«لا يوجد دخان من دون نار»، تلك هي المقولة التي يعتمدها العامة للتدليل على صحة خبر متداول يخص شخصاً ما، او للمراوغة والهروب من الاستفسارات التي تبحث عن التأكيدات المحتملة، لصدق المعلومة، وبين هذا وذاك نرى ان الشائعة قد وجدت لها ارضية خصبة لتنمو وتتفاقم الى حد يصعب عنده الفصل بين الاصل والاضافات، والصحة والافتراءات، ولأن البشر بطبيعتهم يميلون بشدة الى الجانب الفضولي في دواخلهم فيدسون انوفهم في كل شيء يخص الآخر، ولاننا في مجتمعات ما زالت حتى الآن تتعامل مع امورها الخاصة بتكتم شديد وسرية بالغة، ولان النفس الانهزامية غير قادرة على المواجهة الصريحة ولذلك هي تلجأ الى اساليب مستترة للانتقام، ولان نقطة البداية لمعلومة مغلوطة تظل مجهولة وعصية على الفهم واكبر من كل التكهنات، ولان المشرع لم يتوصل الى نص قانوني رادع يتكفل بحماية المتضررين من عبث المستهترين، او فلنقل بأن المشرع يرى في نص قانون السب والقذف ما يكفي لسد الثغرات، مع ان العقوبة ـ بعد محاولات الاثبات المضنية ـ لا تتناسب على الاطلاق مع حجم الاضرار النفسية والاجتماعية بحق المتضرر، تلك هي معطيات الشائعة في الحرب الكلامية التي ما ان تبدأ من فم الى اذن حتى تسري نيرانها آتية على كل شيء جميل في حياتنا وأول الاشياء سمعة الانسان، ومع ان الشائعة لا تختلف كثيراً في اسبابها وغاياتها انتقامية كانت او لأسباب شخصية او حتى لمجرد التشفي والاستمتاع، الا انها تظل محكومة باطار طبقي في المجتمعات الكبيرة، وايضاً بنسبة الامية ودرجات الوعي المتفاوتة لكي تأخذ شكلها واسلوبها، اي انها ليست حكراً على مجتمع بعينه ولا بمستوى تعليمي او تثقيفي يحد من انتشارها، فأينما وجد الانسان كانت الاكذوبة او القذف او التشهير. ترى اية حماقة تلك التي يرتكبها البعض مهما كانت الاسباب؟ وهل الشائعة دائماً نار ودخان ام انها سلاح الضعفاء؟ وفي عصرنا هذا الى اي مدى تساعد التكنولوجيا في انتشار الشائعة وهل هناك أساليب مبتكرة لترويجها؟ وهل المعالجة القانونية في نصوص قانون العقوبات كافية ام ان الامر يحتاج الى اعادة نظر؟ «دنيا الناس» طرحت القضية على فئات مختلفة من الجمهور وعلى المختصين فكان ما يلي: يقول شكيب الحداد «موظف»: الشائعة موجودة في كل المجتمعات وفي كل الاوساط ولا اعتقد ان مجتمعاً ما مهما بلغ صغر محيطه يمكن ان يخلو من الاقاويل خصوصاً في المجتمعات التي تغلب عليها الأمية، ولكن الاجدر بنا قبل ان نتحدث عن الشائعة بشكل عام ومطلق ان ننتبه الى امر مهم وهو مضمون الشائعة وفي اي اتجاه تسير، واي فئة هي التي تتداولها وتروجها، والشيء الآخر الذي يجب ان نتوخى الحذر والحيطة منه هو مدى مصداقية ناقل الخبر وما هي المصلحة التي تعود عليه من نشر الاكذوبة وترديدها، جميعنا يعرف ان هناك من يجند كل مواهبه ووقته للتنصت ومن ثم ينقل ما يسمعه لكل من يقابله، وهذه النماذج موجودة في كل مكان سواء في المجتمع المفتوح او في نطاق مكان العمل، لذلك انا ارى ان المسئولية يتحملها من يعطي اذنه للأقاويل اكثر من الشخص الذي ينقلها، فعملية التصديق او حتى اعطاء الفرصة لمن يتحدث تكون بمثابة المشاركة الفعلية حتى وان كانت غير مقصودة، ولو اننا تمهلنا في فهم الاضرار التي تلحق بشخص ما من جراء الشائعة ولو وضع كل واحد نفسه في مكان المتضرر لاعدنا حساباتنا فيما نسمع ونقول، خصوصاً عندما يتعلق الامر بخصوصيات الناس واعراضهم، ومن وجهة نظري ارى ان الاشخاص ذوي النفوس الضعيفة او من لا يجدون شيئاً مفيداً يشغل اوقات فراغهم هم الفئة الاكثر اشاعة للاقاويل ويجدون فيها متعتهم، اما ما عدا ذلك فهو يندرج في قائمة الانتقام والتقليل من شأن الآخرين، وللأسف هذا الشيء موجود وبشكل مخيف في محيط العمل، لأن الانسان الناجح دائماً ما يكون له اعداء، وان لم يكن كذلك فهو محاط لا شك بالحاسدين والغيورين من زملائه. المعاملة الجيدة ويضيف شكيب: الآن اصبحت الشائعة عصرية وغريبة حيث تم استخدام الانترنت والرسائل الهاتفية في ترويجها، وهنا تبرز الاخطار الحقيقية للافتراءات لسرعة انتشارها دون اعطاء المتلقي فرصة لكي يدقق في المعلومة او ان يعرف مصدرها ومدى صدقها وحياديتها، وهنا تجدر الاشارة الى ان نكون على درجة كبيرة من الوعي لان الشائعة خرجت عن نطاق التقليدية وانتشارها في محيط محدود واصبحت تدور في نطاق اوسع باستخدام التكنولوجيا، وهنا يكمن الخطر حيث المجال اصبح مفتوحاً امام الغرباء عن المجتمعات لكي يروجوا ما يروق لهم وما يخدم مصالحهم، اما عن علاج هذه الظاهرة فلا أرى امكانية لذلك الا بالرجوع الى تعاليم ديننا وايضاً بتوعية الافراد وتثقيفهم، غير ان ذلك لا يعد كافياً ان لم يكن الانسان محصناً منذ البداية بقيم رفيعة وتربية صحيحة، والاقتناع بأن خصوصيات الآخرين هي ملك لهم ويجب احترام ذلك، اما عن شائعة تعرضت لها فأنا وبكل صدق لا اذكر ان شيئاً كهذا حدث معي، ولكي اكون اكثر صدقاً، فإن المتضرر هو آخر من يعلم بما يدور حوله اذا كان هدفاً للاقاويل، وهو اذا ما عرف ستكون معرفته بطريقة غير مباشرة، وواضحة ومع ذلك انا مؤمن بأن الانسان الذي لا يخوض في سيرة الآخرين، لن يكون مادة سهلة تحاك حوله الشائعات علاوة على معاملاته الجيدة مع زملائه او مع من حوله. العلاج مستحيل وتقول سماح محمد «موظفة»: على مستوى الافراد تعتبر النساء هن الاكثر عرضة للاقاويل اذا ما اخذنا بعين الاعتبار خروج المرأة للعمل ومشاركتها الفاعلة في الحياة المجتمعية، واذا ما اخذنا بعين الاعتبار اننا في مجتمعات لا تزال في طور الانتقال من الحياة المغلقة الى امكانية الانفتاح على الآخر وتقبله، ولذلك فإن بعض سلوكيات المرأة حتى وان كانت عادية وبعيدة عن الشبهات يفسرها فئة من الناس تفسيراً خاطئاً، فمجرد ان تبتسم المرأة في وجه زميل لها يمكن ان يأخذه البعض على محمل سيء والامثلة على ذلك كثيرة، خصوصا وان بعض النساء يتعاملن بكل بساطة مع زميل العمل أو اصدقاء الاسرة، ولكن وجود النفوس المريضة التي لا تستوعب هذه التصرفات أو ان هذه النفوس تحمل في داخلها نوايا سيئة هو الذي يجعل من السلوكيات البريئة مادة للاقاويل والشائعات، وانا واحدة من اللائي دفعن ثمناً غالياً نتيجة لبساطتي في التعامل مع الناس، ولعدم معرفتي بدواخل المقربين من اسرتي وما وراء ابتساماتهم الصفراء، فأنا انفصلت عن زوجي بسبب مقولة غير صحيحة بأنني لا اخلص لبيتي وزوجي، كان ذلك لمجرد ان احد الزملاء اوصلني الى البيت بسيارته لظروف طارئة في العمل ادت الى تأخري عن موعد انطلاق الحافلة المخصصة لنقل الموظفين، ولانني اثق في نفسي وفي تصرفاتي لم احتمل ان تدور حولي الشكوك خصوصا من زوجي، ولذلك لم اتقبل على الاطلاق ان اكون في وضعية ضعيفة من دون سبب، وان زوجي يغفر لي، ويعفو عني، لانه في كل مرة كان يسأل ويستفسر ويسمع من هنا وهناك، خصوصا من اناس كنت اعتبرهم من المخلصين، وعندما حدث الانفصال لم تنته الاقاويل، بل زادت واعتبر المغرضون انني اريد ان اكون حرة ومن غير قيود اسرية تعيق تصرفاتي، لكنني والحمد لله لدي القدرة على نسيان هذه الاتهامات ولا افكر فيها على الاطلاق لان الناس في كل الاحوال لا يعجبهم شيء، وهم يتحدثون عنك سواء كنت سيئاً أو جيداً، فلا احد يترك الآخر في حاله الآن. وتضيف سماح: علاج هذه الظاهرة يبدو مستحيلاً، لاننا لا نستطيع ان نكمم الافواه، ولا ان نحارب احداً على كلمة يقولها وان فعلنا ذلك فنحن لن نصل الى شيء محدد، ولكن المهم في الامر ان تكون ثقة الانسان في نفسه كبيرة، وايمانه قويا بما يفعل، اما المواجهة او البحث عن مصدر الشائعة فأنا اعتبره مضيعة للوقت لا أكثر، وحتى ان حدث وتوصلت الى الحقيقة فأنت لا تستطيع ان تعممها او تصححها للناس الذين سمعوا بها، بل على العكس يمكن ان يفهم من ذلك تدليل على صدق المعلومة المسموعة. ثقافة شفاهية اما بريهان قمق «مذيعة» فتقول: من المؤكد ان دور الشائعة يكون مدمرا سواء على مستوى الافراد او المجتمعات خصوصا الشائعات التي تؤثر على المعنويات، وبرأيي ان الشائعة موجودة في كل المجتمعات خصوصا الشائعات التي تؤثر على المعنويات، كما ان الشائعة موجودة في كل المجتمعات والبيئات وعلى ما يبدو ان الشائعة متطورة من حيث الشكل ولكن في المضمون تأخذ مناحي مختلفة في البيئات الاكثر غنى وتطورا وفي المجتمعات المتعلمة، والشائعة في التجمعات البدائية تأخذ الطابع الشفاهي معتمدة على الكلمة ومبالغاتها، اما في المجتمعات الاكثر تعقيدا كالمجتمعات الغربية فالاعلام يلعب دورا كبيرا في ترويج الشائعة لتأخذ طابعا آخر، فهناك الشائعة وهناك الاثارة ايضا لتحقيق اهداف معينة كايصال معلومة ما للشخص او للنيل من معنوياته والشائعة بحد ذاتها ليست صفة جينية متوارثة لذلك على الانسان ان يعمل عقله للرد عليها، بمعنى ان يبذل الفرد مجهودا قبل ان يصدق ما يقال، وان يكون دقيقا في تقبل المعلومة والتعامل معها ـ بصبر ووعي ـ والانسان بطبيعته فضولي ويشعر بالخوف وفقدان الثقة بالنفس، وهذه الصفات لها علاقة وثيقة بالشائعة وبالتالي فإن الخوف يلعب دورا مؤثرا في اخافة الآخر والتأثير عليه مباشرة، علاوة على ان الغيرة تلعب دورا احيانا في اطلاق الشائعة لتلويث السمعة او للتقليل من انجاز ونجاح الشخص المستهدف، وهذا للأسف موجود في مجتمعاتنا بشكل مرعب، وعموما فإن الانسان الذي يعاني من الفراغ هو اكثر من يفند سلبيات البشر وليس اطلاق الشائعة فقط، واذا كان لمثل هؤلاء اهتمامات انسانية كالعمل التطوعي او العمل الجماعي لما وجدنا هذه الظاهرة بشكلها المخيف، فكلما تطور الانسان بآدميته وكان لديه مجموعة من القيم الخاصة كان اكثر وعيا بالامور الخفية التي يمكن ان تنتجها الاقاويل وهو سيترفع بالتأكيد عن ذلك. وتضيف بريهان انا لا أثق على الاطلاق ولا اصدق مقولة «لا يوجد دخان من دون نار»، لاننا معرضون في اي وقت لدخان من دون نار فعندما يساء فهم سلوك معين عند انسان ويفسر بشكل مغاير للحقيقة ويتم تداوله بين الناس فهذا دخان فقط، واحيانا تصل الشائعة الى حد متقدم ومن السهل ان تقول فلان سيء السمعة ولكن من الصعب ان توقف هذه المقولة صحيحة كانت أو خاطئة، ونحن لا نعطي التفسيرات المنطقية والانسانية قبل ان نصدق الاكاذيب، وايضا يوجد بيننا من يتمسك بالقشور ويضيف عليها بما يخدم مصالحه ويطلقها لتسري كالنار في الهشيم، ونحن ثقافتنا شفاهية تعتمد على الكلام المنقول وعندما تريد ان تتحرى الدقة والصحة فإنك لن تجد شيئا، لأننا لا نعتمد على ما نراه بأعيننا، بل نتلقف ما نسمعه ونضيف عليه من عندنا، وهذا الكلام ينطبق على جميع المجتمعات، حتى الغرب ليس بعيداً عن هذا المنطق، ونحن سمعنا مؤخراً كيف عملت اميركا على إلصاق صفة الارهاب بالمسلمين، وهنا يتضح الفرق بين الكذبة والشائعة عند الغرب وما يقابلها عندنا، فنحن ما زلنا نعتمد على الوسائل البدائية، في حين تستخدم التكنولوجيا والانترنت لبث ما يراد ايصاله لاكبر عدد في وقت قياسي، وما تقوله في لحظة يمكن ان يدور الكرة الأرضية في دقائق، وما تريد قوله باللسان لعشرة أشخاص تستطيع ان تقوله بالتكنولوجيا للملايين من البشر. اضافات مرعبة ومن ناحيته يرى الدكتور عبدالحميد عبدالفتاح ان الشائعة هي نوع من الخطاب أو الرسالة الاتصالية تشتمل على مراسل ومضمون ومتلق ويكون لها أهداف واضحة، أما المرسل فقد يكون شخصاً غامضاً أو متخفياً ولا يمكن في كل الاحوال ان يكون معروفاً وهو يعتبر عدواً مستتراً وهدف الشائعة هو احداث الفرقة والبلبلة والخوف بين الناس ومن ثم احداث تصدعات في المجتمع، والشائعة على الرغم من انها تحتوي على بعد معرفي وجزء من الحقيقة، إلا انها تجد الارضية الخصبة في عالم الانفعالات، خاصة تلك المصحوبة بالخوف والفزع في أوقات الأزمات وحالات عدم الاستقرار الاجتماعي، وايضا تنتشر الشائعة بشكل مخيف في المجتمعات الأمية والتي تعتمد في كثير من الاحيان على الخرافة، وايضاً التجمعات التي تسود فيها السرعة والتكتم على الخصوصيات واخفاء الحقائق، ولأن الشائعة احياناً يكون فيها جزء من الحقيقة إلا ان المبالغة في تضخيم هذا الجزء هو الذي يجعل من الأقاويل مادة مرعبة خصوصا إذا تعلق الأمر بخصوصيات الأفراد وسمعتهم، ففي هذه الحالة نجد ان الشائعة تنتقل من شخص الى آخر بسرعة كبيرة. ومن ناحية أخرى فإن الشائعة تتجه بالدرجة الأولى الى الشخصيات العامة والقوية كالمشاهير والسياسيين بغرض الزعزعة وسحب الثقة منهم أو للتشكيك في أهليتهم ومصداقيتهم. ويضيف د. شاكر: ان الشائعة لا يمكن ان تكون ايجابية لأنها لو كانت كذلك فهي كأنما تعبر عن امنيات الناس، فمثلا في بعض الاحيان نجد الشائعة تقول بأن هناك زيادة في الرواتب، أو ان علاوات وبدلات يبحث أمر اضافتها، فمثل هذا القول إنما هو من باب الأمنيات، لكن الشائعة التي نتحدث عنها هي التي تكون نتائجها سلبية وضارة، وأعتقد ان المجتمعات المتخلفة هي التي تتقبل وتعتمد الأقاويل في طريقة حكمها على الآخر، بعكس المجتمعات المتحضرة والتي نالت قدراً كافيا من العلم والثقافة، فمثل هذه المجتمعات تقل فيها الشائعات، أو فلنقل بأنها تكون أكثر احتراماً حتى في تناولها لمثل هذه المواضيع. مسألة ملازمة وفي السياق نفسه، يقول الدكتور محمد عبدالحميد أستاذ علم الاجتماع المساعد: ان هناك سببين أساسيين من أهم الأسباب التي تؤدي الى الاصابة بمرض فقدان المناعة الفكرية، كما تؤدي في الوقت نفسه الى تشكيل السياق الملائم لانتاج واعادة انتاج الشائعات، ويكمن السبب الأول في غياب الوعي والفراغ الفكري، أما السبب الثاني فيكمن في الشمولية السياسية، لذا فإن المجتمعات المغلقة غير الديمقراطية هي المجتمعات المرشحة بامتياز لكي تكون التربة الملائمة لنشر الشائعات وترويجها، فإذا كانت «صناعة الشائعة» تعتمد على نشر معلومات لا أساس لها من الصحة أو تشويه الأخبار التي قد تحتوي على جانب من الحقيقة، وذلك بإضافة معلومات غير دقيقة أو تفسير المعلومات تفسيراً خاطئاً فإنها بذلك تهدف الى التأثير في ميول الأفراد، وعادة ما تكون الفئات غير المتعلمة أو غير الواعية هي الفئات المؤهلة أكثر لتصديق الشائعات.. نذكر في هذا السياق ان بعض مجتمعاتنا العربية لاتزال نسبة الأمية الابجدية فيها 60%، لذلك يمكن القول بأن العلاقة بين غياب الوعي والفراغ الفكري، وهما من أهم أعراض مرض فقدان المناعة الفكرية وبين انتشار الشائعات هي علاقة طردية. ويضيف الدكتور محمد: ومن ناحية اخرى فإن انتشار الشائعة في مجتمع ما يعكس المصداقية التي تتمتع بها أجهزة الدول لدى الأفراد، فعندما تميل هذه الأجهزة الى احتكار المعلومة وتنعدم فيها الشفافية والمحاسبة بين المسئولين والجمهور تنعدم ثقة الأفراد في المعلومات التي تبثها ويبحثون عن مصادر بديلة للمعلومات، حتى ولو كانت هذه المصادر تبث أخباراً مغلوطة أو محرفة، ولاشك ان الأزمات والتوترات الاجتماعية تؤدي الى تزايد انتشار الشائعات وسرعة دورانها، كما ان هذه الازمات تزيد ايضا من خطورة الشائعة، خصوصا إذا كان مصدرها أجنبياً يهدف الى التأثير في الرأي العام واثارة الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، وإذا كانت الشائعات مسألة ملازمة لكل المجتمعات ولا يخلو مجتمع منها ومن مروجيها، فالعبرة هنا تكمن في طبيعة البنية المجتمعية والفكرية التي تساهم في تفعيل دور هذه الشائعات، وهذه البنية تتسم كما أوضحنا بغياب الوعي والفراغ الفكري. الحاق الضرر والعلانية ومن وجهة نظر قانونية يقول المستشار عادل أبو دقة (قانوني): إن الشائعات هي ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الانسان، ويلجأ اليها الأفراد أو الجماعات من أجل غرض معين سواء كان هذا الغرض سلبياً أو ايجابياً، وحيز الأهمية الذي تمثله الشائعة حسب المجتمعات ومساحة الحريات الشخصية فيها وايضاً حسب المصادر التي تطلقها، وهي ليست بالضرورة مخالفة للقانون، فغياب الشفافية وتقييد حرية وسائل الإعلام من شأنه ان يزيد من هامش الشائعة لأنها تصبح الوسيلة الوحيدة المتاحة لتداول الأخبار، وهو ما نجده بصفة عامة في البلدان محدودة الديمقراطية، وفي غياب منابر الحوار الحر تكون الشائعة هي الوسيلة المفضلة لترويج الأخبار غير الصحيحة بغض النظر عن حسابات النتائج، ومع هذا نحن لا نستطيع ان ننفي وجود الشائعة في المجتمعات الغربية التي تتمتع بإعلام حر ومساحة من الحرية، فهي موجودة ولكن بشكل مغاير وصريح، والدليل على ذلك هو الانتشار الهائل لما يسمى بالصحف الصفراء في البلدان الغربية وهي تعتمد في الاساس على نشر الشائعات وهي لا تتورع عن فعل ذلك رغم حماية المشرع في هذه البلدان للحياة الخاصة للافراد وصدور الاحكام بصفة يومية بحق هذه الصحف، ومع ذلك فهي لا تتوقف عن نشر الفضائح والتشهير بالشخصيات العامة سياسية كانت او فنية. ويستطرد عادل ابو دقة قائلا: اذا كانت القيم والاخلاق بصفة عامة تدين الكذب والتدخل في شئون الناس الخاصة واسرارهم، فإن القانون يتعامل مع الشائعة حسب الحالات، وذلك اعتمادا على ركنين اساسيين اولهما العلانية والصور، فالقانون لا يتدخل في هذا المجال الا بتوفرهما معا، فركن العلانية الذي تطرقت اليه «المادة التاسعة» من قانون العقوبات حيث تنص على ان القول او الصياح اذا حصل الجهر به او ترديده بإحدى الوسائل السائدة في جمع عام او في طريق عام او مكان مباح ومطروق او اذا اذيع بأية وسيلة اخرى، كذلك الاعمال او الاشارات او الحركات اذا وقعت في مكان ما بطريقة آلية او بطرق اخرى، وايضا الكتابة والرسوم والصور والافلام والرموز وغيرها من طرق التعبير اذا عرضت في مكان ما أو وزعت بغير تمييز او بيعت او عرضت للناس في اي مكان وفي غياب هذا الركن الاول لا تدخل الشائعة تحت طائلة القانون، فمجرد الهمس بين شخصين بخبر معين دون قصد نشره على الجمهور لا يعتبر فعلا يعاقب عليه القانون. ويواصل اما الركن الثاني الذي يجب ان يتوفر في الشائعة حتى تكون مقبولة قانونيا فهو الحاق الضرر بالشخص او الجهة موضوع الشائعة، والضرر قد يكون فرديا يمس العرض والشرف والسمعة، او جماعيا مثل اثارة البلبلة والفوضى في المجتمع، والمشكلة هنا هي اثبات العلاقة السببية بين الفعل والضرر، لأن الشائعة التي تستهدف الاضرار بشخص معين يمكن ادخالها تحت طائلة الجرائم الواقعة تحت بند السمعة والشرف وتحديدا القذف والسب التي تعرضت لها المادة 372 من قانون العقوبات والتي تقضي بأن «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على السنتين او بالغرامة التي لا تتجاوز عشرين ألف درهم من اسند الى غيره باحدى طرق العلانية واقعة من شأنها ان تجعله محلا للعقاب او الازدراء، ونلاحظ ان المشرع يتشدد فيما يتعلق بالحياة الخاصة او العائلية. وعموما يبقى تدخل القانون في مجال الشائعة محددا نظرا لقلة النصوص التي تشمل الموضوع من جهة، وصعوبة اثبات مصدرها والمتسببين في تضخيمها من جهة اخرى، لأن الشائعة تبقى، ظاهرة شفوية يصعب الامساك بها او تحجيمها