بيان الكتب: «دومينك دان» هو روائي معروف حيث قدّم العديد من الاعمال الروائية الناجحة. وله ايضاً عدة دراسات من بينها عمل عن عالم التصوير تحت عنوان: «الطريق الذي عشناه». وبشكل عام تناولت اعمال هذا المؤلف عالم الجريمة وملاحقة العدالة لمرتكبيها، يعيش المؤلف حالياً في مدينة نيويورك. «عدالة» كتاب عن منظومة القضاء الأمريكية. وكان «دومينك دان» قد تناول هذا الموضوع في مجلة «فانتي فير» لمدة عقدين من الزمن مما اعطاه «سلطة اخلاقية» في ميدان البحث عن خبايا الجرائم.. وقد اختص اكثر فأكثر في البحث خبايا الجرائم في عالم الاغنياء والمشاهير. يستهل «دان» كتابه هذا «عدالة» بالحديث عن جريمة قتل راحت ضحيتها ابنته الوحيدة التي قتلها صديق سابق لها.. وقد كانت محاكمة قاتل ابنته قد أتاحت له فرصة حضور محاكمة من هذا النوع لأول مرّة في حياته. انه يصف الحالة النفسية المتوترة التي عاشها طيلة فترة تلك المحاكمة وما عرفه من حقد وكره ضد قاتل ابنته وضد محاميه وضد القاضي نفسه الذي أبدى عداوة «خاصة» ضد الادعاء ووصل به الأمر الى استبعاد احد الشهود رغم اصابته البالغة خلال الاشتباك بينه وبين القاتل. ان المؤلف يرسم في هذا الكتاب الخط البياني «النفسي» الذي يمكن ان يعيشه ضحايا الجرائم والتي لا تطال فقط هؤلاء الضحايا مباشرة وانما المقرّبين منهم.. وهكذا يؤكد بأنه حاول طيلة سير المحاكمة ان يبعد عن رأسه تلك الفكرة التي ألحّت عليه للاتفاق مع احد المجرمين لقتل قاتل ابنته.. وهو يؤكد في هذا السياق ايضا بأن مثل هذه الفكرة تتردد كثيراً في اذهان اولئك الذين يتم قتل ابنائهم. لكنه كان بالوقت نفسه على قناعة بأن قتله لهذا القاتل سيودي به للسجن مدى الحياة وليس ست سنوات فقط يتم تخفيضها فيما بعد لثلاثة كما جاء في الحكم الصادر بحق قاتل ابنته. كانت اول جريمة «يعيش» المؤلف تفاصيلها الدقيقة من موقع الأب المعني بها مباشرة.. وكان هناك ما يشبه حالة الحصار التي تمت معالجتها بـ «الكتابة». وقعت جريمة قتل الابنة في عام 1982 وكان المثال الاول الذي كتبه الاب الصحفي بهذا الشأن عام 1984. انه يعود في هذا الكتاب الى هذا كله الى تلك الايام الاولى والمشاعر الاولى والمقالات الاولى.. ليعلن عن ادراكه، اعتباراً من المقال الاول، مدى تأثير الكلمة المكتوبة، ذلك انه كثيراً ما تمّت قراءة مقالته الاولى تلك في مدارس الحقوق لإظهار مدى سوء ادارة بعض المحاكمات، من هنا كانت نقطة الانطلاق، لان ردود الفعل التي أثارتها مقالته الاولى ولّدت لديه نوعاً من الاحساس بأنه قد رفع بشكل ما «الظلم» الذي عرفته محاكمة قاتل ابنته لذكرى تلك الابنة كما ولّدت لديه رغبة الاستمرار بالكتابة في الموضوع نفسه لاسيما وانه بدأ «يعشق» متابعة هذا النمط من المحاكمات كي يكون شاهداً عليها والتي كان من بينها حلبة الكونجرس التي كان يعتقد اغلبية المراقبين بانها ستؤدي الى عزل الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون عن منصب الرئاسة بسبب فضائحه الجنسية وقصة مونيكا لونيسكي الشهيرة التي لاتزال طريّة. ان النقطة التي كانت تثير غضب الكاتب، كما يقول، تمثلت باستمرار في محاولات محامي الدفاع العمل على اخلاء سبيل العديد من المجرمين بأي ثمن كان وباسم جميع المباديء، وذلك حتى لو كان هناك من يرى بأن مثل هذا الدفاع «المحموم احياناً» انما هو تعبير عن حسن اداء المحامي لواجبه الذي خوّله بل فرضه عليه، القانون. ويعود «دومينيك دان» في كتابه طويلاً الى شرح التفاصيل التي رافقت الجريمة التي استهدفت ابنته. وذلك انطلاقاً من اتصال رجال الشرطة به هاتفياً احد ايام شهر اكتوبر من عام 1982 كي ينقلوا له نبأ تعرّض ابنته لجريمة وانها تصارع الموت في أحد المستشفيات. كان عمرها آنذاك 22 ربيعاً فقط.. وتتداخل الذكريات وتتفاعل في ذهن المؤلف الذي يتذكر بأنه كان وزوجته واحد ابنائه يعتقدون جيداً بان صديق الابنة السابق ـ القاتل ـ كان شاباً ممتازاً، كما تكوّنت لديهم القناعة منذ ان قدمته لهم في المرّة الاولى .. وذلك على عكس الابن الآخر. وكانت اقسى اللحظات هي تلك التي وصل فيها الثلاثة «الأب والام والابن» الى المستشفى حيث كانت الابنة على فراش الموت. ان صفحات عديدة من هذا الكتاب تتضمن توصيفاً جميلاً لأدق المشاعر الانسانية. ومع بدء الاستعدادات للمحاكمة جرى اتصال بين القاتل والاسرة من خلال احد الوسطاء والذي طلب من الاسرة بعد ان حاول ان يجعلها تفهم بأن القاتل نادم على ما فعله وبأنه مستعد لقضاء العقوبة التي سيتم الحكم عليه بها بالسجن ولكنه يطلب عدم اثارة مسألة الخلافات التي كانت تحدث بينه وبين القتيلة باستمرار. كان الرفض هو الجواب على هذا العرض.. وبدأت الاستعدادات للمحاكمة. وكانت الجلسة الاولى ليجد الاب نفسه بمحض الصدفة، اثناء المحاكمة الى جانب سيدة لم تكن سوى ام القاتل الذي كان قد بعث لها برسالة يبلغها فيه بأنه يرفض رؤيتها. ويكرس المؤلف في هذا الاطار عدة صفحات ايضا لوصف سلوك القاتل اثناء المحاكمة حيث حاول التأثير على لجنة المحكمين حيث كان يرتدي دائماً ثياباً سوداء ويمسك بيده باستمرار الانجيل الذي لم يقرأه مرة واحدة في حياته «كما يعتقد مؤلف هذا الكتاب بل وكان القاتل يجهش بالبكاء مراراً وتكراراً. لكن هذا كله لا يرى به المؤلف سوى وسائل للتأثير على اتجاه الحكم. اضف الى هذا شعور «الاستلطاف» الذي قام بين القاضي ومحامي المتهم مقابل نوع من «التنابذ» بين القاضي نفسه ومحامي الادعاء. إن المؤلف ومن خلال حديثه المسهب والمغرق في تفاصيل محاكمة قاتل ابنته يبين آليات عمل القضاء الامريكي وكيف يمكنه في أحيان كثيرة لما يتعاطف القاضي مع الجاني. وحيث وصل الامر بالقاضي المكلف بالنظر بقضية قاتل ابنته ان يصرح للقاتل واثناء المحاكمة بأنه «يفهم الضغط الذي يتعرض له» وذلك بعد ان كان قد ثار غضباً خلال الاستماع لشهادة صديقة سابقة له مما أدّى الى الاستعانة بحرس المحكمة وتقييده حتى لا يتحرك بسهولة. بل ان القاضي اصدر تعليماته بعدم تحدث اي شخص له علاقة بالقضية الى الصحافة.. وترددت شائعات بأنه قد اعطيت للمتهم ـ القاتل مهدئات كي لا يستثار ويفقد السيطرة على سلوكه واقواله لكنه نفى ذلك عندما وجه له محامي الادعاء سؤالاء بهذا الخصوص ورفض القاضي تحليل عينة من دمه للتحقق من ذلك؟ كما رفض ان يأخذ شهادة والدة الضحية واحدى الصديقات السابقة للقاضي بالاعتبار بكل الحالات بدا بوضوح بان سلوك القاضي لم يكن طبيعياً. لكن بالمقابل يبدي المؤلف نوعاً من الاعجاب «بمدى فاعلية» السيناريو الذي تم اعداده للتأثير علي هيئة المحكمين.. فقد تحدث القاتل بهدوء غريب وبصوت خفيض الى درجة انه كان يطلب منه احياناً أن يرفع صوته حتى يتمكن الحلفون من سماعه.. وكان حديثه ينصب بالطبع على ان ما جرى كان مجرد حادثة فهو كان يعيش مع ابنة المؤلف في تآلف تام وحب متبادل.. وبعد ان انتهت مهام الدفاع والاتهام وتحدد تاريخ النطق بالحكم بدأت فترة الانتظار «الاطول» و«الاسوأ» التي عاشها المؤلف طيلة حياته. لقد استبعد المحلفون تهمة تعمد القتل وكان الحكم بست سنوات ونصف، مما أثار تنديد الصحافة وتم جمع الآلاف التواقيع لطلب اعادة النظر بالقضية. وتم الافراج عن القاتل بعد عامين ونصف فقط حيث فكر المؤلف بتعقبه لكنه عدل عن الفكرة. اما القاتل فقد اكتفى من جهته بتغيير اسمه كي يعيش بهدوء. ويتضمن هذا الكتاب ايضا عدداً من روايات قتل وجرائم ومحاكمات عرفتها الولايات المتحدة أو أماكن اخرى من العالم مثل تلك التي عرفتها امارة موناكو اثر ارتكاب جريمة ذهب ضحيتها احد اكبر الاثرياء في العالم.. والغريب ان تلك الجريمة قد حدثت في مسكن الثري الذي يعتبر بمثابة قلعة حصينة من الصعب اختراقها. وقد أثارت هذه الجريمة مقالات صحفية عديدة لاسيما وانها قد جرت في واحد من اكبر الاماكن امناً في العالم وحيث هناك رجل شرطة لكل مئة فرد من سكان هذه الامارة و«الكاميرات» المنصوبة في الشوارع ترقب تحركات الجميع. بعد ثلاثة أيام من وقوع الجريمة اعلن المدعي العام للامارة بان احد العاملين لدى المليونير ـ اليهودي السوري الاصل ـ قد اعترف بتدبير الجريمة وانه كان يقصد من اشعاله النيران في سكن القتيل ان يلفت النظر اليه وينال رضى رب عمله المليونير ويصبح بطلا في نظر الجميع. هكذا تم استبعاد سلطات التحقيق لاية مؤامرة دولية ـ كما نردد للتخلص من المليونير خاصة وانه كان قد بدأ اتخاذ الترتيبات اللازمة قبل عدة ايام من مصرعه لبيع احد البنوك الكبرى التي كان يمتلكها. لكن المسألة لم تكن، كما يرى المؤلف، بهذه البساطة فقد كان هذا المليونير يخشى على حياته، وكان يعيش كابوس امكانية تعرضه للاغتيال لذلك رفض الخروج من المكان الحصين الذي كان يعيش بداخله استجابة لطلب رجال الاطفاء الذين كانوا قد حضروا بعد ان طلبت ممرضته ـ التي قتلت معه حرقاً ـ نجدتهم.. ولم يذكر التحقيق اولاً بان هذه الممرضة قد تعرضت لضربة قوية على رقبتها وبان هذا المليونير كان يعرف الاسرار المالية للعالم اجمع وبالتالي كان له العديد من الاعداء. ورغم تمتعه باحترام كبير في مختلف الدوائر كانت تحوم حوله الشبهات بشأن تبييض اموال دكتاتور بناما السابق واموال ما فيات المخدرات في كولومبيا.. كما قيل بانه كان يتم استخدام طائرته الخاصة لنقل اموال هذه المخدرات. وبكل الحالات كان هذا المليونير مهووساً باتخاذ اجراءات الامن حوله وكان يصرف سنوياً ملايين الدولارات لتأمين حمايته وحماية اسرته.. وكانت تقود حمايته الشخصية مجموعة من 11 شخصاً معظمهم من قدامى العاملين في جهاز الموساد الاسرائيلي، والغريب انه لم يكن هناك احد منهم في الخدمة يوم وقوع الجريمة. ولمعرفة اسرار ما حدث، قام مؤلف هذا الكتاب بزيارة زوجة الممرض الامريكي الذي قيل بانه قد اعترف بارتكابه للجريمة. وقد أكدت له هذه المرأة بان زوجها كان قد بدأ العمل لدى المليونير قبل اربعة اشهر فقط من مقتله وبانه كان ينوي الاستقالة والعودة الى الولايات المتحدة الامريكية. كا اكدت بان زوجها لا يمكن ان يكون قد ارتكب الجريمة وان اعترافه قد جرت كتابته باللغة الفرنسية التي لا يتحدثها.. كما اشارت الى ان اشرطة الفيديو التي تسجل كل حركة في ارجاء المنزل قد اختفت كلها تماماً. كذلك حاول المؤلف لقاء زوجة المليونير. وبعد ان حصل على موافقتها وسافر الى باريس استعداداً للمقابلة معها تلقى منها رسالة تعتذر فيها عن لقائه حفاظاً على اسرتها واسرة زوجها لانها لاتريد الخوض مرّة اخرى في قضية مصرع زوجها. ويذكر المؤلف بان الحقيقة تقول بان الخلافات بينها وبين اسرة زوجها كانت محتدمة حتى ان اشقاء وشقيقات زوجها كانوا يفكرون في الطعن بوصيته التي غيرها بكل دماثة لصالح زوجته. وتبقى مسألة القاتل معلقة رغم الحكم بالسجن على الممرض الامريكي. في المحصلة ومن خلال روايات الجرائم والمحاكمات والاحكام التي يقدمها المؤلف في هذا العمل يبدو بمثابة «معلم» في فن القص وتوظيف التفاصيل الصغيرة لخلق اجواء ليست بعيدة عن تلك الشائعة في افلام الفريد هيتشكوك وفي عالم شارلوك هولمز. لقد بدأ هذا المشرب الأدبي انطلاقاً من جريمة تعرّضت لها ابنته ليجعل من نفسه بعد ذلك محققا في العديد من الجرائم الشهيرة في العالم. انه لا يتعرض للاحداث فقط، وانما «يحكي» العجز والغضب ومختلف المشاعر الانسانية العميقة الاخرى.. ومن هنا يعتبره النقاد بمثابة أحد اكثر الكتاب الامريكيين المعاصرين تميزاً.. وتفرداً. وكتاب واحد من الكتب الاكثر مبيعاً في العالم.