بيان الكتب: ولد فيودور ديستويفسكي الروائي الروسي في موسكو سنة 1821 في مستشفى للفقراء. وكانت أولى رواياته تحمل عنوان «الفقراء» نشرها سنة 1846 وفي سنة 1847 ظهرت عليه أعراض مرض عصبي مجهول كان مقدمة لإصابته بالصرع. كان ترتيبه الثاني من بين سبعة إخوة. وفي سنة 1848 أصدر ثلاث روايات هي «إمرأة غريبة، حفلة زواج في عيد الميلاد، زوج غيور» وفي سنة 1849 حكم عليه بالإعدام بدعوى جريمة سياسية، وقبل تنفيذ حكم الإعدام بدقيقة استبدل الحكم إلى النفي المؤبد في سيبيريا. بدأ فيودور تعليمه هو وأخوه الأكبر ميخائيل في موسكو، وبعد وفاة أمهما سنة 1837 أرسلا إلى مدرسة إعدادية في سانت بطرسبرج. وفي سنة 1838 دخل فيودور إلى أكاديمية سانت بطرسبرج للهندسة العسكرية. وفي سنة 1839 قُتل والده. ولكن فيودور وبعد أن خفف عنه حكم الإعدام إلى السجن المؤبد مكث في السجن خمس سنوات ثم أطلق سراحه سنة 1854 بعد أن ظهرت عليه نوبات حمى الصرع وبعد أن أمضى السنوات الأربع الأخيرة بالأشغال الشاقة. التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية ما بين «1854 1859 -» في جنوب غرب سيبيريا ، تزوج خلالها سنة «1857» من الأرملة ماريا والتي توفيت سنة 1864، وهي السنة نفسها التي توفى فيها أخوه ميخائيل الذي شاركه بالنشر في مرحلة سابقة. أهم رواياته «الجريمة والعقاب» نشرها سنة 1866، موضوع بحثنا. وفي سنة 1867 تزوج مرة ثانية وغادر مع زوجه إلى غرب أوروبا وعاشا أربع سنوات هناك بين جنيف وفلورنسا وفيينا ودرسدن. وفي سنة 1874 ألقي عليه القبض مرة ثانية بتهمة مخالفة قوانين الرقابة. وفي رواية «الجريمة والعقاب» تحدث فيودور ديستويفسكي عن الشاب روديون لينيكوف، الطالب الذي أصبح الفقر أعظم همومه، وبعد فترة ألِفَ هذا الهم حتى نسيه، وأصبح لا يتمالك نفسه من الضحك كلما فكر في صاحبة المنزل براسكوفينا بولوفتا التي يقطن في بيتها، والتي اعتادت أن تهينه وتشعره بالفزع والرعب وتهدده بإجراءات شديدة لأنه مدين لها ببعض المال. كل ذلك جعله يتكيف مع وضعه المزمن فكان معتادا أن يتسلل على السلم في هدوء لكي يخرج من المنزل في سلام في جو ذلك الحي الفقير الخانق والمشحون بالعفونة، ورغم أنه حاول جاهدا ضبط نفسه أكثر من مرة إلا أن شيئا خطيرا جال في ذهنه. عد الخطوات التي يحتاجها للوصول إلى هدفه «730» خطوة، كما أحصاها من قبل مرارا وتكرارا. حيث يمكنه أن يرهن شيئا عند العجوز المسماة ايلينا إيفانوفنا فقد مضى يومان دون أن يتذوق أي طعام. تعرف روديون في الحانة على رجل يسمى مارميلادوف، موظف حكومي سابق. كان مارميلادوف ثملا وهو يتحدث إلى روديون عن زوجته كاترين التي ضربها ليزيانوف، ذلك الرجل الذي أثبت أن العلوم الحديثة تنكر وجود الشفقة. ثم أضاف مارميلادوف: وطبعا سكتُ، لماذا؟ لأني كنت واقعا تحت إلحاح الحاجة. فأنا اضطررت مثلا في أحد الأيام أن أرافق ابنتي سونيا إلى مكتب البوليس لتسجيل إسمها في عداد الساقطات ..وأنا أتناول الخمر لكي تتضاعف آلامي النفسانية وأشعر بالحزن.. عندما ضربها ليزيانوف لم يؤلمها الضرب كما آلمها أن تهان وتخدش كرامتها. أما لماذا ضربها؟ فلأنه لا يريد أن تقيم في بيته فتاة ساقطة، على الرغم من أن زوجته كانت المحرضة الأولى لسقوط سونيا. ولكن ثق بأنني لا أجد في سرد هذه الرواية شيئا من التسلية والترفيه، إنها أشبه بطعنات تمزق قلبي. بعد تردد وصراع مع الذات انطلق روديون إلى مسكن ايلينا ايفانوفنا، العجوز المرابية الذي يبعد عن مسكنه 730 خطوة كما أحصاها مرارا، وهناك أرداها قتيلة مضرجة بدمائها التي سالت غزيرة إثر ضربها بالبلطة التي خبأها تحت معطفه، ثم بحث عما يمكن سرقته مما خف حمله وغلى ثمنه، وقبل أن يغادر مسرح الجريمة تفاجأ بعودة شقيقة العجوز المقتولة فلم يتوان في قتلها هي الأخرى على عكس إرادته وما كان قد خطط له. ثم كاد أمره أن يفتضح لولا صبره واحتفاظه بما تبقى له من حضور ذهن. وبعد أن خبأ المسروقات التي لم يطّلع على ماهيتها أو تقدير ثمنها، خبأها تحت إحدى الصخور بالقرب من أحد المساكن المهجورة وبعد أن محا جميع آثار الجريمة البشعة لم يحتمل ردة الفعل التي أذهبت بما تبقى من قواه الذهنية والجسدية فاستسلم للحمى التي أدخلته في غيبوبة دامت أربعة أيام. هام روديون على وجهه يفكر فيما اقترفه من عمل شنيع، فكر بالانتحار بإغراق نفسه في نهر نيفا. فأخبار الجريمة كانت تلاحقه في كل مكان، وتناولتها الصحافة كأهم حدث قريب وغريب، وكان هناك أبرياء أشارت لهم أصابع الاتهام من بينهم عمال طلاء كانوا يعملون في الطابق الثاني من المبنى الذي حدثت فيه الجريمة أمثال كوخ وديمتري. وكذلك نيكولا المريض الذي اعترف بقيامه بالجريمة! وبينما كان روديون هائما في الطرقات مستثقلا أن يحمل سر جريمته لوحده، جاءت عربة تجرها الأحصنة مسرعة وصدمت سكيرا، سرعان ما تبين روديون أن السكير هو مارميلادوف فحمله بمساعدة آخرين إلى زوجته كاترين ايفانوف ثم أحضر له طبيبا، وأسر الطبيب إلى روديون فوات الأوان ذلك أن الرجل يحتضر فأسرعوا باستدعاء قس، كما أرسلوا ابنته الصغرى بولنيكا لإخبار اختها الكبرى سونيا التي جاءت على عجل لترى والدها في الرمق الأخير فصاحت وقد ترك الذعر على وجهها طابعا شوه جماله. لم تمضِ دقائق حتى فارق مارميلادوف الحياة فوقفت زوجته كاترين حائرة، فهي لا تملك قوت يومها لتأكل، ولشدة غضبها فقد لعنت زوجها الذي فرطّ بحق نفسه وحق اسرته. تقدم منها روديون وقال لها: لقد سرد علي زوجك في الاسبوع الماضي قصة عائلته الصغيرة، وأؤكد لك أنه لم يذكرك إلا باحترام، علما أن قصته دلتني على مدى حبه لعائلته رغم ضعفه وخضوعه لسلطان الخمر، وقد أحببته لأنه يحب عائلته، فاسمحي لي أن أشاطرك شعوري نحوه.. اليكِ خمسة وعشرين روبلا قد تفيدك في هذا المأزق. جاءت والدة روديون، بولخيريا الكسندروفيتش مع شقيقته دونيا لاتمام استعدادات الزواج من لوشن في بطرسبرج، ووجدتا روديون عليلا، وجهه شاحبا، وقواه خائرة. تعرف بركوفيتش على دونيا وتعلق بها كثيرا، وبينما هم جميعا جاءت سونيا خجلة إلى غرفة روديون لكي تشكره على مساعدته وتدعوه إلى حضور تشييع جنازة والدها، وقد خيل إلى روديون أن قلبه يرق لها بتأثير عاطفة حلوة مجهولة. وكانت هذه الزيارة سببا في تعلق روديون بسونيا. وعندما زارها فيما بعد شعر كم هي قريبة منه حتى إنه أسر لها بالجريمة التي اقترفها. حثته سونيا على أن يهربا معا بعيدا وقالت له: إنني أحبك، فأنت شقي مثلي. تكاملت الأدلة لدى قاضي التحقيق برفيريوس بتروفيتش بجريمة مقتل المرابية وشقيقتها، وهو أحد أقرباء بركوفيتش الذي كان يلح لمعرفة روديون بعد أن سمع عنه من بركوفيتش، ولما تكاملت الأدلة واجهه بها. عندئذ سأله روديون لماذا لا يلقي عليه القبض اذن، ألا يخشى هروبه ؟ قال برفيروس متعاطفا معه وواثقا: لأني أريد أن تستفيد من تخفيف العقوبة التي تُمنح عندما تسلم نفسك وتعترف بذنبك، كما نبهه إلى ضرورة الكشف عن مكان المسروقات. دخل روديون قسم البوليس وقال بصوت خافت ولكنه ثابت النبرات: أنا الذي قتلت إيلينا ايفانوفنا وأختها اليزابيث.. قتلتهما بالبلطة، والدافع إلى الجريمة هو السرقة. نشر فيودور دوستويفسكي روايته الشهيرة «الأخوة كرامازوف» سنة 1880 وبعد ذلك بسنة، أي سنة 1881 توفى في مدينة بطرسبرج إثر مرض رئوي قبل أن يبلغ الستين بقليل.