بيان الكتب: عاش طفولته في الكويت وعندما بلغ الثامنة عاد إلى القاهرة وألحقه أهله بمعهد الكونسيرفتوار بعدما لاحظوا موهبته الموسيقية المبكرة فدرس العزف على الكمان، ثم أحب أن يدرس التأليف الموسيقي فخيروه بين قسم الكمان وقسم التأليف، فتنازل عن دراسة الكمان الذي يحبه اعتزازا بأستاذته د. عواطف عبد الكريم. قبل التخرج ألف العديد من الموسيقى التصويرية لمشروعات التخرج لطلبة معهد السينما وعددا من موسيقى الأفلام التسجيلية والإعلانية، عمل كثيرا حتى بزغت شهرته مع فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» وبعدها انطلق في تأليف موسيقى الأفلام الناجحة جماهيريا والتي حاز بعضها أيضا على إعجاب النقاد، وصل إلى درجة من الحرفية العالية قبل أن يبلغ الثلاثين.. جمع بين تأليف الموسيقى وتصميم الصوت، كما أخرج عددا من الأفلام التسجيلية والقصيرة كمشروعات أثناء دراسته للإخراج في معهد السينما، حصل على جوائز عديدة في تأليف الموسيقى وأيضا في الإخراج، يتردد في الإقدام على إخراج فيلم طويل انتظارا لموضوع مكتوب بشكل يناسبه، نحاوره حول الموسيقى التي لمع في تأليفها وتوزيعها.. ـ ما تعريفك للموسيقى التصويرية ؟ ـ الموسيقى هي جزء من الفنون الستة الموجودة داخل السينما، هي جزء من موضوع ولكنها ليست موضوعا منفصلا، لا خلاف على أن الموسيقى التصويرية أحد أنواع الموسيقى ولها ارتباط مباشر بدراما وموضوع الفيلم ولا يعيبها ألا تكون ممتعة إذا سمعت بعيدا عن الصورة، أهم شيء أن تقوم بدورها مع بقية عناصر الفيلم، بأن تضع خطا تحت شيء غير واضح، بأن تكون عنصرا يمهد لإحساس ما، وإذا كان التمثيل هو الفعل- الأكشن - فالموسيقى هي الوحيدة التي تبرز الشعور الداخلي، قد يكون أداء الممثل مسطحا، شخصية قاتل ولكنه في النهاية بني آدم، إنسان له مشاعره، أداؤه جامد ـ كما نلحظ على من يؤدي شخصية الشرير بنجاح ـ ولكن الموسيقى تعبر عن دواخله، الموسيقى تضيف بعدا للشخصية غالبا ما يكون غير واضح بدونها. عادة يكون ارتباط الناس بموسيقى فيلم ما بسبب الارتباط بالفيلم، غالبا 90% ما يكون الشخص يشاهد الصور وتداعياتها أثناء الاستمتاع بموسيقى الفيلم بمفردها. موسيقى فيلم دراكيولا لكوبولا بمفردها لا تحتمل ولكنها عظيمة داخل العمل، هي غير ممتعة ولا يمكن الاستماع إليها كخلفية أثناء تناول الطعام في مطعم مثلا. ـ هل ارتباط اللازمة الموسيقية ببطل ما، أسلوب مازال معمولا به ؟ ـ تغير أساليب السرد والابتعاد عن الدراما التقليدية، جعل التيمات تتغير بحيث تعبر عن حالة عامة، المهم هو الوصول لقرار في طريقة العمل، عملت مع مخرجين يعملون للمرة الأولى واصطدمت معهم، يطلب مني عمل تيمة لممثل ما، بمعنى لازمة موسيقية ترتبط به كلما ظهر، الممثل لن يظهر إلا في مشهدين إذن التيمة لن تتكرر أكثر من مرتين فلم تعد تيمة، فلكي تكون تيمة لابد أن تتكرر أكثر من مرة في هذه الحالة أفضل اختيار تيمة تعبر عن حالة عامة وأقنع المخرج بذلك. ـ حدثنا عن أسلوبك في العمل، ومتى يبدأ ؟ ـ بالنسبة لي أحيانا أقرأ السيناريو قبل العمل، وأحيانا أشاهد نسخة غير منتهية من الفيلم، وأحيانا يحكى لي الفيلم قبل القراءة مثلما حدث مع علي إدريس في بيزنس، قابلني بعد صلاة العيد وحكى لي الفيلم، انتقلت إلي الحالة قبل مشاهدة الفيلم، شربت العمل شفاهة، وقد تكون هذه الطريقة أكثر عملية فكثيرا ما أقرأ سيناريو ثم أفاجأ بالفيلم فأجده مختلفاً تماما ـ حاجة تانية خالص ـ هذا جعلني لا أقرأ السيناريو بنسبة 90%، قد يكون لأني مخرج، وعندما أقرأ السيناريو تتولد عندي صورة ما وعندما أشاهد نسخة الفيلم أجده مختلفا مما يحدث عندي بلبلة، ما تخيلته في رأسي مختلف تماما عما وجدته في الفيلم فإذا كنت أعددت نفسي لأفكار ما، أجد صعوبة في تغييرها أغلب المخرجين الذين عملت معهم أصدقائي، ولهذا أتواجد في مواقع التصوير وأكون وسط الحالة معهم منذ البداية وعندما يحكون لي تصلني الصورة أفضل من الورق حيث تنتقل إلي وجهة نظرهم والتفاصيل التي يرونها هم وليس تصوري أنا عن السيناريو. ـ ما مدى الاستفادة من الدراسة في الكونسيرفتوار ؟ ـ الدراسة الأكاديمية خنقتني في البداية، كنت متعجلا، وكان أهم درس أن أحاول تحقيق أفكاري على مهل، كنت أرتجل موسيقى، أؤلف على البيانو وأهلي لاحظوا هذه الموهبة ونموها، دخلت المعهد بثقة أني مؤلف صغير، ولكن الأساتذة أفهموني أنه علي أن أتروى وأهدأ، مثلما يحدث في كل المعاهد الفنية تعلم القواعد أولا ثم افعل ما تريد ليست أي خبطات - على درمز مثلا - تسمى تأليف موسيقي. في رأيي أن دراسة تأليف الموسيقى أصعب كثيرا من الطب والفلك والهندسة وكل هذه العلوم،علم تأليف الموسيقى في داخله كم من الحسابات والفيزياء والهندسة، هارموني ـ توافق ـ ورياضة، وأيضا موهبة وذوق، قسم التأليف صعب جدا فعلى من يدرسه أن يكون على وعي بكل آلة، وحبذا لو كان يجيد العزف على آلة أو أكثر. مساحة دراسة الموسيقى الشرقية في المعهد قليلة جدا، ولكن تواجدنا في الحياة يخلق أذنا مستعدة للموسيقى المصرية، هناك تدريب من المخزون والمناخ وجو الحياة. دراسة الموسيقى الكلاسيكية تمكني من عمل التوزيع فنحن ندرس تلحيناً وتوزيعاً في قسم التأليف. ويتخرج منه مؤلف موسيقي أو قائد أوركسترا، التوجه العملي تتحكم فيه الظروف. ـ ما هي تجاربك الأولى في تأليف الموسيقى؟ ـ أول فيلم أضع له الموسيقى التصويرية هو فيلم ضحك ولعب وجد وحب وقتها كنت في السنة الأولى من القسم العالي في معهد الكونسير فتوار. أعمل منذ المرحلة الإعدادية كمحترف في موسيقى الإعلانات، كنت أصغر فرد في مجموعة شريف عرفة وسعيد حامد وعمرو عرفة ومحمد هنيدي، عمرو عرفة عرفني على طارق التلمساني الذي كان المنتج الفني للفيلم، كان هو أيضا حديث الخبرة بالإخراج، طارق إنسان ظريف ومتخلص تماما من العقد، غيره كان يفكر في الاستناد على شخص كبير، وقتها كنت ألفت عددا كبيرا من موسيقى مشروعات معهد السينما، المونتير عادل منير قال لي ونحن على الموفيولا إن الموضوع بسيط، لا تخف خجلت أن أرد عليه بأنني غير خائف ولست قلقا، جلست في حالات مماثلة على الموفيولا بجوار مخرج ومونتير للتشاور واختيار أماكن الموسيقى في الفيلم، أعرف معنى موفيولا والقياس وعدد 24 كادر في الثانية، احترفت منذ الصغر. ـ نقرأ في العناوين لوحتي تأليف وتوزيع، هل تعتقد في الفصل بينهما ؟ ـ أنحاز أكثر أن يكون المسئول عن الألحان هو الموزع، ولا أعتقد في الفصل بين التأليف والتوزيع، فابتكار تيمة يعني بالضرورة معرفة ما يجاورها، بعض النماذج الهامة من الأفلام الأجنبية نقرأ في عناوينها ثلاثة أسماء مسئولة عن موسيقى الفيلم، اسم للتأليف وآخر لقيادة الأوركسترا والثالث للتوزيع، يختلف معنى التوزيع في الموسيقى غير الشرقية عن المعنى الدارج لدينا، حيث يتم التأليف على العود فقط ويترك للموزع باقي الأدوار من توزيع اللحن على الآلات المختلفة وخلق التناغم بينها وعلى الأجيال الجديدة أن تنمي داخلها موهبة التوزيع. نسبة الدارسين في كل الفروع الفنية قليلة جدا، الخبرة مازالت متفوقة وينطبق هذا على تأليف الموسيقى، هناك مؤلفون أقوياء جدا بعضهم لم يكمل الدراسة الأكاديمية في الكونسيرفتوار وأصبحوا من كبار الموسيقيين، أنا تعبت في المعهد ولكني تحملت وأكملت الدراسة رغم ضغوطهم علي. ـ هل تستمع إلى نوع معين من الموسيقى، أو بشكل آخر من أين تستمد ألحانك ؟ ـ يقولون إن الإنسان يؤلف من المخزون، أنا مقل جدا في السمع ـ لدهشة الجميع ودهشتي ـ يسألون من أين تأتي بما تؤلفه؟ عندما أسمع لا أقصر نفسي على لون معين، أحب الموسيقى بشكلها المطلق، أسمع الريس متقال وعدوية وموتسارت وكابوكي، أستمع إلى موسيقى الأفارقة والهنود الحمر، نعم الموسيقى لها وطن ولكن روح كل موضوع تحكمه. كل فيلم له شخصية، أحيانا أستخدم المخزون المتوارث لدى الناس، وأهتم بعلم النفس منذ كنت في المرحلة الثانوية، من عيوبي أيضا قلة القراءة، لكن عندما أقرأ، أقرأ بعمق، دراسة الإخراج في معهد السينما أصقلت الدراما وعلم نفس الشخصيات في داخلي، مما أفادني في تأليف موسيقى الأفلام، أحد الأساليب يظهر كما في فيلم ثقافي حيث تولدت الفكرة داخلي من المخزون المتوارث لدى الناس بشكل طبيعي، لدهشتي حصلت على جائزة عن هذ الفيلم، عادة تظلم الكوميديا ليس في مصر فقط، هناك اعتقاد بأن الفيلم الكوميدي غير ذي قيمة، ولكني أقر أن تأليف موسيقى لفيلم كوميدي أصعب كثيرا من أي نوع آخر. نفس الشيء ـ استخدام المخزون المتوارث لدى الناس ـ حدث مع فيلم 55 اسعاف الموسيقى بها روح الستينيات ـ أفلام حسن يوسف والشباب ـ استخدمت الموسيقى بشكل غربي ـ شرقي ـ قديم، زميلي مصطفى.. أحضر أثناء التسجيل جيتارا حديثا جدا ولكني طلبت منه العزف على جيتار قديم لإعطاء المذاق القديم ـ جو موسيقى الضيف وثلاثي أضواء المسرح ـ كل فيلم له تصميم موسيقي نابع من روحه وجوه العام وشخصيات أبطاله. ـ هل لك أسلوب خاص يميزك عن غيرك من المؤلفين ؟ ـ التعرف على مؤلف الموسيقى من أول لحظة قد تكون ميزة من وجهة نظر البعض ولكني أعتبرها عيبا، أفضل أن أُعرف بعد فترة وتأمل. أسلوبي هو الجودة ومناسبة نوع الموسيقى ومذاقها مع روح الموضوع، نجاحي أن تبدو الموسيقى طالعة من جو الصورة، والجودة إتقان التأليف سواء كان للربابة أم للأوركسترا السيمفوني سماع مازورتين وتحديد مؤلفها ليس هذا هدفي. بحكم دراستي فصوت الأوركسترا في أذني، أتضايق من سماع الآلات الكهربائية، بالإضافة لكوني عازفاً أعرف ما يمكن أن يضيفه العازف، مثلما يكون لدينا في الفيلم مونتير يضيف وجهة نظره، ومهندس ديكور يضيف وجهة نظره، العازف أيضا يضيف، كل عازف له روح ويضيف إحساسا للعمل. أحيانا عندما لا يسمح التأليف أستخدم الآلة الكهربية كبديل عن الآلات التقليدية، في فيلم ضحك ولعب وجد وحب سجلت الموسيقى بالكهرباء، طالما يسمح الإنتاج فإننا نلجأ إلى العازفين، وحتى الآن الإنتاج لا يسمح بأوركسترا كامل ونحتاج خمسة أو ستة أضعاف الميزانية المحددة للحصول على ما نطمح إليه، استخدمت جيتارا كهربائيا في فيلم «55 إسعاف» مع فلوت وفاجوت عاديين، الاختيار يرجع إلى عاملين، التكاليف والإمكانيات البشرية، هناك بعض الآلات منفذة بشكل جيد جدا على الأورج الكهربي مثل الآلات النحاسية، والعازفون لها في مصر نادرون جدا، هنا ألجأ للكهرباء. لا أتمسك بأسلوب واحد وأصر عليه، المرونة مطلوبة لتحقيق أعلى جودة مع التكاليف المتاحة. أن يقوم أوركسترا كامل بالعزف أمام شاشة عرض الفيلم شيء رائع، إحساس الناس كلها مع بعض يسبب قشعريرة، صعب أن أحقق هذا، والبديل نقوم به مع مجموعات من خمس أو ست عازفين أعرض عليهم الصورة على شاشة الكومبيوتر، أشرح لهم المعاني التي نريدها، لا توجد بروفات - الميزانية لا تسمح - أعطي كل منهم نوتة ونبدأ التسجيل، يخرجون وتأتي مجموعة أخرى، مجموعة ثم أخرى وبعد ذلك يتم جمع الموسيقى كلها في شريط واحد، لكي أخرج بنتيجة رائعة أحتاج أضعاف أضعاف الوقت والعازفين وهذا غير وارد مع ظروف صناعة السينما في مصر الآن. أعمل مع عازفين نجحت في جعلهم يحبون السينما ومذاقها الخاص، أشعر أنني لو لم أكن درست التأليف وأكملت كعازف كنت سأشعر مثلهم، لابد أن يشعر العازف بوجوده، ولهذا أتمسك بكتابة أسمائهم على عناوين الفيلم، يقبلون العمل في الأفلام بأجور أقل من مجالات أخرى لإحساسهم بأنها أعمال هامة وباقية، بعد خمسين سنة سيجد اسمه على الفيلم. ـ ما صحة الارتباط بين الآلة وما تعبر عنه ؟ ـ الارتباط بين الآلة ولغة التعبير مخزون بصري وسمعي، أحيانا أستخدم المخزون لدى الناس وأحيانا أتعمد تغيير هذا التوظيف، عندي لحن معزوف بالأكورديون في فيلم رحلة حب بعيد تماما عن اللحن الراقص الشعبي المرتبط في الأذهان عن الأكورديون، أحيانا أستخدم آلات غير شائعة مثل الفاجوت شقية جدا مع الكوميديا ومع المشاهد الرومانسية تكون جميلة جدا، وعلى العكس استخدمت الفلوت في شورت وفانلة وكاب برومانسية، و بشكل يختلف تماما عن استخدامه بشقاوة في رشة جريئة، وبشكل عام استخدام الآلات بعيدا عن الإكليشيهات لتخرج ألحانا جديدة وعزفا جميلا. ـ هل يمكنك تحديد زمن الموسيقى في الفيلم الروائي الطويل ؟ ـ مساحة الموسيقى في الفيلم تختلف من واحد إلى آخر، في بيزنس على سبيل المثال بعض جمل قصيرة لها حس البيزنس تناسب التلفزيون ومناخ البرامج، لم تترك لي إحساسا أريد قوله بالموسيقى خلافا لحس البزنس حتى ما يقرب من نصف الفيلم، ولكن مع النصف الثاني ازدادت الحاجة إلى الموسيقى ووجدت وظيفة تعبيرية لها، حكي الأب الفلسطيني، الفزع الأول لمشاهدة الإسرائيليين، الانتفاضة ومقاومة العسكر، في فيلم واحد الموسيقى في النصف الأول تكاد تكون معدومة وفي النصف الثاني تزداد ومع الثلث الأخير لم تتوقف تقريبا. انتهى تماما استخدام الموسيقى لملء الفراغ الصوتي، أصبحنا نسمع دبة النملة هناك صوت الحجرة فارغة مسموع إنه صوت الصمت، درسنا في المعهد أن الصمت صوت، هذه السكتة صوت نسميه زمن السكوت وهو ليس فراغا مثلما أنه لايوجد فراغ في زجاجة تبدو فارغة إذ أنها ممتلئة بالهواء، كذلك يُسمع للصمت صوت مخرج شاب طلب مني وضع موسيقى لموقف ما، سألته لماذا تريد وضع خط تحت موضوع عادي، الموسيقى تجعل المشاهد يتوقع حدوث شيء، وعندما لا يحدث ينصرف عنك، وضع الموسيقى قبل أوانها يحرق الموقف الهام، ولكن السكوت التام - هدوء ما قبل العاصفة - يمثل بلاغة الصمت في الموسيقى. عموما يمكن القول أن متوسط الزمن الكلي للموسيقى في الفيلم تكون ما بين نصف ساعة 30 ق و45 ق بما يعني 35 دقيقة في المتوسط،الأذن لا تتحمل الموسيقى طوال الوقت، جمالها أن تكون في مكانها المطلوب. القاهرة ـ صفاء الليثي