بيان الكتب: يحتوي الكتاب على رسائل متبادلة، بين الكاتبين محمد برادة ومحمّد شكري، ويقول محمد برادة في التقديم لهذا الكتاب: «نأمل أن يجد القاريء في رسائل الورد والرماد هذه ما يثير لديه التواطؤ ذاته، الذي تتدثر به هذه الرسائل والبطاقات المكتوبة وسط الدوامة بانفعال واندفاع وتلقائية. وقد لا يكون الورد وحده جميلاً، جذاباً، فالرماد أيضاً ينطوي على جراحات وانطفاءات لا تخلو من روْقٍ وصدق وافتتان بالموت». وكتابة الرسائل تستجيب للحظات جد حميمية، نستشعر فيها رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع، وللأسف فإن تقاليدنا في المراسلات بين الأصدقاء المبدعين قليلة، ان لم تكن معدومة، من هنا جاءت هذه الرسائل لتضيء بعض التفاصيل التي قد ترسم ملامح أخرى لا يتسع لها النص الإبداعي، وتطلعنا على تفاصيل الحياة اليومية والسرية التي لا نحصل عليها في مكان آخر. تعرّف محمد برادة على محمّد شكري، أوّل مرة، خلال عطلة صيف 1972 بشارع باستور في طنجة... كان يمسك برسن كلب كبير ويمشي بتلقائية وسط زحمة الناس، وكان قد قرأ له نصوصاً بمجلة الآداب وسمع عنه أخباراً مليئة بالمبالغات، عن حياته الخاصة. وتمّ اللقاء في المساء، وقد لفت نظر برادة خلال المحادثة بينهما، التي امتدت الى ساعة متأخرة من تلك الليلة ان شكري ابعد ما يكون عن الصورة التي يرسمها له المعجبون، كان في حواره عقلانياً في حججه، جريئاً في طروحاته ونقده لما يقرأ، لم يكن مشدوداً الى أسطورة ماضيه، بل كان مفتّح العينين على حاضره، يعيش أقرب ما يكون الى الواقع المعقّد المتسارع في تحولاته، ولم يكن يلغي ذاته وهو يتحدّث او يختبيء وراء العبارات الأدبية التي يلجأ اليها كثير من المثقفين. لم ينقطع الحوار بين الكاتبين في نهاية هذه الجلسة، بل امتد الى لقاءات اخرى، ثم عبر الرسائل، ويلخص برادة ذلك بقوله: «لأنني وجدت فيه محاوراً قريباً الى النفس متصفاً بالتلقائية والصراحة، وكان يخيّل اليّ ان شكري يحتاج الى من يذكره بضرورة الاستمرار في الكتابة لمقاومة تفاهة المحيط الذي كان يعيش فيه، وقد وجدت وأنا أعيد قراءة الرسائل، ان الحاحاتي هي أيضا نوع من التذكير النفسي بأن الكتابة أهم من النشاطات السياسية والثقافية التي كنت مشدوداً إليها». تطفو شخصية محمد شكري من خلال كتاباته، وهو يرسل نفسه بتلقائية وعفوية ويعبّر عن كل شيء، يعيشه او يحسّ به ويمارسه في حياته اليومية، ويبدو ان المرض قد ألحّ عليه، فهو يسعل سعالاً حاداً، يعالجه بالعسل الخالص والأقراص المهدئة، وكان العام 75 شؤماً عليه، فقد حصلت له أمور جد مزعجة، الى درجة «أنني فكرت في الانتحار عدّة مرات في الأسبوع الماضي... إنني أكتب لك رسالتي وأنا آكل الجزر المطبوخ، مغموساً في عسل دافيء على بخار الماء، وفي الحاكي السمفونية الخامسة لبيتهوفن وسجائر «ميني كازا» وأشرب Les vieux popes». ... يبدو محمّد برادة في رسائله أقرب الى المفكر، الذي ينظّر للحياة والفن والتطابق مع المحيط ومواجهته بالكتابة، ويتضايق كثيراً لأنه لا يجد الوقت الكافي للكتابة، بسبب تحضير الدروس والاجتماعات والمغامرات العابرة والمستحيلة. وهو يشجع شكري على الكتابة ويطالبه بالانتظام وأن يجعل شعاره «الكتابة ضد الابتذال وضد الجنون وضد العنف وضد المخلوقات الطفيلية الحقيرة...» إن الكتابة في النهاية تمنحنا انتصاراً من نوع خاص، ضد جميع الجوانب التي نرفضها في مجتمعنا وعالمنا. وقد جاء ردّ شكري كالانفجار: «الابتذال، انها كلمة أفظع من سعالي... في الأسبوع الأوّل من الشهر الماضي، ذهبت الى تطوان لزيارة اسرتي، كانت أمي مريضة تبصق دماً وأبي يعاني من الربو، لكنه يقاوم مرضه، أخي عنده الملايين التي ربحها من تجارته الرائجة، لكنه بخيل مع الأسرة، رغم ان سلوكه لطيف، لا ينفق امواله الا على الجمركيين والبوليس، أتقاضى 880 درهماً، أعطي منها مئة، أو مئة وخمسين لأمي، يستفزني أبي وهو يقول لها عني: (انه يلبس معطف المخنثين وله لحية شيطان وشعر «هداوة»)، أنت قد تقول لي بأنها أشياء بسيطة، غير ذات أهمية، يقولها أب عن ابنه، لكنها «سفالة». أحياناً أفكر في أن الإبداع يصير لعبة صادقة وحياة أصحابها صدقاً كاذباً... وضعت في الحاكي الان موسيقا من زاير اسمها الغابة، وهي تشعرك بمرح جسدك، انفجار الفرح الديونيسي». كما نكتشف ان محمّد شكري عاشق للموسيقا، يجمعها من كل مكان ولديه مجموعات لكل الشعوب التي تسكن الارض، «اقرأ ليس باستمرار أستمع الى الموسيقا الفولكلورية العالمية، عندما أمتليء غضباً أبول على الأشخاص ويبولون علي، ثم أبول على نفسي فرحاً او حزناً لأحقّق للكلبيين زمنهم المنسي». «في كل عصر يوجد ناس من كل العصور، أنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي، أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وبعثي وتشبّثي بما أنا وما لست أنا بعد إياه، بالذي كان والذي لم يكن». ... تبدو الرسائل القادمة من مستشفى الأمراض العصبية أكثر حساسية وأشد ألماً، وهي تصوّر العالم الآخر المحاصر ببرودة الموت. محمد شكري يتمشّى وحيداً داخل المستشفى او يجالس احد المرضى ليحكي له عن مآسي حياته، يقول إننا نادراً ما نسمع هنا ذكريات جميلة ، حتى إذا سمعتها فهي ممزوجة بالكآبة، لكن أين هي الذكريات الخالصة الجمال... عزلتي تكون فائضة عندما يصفّر الشحرور بغنائه او عندما يصطاد البوم وجبته... أيام أزمتي النفسية عام 64، حاولت ابتلاع 20 كبسولة من مهدّيء ليبريوم، لم أستطع ان أبلع سوى خمس او ست كبسولات، عندما دخل صاحب الفندق الإسباني غرفتي وأنقذني... خذ مني كل شيء، لم أعد أشرب كأسي وأصب الباقي على رأسي ماشياً راقصاً الى الحلبة، متلقفاً بلساني القطرات الفائحة منها رائحة شعري... كم أتمنى أن أكون بعيداً، في بلد لا يعرفني فيه أحد، ليكون لي من جديد أوّل صديق، أوّل خصم، أوّل عمل لم أمارسه من قبل، الى ما لا نهاية من الأوائل، بعد اليوم سأعيش عاقلاً وأموت مجنوناً، أما دون كيخوته فقد عاش مجنوناً ومات عاقلاً. عندما سأخرج من المستشفى سأطبق حكمة نيتشه، خطوة من أجل الحياة وخطوة من أجل الفكر. منذ أسبوع وأنا أحسّ بألم في جنبي الأيمن، كل شيء محتمل، صحيح أنني استهلكت نفسي بما فيه الكفاية، لكن لولا ذلك لانتحرت منذ زمان... هذا المساء اخترت اسمهان، انها أكثر حميمية من أم كلثوم، لا أحب إلا قديمها، لقد توقّف ذوقي عند الأطلال والرباعيات وربما الآهات، لا أملك الا نسخة واحدة من «الخبز الحافي» يلزمني استنساخها، وهذا يتطلب مئة درهم لا أملكها، سأدبرها... لقد بدأت أنقح رواية «السوق الداخلي» من جديد لأطبعها على نفقتي الخاصة في انتظار كتابة رواية جديدة. ... ما زلت أعيش مع أم كلثوم في أدوارها القديمة، لأنها تذكرني بتلك الأزمة التطوانية مستمعاً اليها والبرد قارس،... لم أبدأ عزلة الكتاب الحقيقية، ربما إذا بدأتها فلن أخرج منها، جوته يقول: الميول تتربى في الجماعة، أما العبقرية ففي الوحدة، إنه محقّ... فكرت في الذهاب الى آزيلا عند المهدي أخريف، لكن جيوبي شبه مثقوبة وخشيت ان تكون جيوبه مثل جيوبي. كتبت قصة جديدة عنوانها «الأرامل: أنا محظوظ كوني ما زلت أعزب، ان معظم الذين تزوّجوا من رفاقنا انتهوا أدبياً، صاروا يتفرّجون في التلفزة ويلعبون الورق مع أخوة الزوجة والجيران... المجلات الشرقية لم تعد تدفع المستحقات الا لمن يكتب عن الانتصارات الحربية الكاذبة... أفديه ان حفظ الهوى أو ضيّعه». ... يتدخل محمد برادة، باسم الصداقة، ليعاتب محمد شكري او يلومه، وقد يعنفه أحياناً على تقصيره في الكتابة واندفاعه وراء نزواته وإهماله لنفسه. «أنا أريدك صديقاً جسوراً على مواجهة الحياة اليومية، على تغيير منهجك وأسلوبك في الحياة، على مواصلة السير لاستشراف آفاق بكر من التجارب والمغامرات... وفي هذا التغيير تكون اللذة وتتجدّد وتتعمق... وبه تتخلّص من التبعية لوسط، أعرف أنك تحتقره، شرطك القاسي لن تزيله الصعلكة وحريق الضوء مع أخلاط الناس... بل إن التوازن هو الذي يعيد للصعلكة والمغامرة والسفر طعمه المتميّز، ويجعلك قادراً على تحمّل غباء العالم وغبنه... فالكتابة، بشكل ما، انتصار خفي، يحققه الكاتب ضد عدو لا مرئي». ويرّد محمد شكري على هذه النصائح بعبثية مطلقة ينظمها على شكل مقطوعات ساخرة، لا ترابط بينها، سوى سيولة الأفكار التي يتدفق بها دماغ مشوش، آخر الليل، ويمكن ان نقتنص منها: «لن أسير في الماء، أريد أن أسير حيث أترك أثري، الإنسان هو أثره، حتى ولو جاء من يريد ان يمحوه». «كل انسان يدافع عن المكان الذي يريد ان يموت فيه، أنا لم أدافع بعد حتى عن المكان الذي أعيش فيه، المحطات كثيرة للعيش او للموت، طوبى لمن يعيش او يموت في البحر، من لم ينغمس في دم الحياة لا يحق له أن يتكلم عن الجرح...» ... في الرسائل أسرار كثيرة بين الاثنين، برادة وشكري، ممّا لا يمكن ان يكتب في كتب أدبية، وفيها آراء في الكتابة والكتاب، لقاءات كثيرة، صديقات وأصدقاء، أدباء من المغرب والمشرق وأماكن أخرى، تنتقل بنا في مدن وعواصم فتنتشر في كل الجهات، ويظل أجمل ما فيها «الصدق» الذي كتبت به، لأنها لم تكن للنشر