يعتبر كتاب «الامتاع والمؤانسة» لابي حيان التوحيدي من الكتب المعبرة عن صاحبها خير تعبير، والتي تبين لنا اتساع آفاق هذا الفيلسوف وعمق معرفته، حتى ليعتبر الفيلسوف الاديب المعبر عن ثقافة النصف الثاني من القرن الرابع الهجري. وقصة الكتاب تتلخص في ان «ابا حيان التوحيدي» قد ارسل رسالة الى صديقه «ابي الوفاء المهندس» يقول فيها: خلصني ايها الرجل من التكفف، انقذني من لبس الفقر، اطلقني من قيد الضد، استرني بالاحسان، اكفني مؤونة الغداء والعشاء، الى متى الكسرة اليابسة، والبقيلة الذاوية، والقميص المرقع؟ وقد استجاب صاحبه الى تلك الاستغاثة، بأن قدمه الى الوزير «ابي عبدالله العارض» فجعله الوزير من سماره، وقد سامره «ابو حيان» ثماني وثلاثين ليلة، وبعدئذ طلب «ابو الوفاء» من «ابي حيان» ان يسجل كل مادار بينه وبين الوزير، وهكذا فعل «ابوحيان» فكان من ذلك هذا الكتاب. يدور السمر في كتاب «الامتاع والمؤانسة» على ليال، لكل ليلة موضوع رئيسي يحدده الوزير بسؤال يلقيه، لكن سرعان ما يستطرد ويتشعب، فيتناول اموراً كثيرة، وغالباً ما يختتم بنكتة او مداعبة. في الليلة الاولى، جرى السمر حول متعة الحديث، وخصائص الحديث الجيد وخلاصة الرأي هنا، ان الحديث الجيد هو الذي يجري على احكام العقل ويشتمل على الفكاهة، ويكون ذا جدة وطرافة، وان الانسان ليسأم من كل شيء، الا من الحديث العذب الجميل، ففي المحادثة تلقيح للعقول وترويج للقلب، وتسريح للهم، وتنقيح للأدب. اما الموضوعات العرضية التي تناولها الكلام في الليلة الاولى، فتحديات لغوية، تفرق بين معنى كلمة عتيق، ومعنى كلمة قديم، وذلك بمناسبة المقارنة بين الحديث الذي يكون فيه جديد، والحديث الذي يذكر القديم. «التعجب كله منوط بالحادث، واما التعظيم والاجلال فهما لكل ما قدم». واخيراً اختتمت الليلة بنكتة، وهي نكتة عن بناء بنى جداراً لرجل، وبينما هما مختلفان على الاجر، سقط الجدار، فقال الرجل للبناء: هذا عملك الحسن!؟ فقال البناء: وهل اردت ان يبقى الجدار قائماً الف سنة؟ فأجاب الرجل: لا ولكن كان يبقى الى ان تستوفي اجرتك. ويدور حديث الليلة الثانية، حول شخصيات بارزة في العلم والادب، يصفهم «ابوحيان» للوزير ويقول رأيه فيهم، فمنهم ابو سليمان المنطقي، الذي يقول عنه: «اما شيخنا ابو سليمان، فانه ادقهم نظراً واقعرهم غوصاً، واصفاهم فكراً، واظفرهم بالدرر، واوقفهم على الغرر». وطلب منه الوزير ان يحدثه عن آراء هؤلاء العلماء في النفس، فأخذ ابو حيان يفصل القول في ذلك. وتدور الليلة الرابعة كلها تقريباً، عن «ابن عباد» حيث يسأل الوزير ابا حيان رأيه في «ابن عباد» فيقول ابو حيان: «ان الرجل كثير المحفوظ، حاضر الجواب، فصيح اللسان» ثم يمضي في تحليل شخصيته تحليلاً مسهباً، ويقول عنه: انه يمدح نفسه بشعر، ثم يعطيه لمن يلقيه، وكأنما هو شعر قيل فيه من سواه، فهو محب للثناء لدرجة الاسراف، وهو مزيج من عقل وحمق، ويأخذ «ابو حيان» في مقارنته بابن العميد، ويصف «ابن عباد» بمرض النفس: «فللنفس امراض كأمراض البدن» وهكذا اعطانا «ابو حيان» صورة مفصلة عن جوانب «ابن عباد» فضائله وعيوبه ومما ورد في هذه الليلة كذلك، ذكر لاعلام العلماء والادباء، وما يمتاز فيه كل منهم «فالخليل في العروض، وابو عمرو بن العلاء في اللغة، وابو يوسف في القضاء، والاسكافي في الموازنة، وابن مجاهد في القراءات، وارسطوطاليس في المنطق». ومن اصدق ما جاء في حديث هذه الليلة، قول «ابي حيان» بضرورة التثقيف لمن يتصدى للكتابة الادبية، والتواضع في تقدير نفسه. أما الليلة السادسة، فحديثها عن خصائص الامم، فالفرس تقتدي ولا تبتكر، والروم لا يحسنون الا البناء والهندسة، والصين اصحاب صنعة لا فكر لها ولا روية، والترك سباع للهراش، والهند اصحاب وهم وشعوذة، اما العرب فقد علمتهم العزلة التفكير، وساعدتهم بيئتهم على دقة الملاحظة، وهم ذوو قيم خلقية عليا. ثم رأى ان الفصائل موزعة بين الامم، ولكل امة عصر تعلو فيه، ثم يجيء عصر آخر فتعلو أمة أخرى وهكذا فليس من الانصاف ان نقارن امة إبان صعودها، بأخرى اثناء هبوطها. اما الليلة الثامنة، فقد رويت فيها مناقشة فلسفية دقيقة عميقة، كانت قد دارت بين «ابي سعيد السيرافي، وابي بشر متى بن يونس» في حضرة الوزير «ابن الفرات» عن المنطق اليوناني والنحو العربي. وفي الليلة التاسعة، اوصاف دقيقة لصنوف الحيوان، وما تتميز به، وكيف ان صفات الحيوان موجودة مثلها في الانسان، اذ ان في الانسان وحده تتجمع صفات الحيوانات كلها، فهو اذن مختلف عنها، لا بالنوع، ولكن بكثرة ما فيه من صفات، تجمعت فيه وتفرقت في الحيوان. إعداد ـ محمد سطام الفهد