطأ الذي تغرق فيه الدنيا ابشع من ان يسكت عنه، وان يكن اقوى من ان يجابه، ويزداد الامر مأساوية عند الاحساس بتخلي الآخرين عن البطل ومعركته، متخلين بذلك عن قيمهم مجاراة للواقع الفظيع المريع ولكن المنتصر، ويحب ان يؤكد هنا ان دون كيشوت يحارب اعداء حقيقيين وليس طواحين هواء، ثم يكتشف أنه كان يكتب دون كيشوت طوال حياته دون ان يعرف ذلك، فكل الشخصيات التي بهرته منذ الصغر، والتي تحولت لديه الى رموز شعرية، أبو علي شاهين وأبو ذر الغفاري والحسين بن علي والسيد المسيح ثم ادريس ابن قرية المنصورة المحتلة... كل واحد من هؤلاء هو دون كيشوت في عصره، هو قوة التصدي الفردية لعالم ينهار... تهامة الجندي