من بين سائر اركان الهند العريقة التي تنبض بالتاريخ والحضارة استحقت ولاية كارنتاكا عن جدارة لقب «مهد العمارة الحجرية» وذلك لكثرة الصروح الاثرية المتناثرة كاللآليء الساطعة في انحائها، وهي ارض ساحرة تفيض بجمال الطبيعة، والتنوع الرائع في اشكال الحياة النباتية والحيوانية على السواء، كما انها تجمع بين عجائب الآثار القديمة المهيبة وابهة الهندسة العصرية. مجلس الولاية الذي قرر وضع النشاطات السياحية في صدر قائمة اولوياته خرج بمجموعة من الخطط الجديدة، بما في ذلك عرض بيع الاراضي الحكومية للمقاولين بسعر لا يتجاوز نصف قيمتها السوقية، من اجل انشاء المنتجعات وخصخصة ادارة دور الضيافة الحكومية، وبموجب هذا القرار الذي اتخذ الشهر الماضي ستنشيء الحكومة البنية التحتية الاساسية في الاماكن السياحية، حيث يستطيع المقاولون افتتاح المنتجعات والفنادق وحدائق الالعاب وما الى ذلك من اشكال الترفيه والجذب السياحي الاخرى. ومن المواقع الاثرية الكثيرة التي تتباهى بها الولاية اطلال هامبي التي كانت عاصمة امبراطورية فيجاينجار القوية في القرن الرابع عشر، ولاتزال تنتصب وسط التضاريس الوعرة شاهدة على التاريخ بقصورها المنيفة ومعابدها الرائعة وحصونها المهيبة، ففي ذلك المكان الذي يبعد نحو 12 كيلومتراً عن بلدة هوسبت الهادئة باقليم بيلاري يفوح عبق الامس البعيد من معبد فيروباكشا وتمثال اوجرانا راسيما وقصر اللوتس، حيث كان الملوك يجلسون على عروشهم المرصعة بالمجوهرات ويطلون من اعلى الهضبة على المواكب المارة في المدينة. لكن التاج الذي يكلل امجاد هامبي هو معبد فيتالا بعربته الحجرية الاسطورية وقوائمه الموسيقية الـ 56 التي لاتزال تدوي فيها اصوات الاجراس. وعلى ضفاف نهر ياجاتشي في مدينة بيلور يقبع معبد تشيناكيسافا ذو التصميم النجمي والمنحوتات المذهلة التي تحبس الانفاس. وهناك يغوص الزائر في مملكة الخيال الرحبة عند رؤية تماثيل الفيلة المختلفة ومشاهد الراقصين والمحاربين. وعند مدخل المعبد ينتصب تمثال جارودا، الكائن المجنح الذي يحمل على ظهره «فيشنو» بحسب الاساطير القديمة، وتتجسد العبقرية المعمارية القديمة في ارفع اشكالها في التماثيل التي تصور الحوريات وهن يغنين ويرقصن او يقمن بأعمالهن اليومية. ومن الخيارات العديدة المتوفرة امام عشاق الطبيعة ان يسيروا على خطى مهراجا مدينة مايسور الجنوبية في زيارة لمحمية بانديبور على بعد 80 كيلومتراً جنوب مايسور، وهذه المحمية الطبيعية التي تقع على مساحة 865 كيلومترا مربعاً في جبال كارنتاكا الشاهقة كانت في الماضي مزرعة الصيد الخاصة بالمهراجا. وتعج المحمية بأشكال الحياة البرية، بما في ذلك الفيلة التي تضطلع بالدور القيادي هناك، على الرغم من وجود النمور وغيرها من الحيوانات المفترسة. هناك ايضا متنزه نيجرهول الوطني على ضفاف النهر الافعواني الذي يشتق اسمه من مساره المتعرج وسط الغابات الكثيفة. يقع المتنزه على مساحة 641 كيلومتراً مربعاً على اطراف مايسور وهو يتميز بوفرة مثيرة من الحياة البرية، وبالاخص الفيل الآسيوي، هناك يستغرق المرء وسط الطبيعة الخلابة على خلفية جبال براهما جيري الزرقاء الضبابية واصوات الغابة الطبيعية كخرير الجداول والانهار وزقزقة العصافير المبهجة التي تمس شغاف القلب. وعلى اطراف بلدة سرير انجتنام بالقرب من مايسور يجري نهر كوفري متعرجاً حول سلسلة من الجزر بالغة الصغر، تشكل في مجملها موقع تعشيش رائع لطيور الماء، وتبلغ الآثار ذروتها عندما يتقدم الزائر على متن قارب صغير ليراقب تلك الطيور عن قرب متوجساً من منظر التماسيح المستلقية للاستمتاع بدفء الشمس، وباحثا بنظره عن الثعالب المختبئة في اعالي اغصان الشجر. وربما تكون امتع تجربة لمن يريد الاستمتاع بالمشي في قلب الحياة البرية زيارة متنزه بانرجاتا الوطني على اطراف مدينة بنجالور، عاصمة الولاية. فرحلات السفاري الداخلية تحملك في مغامرة تقابل فيها الاسود والنمور وجهاً لوجه. واثناء التجول في انحاء المتنزه تصادف تنوعاً مذهلاً من اشكال الحياة البرية والحيوانية ويمكنك الجلوس للاسترخاء عبر برك مياه هادئة في الظلال الوارفة. واذا اردت تمديد اقامتك في احضان الطبيعة تستطيع المكوث في مجمع المنتجعات والمخيمات الموجود في المتنزه. وفي مواقع الجذب السياحي المهمة الاخرى في الولاية شلالات جوج في اقليم شيموجا التي تعتبر اعلى شلالات في الهند حيث يصب نهر شرافاتي من ارتفاع 293 متراً في اربعة شلالات صغيرة تأسر الابصار. وهناك ايضا شلالات آبي على اطراف بلدة ماديكيري، وشلالات هيبس في اقليم شيكما جالار. تنوع رائع في مظاهر الطبيعة واصناف الحياة البرية، عراقة تتجلى بأسمى آياتها في المعابد والقصور المهيبة التي يفوح فيها عبق التاريخ، حضارة تضرب جذورها عميقا في الارض وتقاليد تبوح باسرار الماضي. هذه كلها عناصر تجعل من في كارنتاكا مكاناً سياحياً من الطراز الاول في العالم بشرط ان تكثف الحكومة جهودها لتطوير قطاع السياحة وتأمين قدر اكبر من سبل الراحة والخدمات العامة لاجتذاب اعداد اكبر من الزوار. علي محمد