بيان الكتب: يجمع هذا الكتاب الذي صدر نهاية 2001 مع بدء عام 2002 مقالات تعود لأكثر من ربع قرن، منذ عام 1975-2000، هي حصيلة ما نشره الكاتب الاسباني المعروف خوان جويتسولو في المجال الآخر ـ غير الأدب ـ الذي يستحوذ على اهتمامه وانشغاله، ألا هو مجال السياسة والمجتمع، والمعروف عن جويتسولو (وبعض اهم أعماله مترجم الى العربية منذ سنوات) المكانة الكبيرة التي يحتلها بوصفه روائياً من طراز متميز وصاحب تجديدات تؤشر لمكانته وطليعيته في هذا الاتجاه باتفاق النقد الاسباني نفسه، ولعل ذكر بعض اعماله الروائية ما يمنحنا تصوراً أولياً، وهي مثل: بطاقة هوية، مطالب الدون خوليان، الأربعينية، مقبرة وغيرها. والمتتبع لنشاطات هذا الكاتب يدرك حجم المسئولية التي يتبناها بوصفه كاتباً ملتزماً في الاشارة والكتابة والدفاع عن مظاهر الامتزاج والتعايش ما بين الثقافات والأديان والاثنيات المختلفة، بشكل يمثل فيه ظاهرة فريدة من نوعها تنبع من داخل المجتمع الاوروبي بشكل عام والاسباني بشكل خاص، ولعل موقفه في الدفاع عن القضايا العربية بشكل عام والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص وتشجيعه لأسماء معروفة للسفر معه الى فلسطين لمناصرة القضية الفلسطينية اثناء الحصار والتدخل العسكري الاسرائيلي الاخير ما يمنحنا تصوراً لأحد مواقفه الثابتة، ولعل اخبار رحلة المفكر برفقة صاحبي نوبل ساراماجو وسوينكا مع آخرين كانت قطب الاهتمام والانتباه العالمي بشكل اصبح معروفاً، من هنا نستطيع البدء بتناول كتابه الاخير هذا، وان لم يكن الاول في هذا الحقل فقد اصدر في حقل الكتابة النقدية كتباً مهمة مثل: حوليات اسلامية، شجرة الأدب، من السكة الى مكة واخريات. لعل اول ما يسترعي انتباه القارئ في هذا الكتاب يتأتى من عنوانه الغريب (طير يوسخ عشه)، وهنا يشرح جويتسولو في مقدمة الكتاب بأن العنوان استوحاه من قول لصاحب نوبل الألماني جونتر جراس في تصنيف له لنوعين من الكتاب، اولها ينعتهم بالحمام المروض، المستعد لارضاء رغبة السلطة وهم بأية حال لا يغنون ثقافة البلد ويكونون بالضد من اي تجديد ممكن، اما الصنف الآخر، فأولئك الذين لا ينظر لهم بعين الرضا، وهم موضع جدل ونقاش، واسماهم جراس بالكتاب الذين يوسخون اعشاشهم الخاص نسبة لمثل جاري. ويفترض جويتسولو نفسه من ضمن الصنف الثاني، على الرغم من تأكيده بأن الكاتب في حقيقة الامر لا يوسخ عشه، انما العش هو الذي تفوح منه روائح عفنة. يقسم جويتسولو كتابه الى ستة أبواب بعناوين رئيسية، يضم كل عنوان اكثر من بحث ومقال يرتبط بالآخر بخيط وعلاقة وطيدة، سواء في الفترة او المكان او القضية نفسها، ففي القسم الاول من الكتاب المعنون: (من اسبانيا الفرانكوية حتى اسبانيا بيدرو المظفر)، اي من عهد الدكتاتورية الى عصر انحطاط الثقافة متمثلة هنا بالعنصر السينمائي لفترة نهاية السبعينيات وانتشاره الواسع في الثمانينيات عبر نموذج افلام المخرج بيدرو المظفر، والتي يرى فيها المؤلف نوعاً مغلفاً لنمط الشخصية الاسبانية المستلبة تتقاطع محاور المقالات هنا حول مظهرين هما سياسة الثقافة وتراث التركيبة المجتمعية الوطنية الاسبانية التي يصفها بالـ «التركيبة المخصية» ومن المقالات التي تضمنها هذا القسم يتناول جويتسولو في أولاها وهي التي كتبت بعد وفاة فرانكو بخمسة ايام يراجع فيها جويتسولو بشكل واقعي نمط الاسباني واسبانيا عبر البناء والهدم منذ آخر امجادها بفقدان نفوذها على مستعمراتها في امريكا اللاتينية حتى آخر ايام الدكتاتورية الفرانكوية كما انه يركز على جوانب اخرى مثل مسائل الديمقراطية ما بين المنطق والطرق الانتهازية للأحزاب الوارثة لفترة الانتقال من دكتاتورية فرانكو الى عصر اسبانيا الداخلة بقوة في اوروبا، وهو في تناوله للوضع في اسبانيا انما يلجأ لمراجعة واسعة لم تخل من الاشارة الى اي مرجع مهم يدخل في تركيبة البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية للبلد. وهو هنا يعاود بمشهدية مفتوحة متأنية وقراءة صائبة وعميقة لكل ما يدخل في بناء اسبانيا اليوم، يعود لقراءاته السابقة، لجذور الثقافة المزيجة، للماضي الاسباني، ولمرجعيات التلقي والرفض التي تبنتها القومية الاسبانية سواء في تمثيلاتها الدكتاتورية السابقة او في اعلى نظمها الديمقراطية اليوم. وفي جانب آخر يتناول جويتسولو ما يتعلق باسبانيا بمقالات اخرى حول اخلاقيات التكون لدى المجتمع الاسباني وثقافته المبنية على كليشهات متعددة ولكنها تنبع من مركز واحد هو تلك الطهرانية الكاثوليكية الظاهرة والتي ورثتها كتحصيل مناقض لا يمكن تفسيره سوى بالعلاقة الجدلية لتركيبة الاسبان والنظر للاخر بوصفه نمطاً ناقصاً. ومن هنا تتأتى آراؤه الصريحة في مسألة الاختلاف الثقافي والجنسي والطبقي لبلده وما يراه في اوروبا وما عليه مناطق اخرى مثل المنطقة العربية. اما المقالات التي جمعها المؤلف في باب (الاسلام والغرب)، فهي تتناول بشكل وبآخر ما يجري من تقارب او اختلاف ومن جذب وتنافر او بمعنى مبسط تلك العلاقة المبطنة لحدين متقابلين هما الاسلام والغرب الكاثوليكي. ومن بين مقالاته المهمة تحليله لظاهرة المجتمعات المسلمة في اوروبا الحديثة، الاختلاف، الألفة، الهجرة، العنف والعنصرية، في نصوص اخرى يمنح حيزاً موسعاً لأكثر من جانب حول حرب الخليج والتي تضم مقالات كتبت قبل بداية الحرب وضرب العراق واخرى بعد عملية عاصفة الصحراء، وفيها تقرأ ملخص ما يقره الكاتب بأن من الفظاعة واللاديمقراطية الغربية ان يتم تدمير ومعاقبة شعب بسبب من ذنب تقترفه حكومته التي لم ينتخبها بنفسه وليس له اية قوة للعمل على تغييرها، ومنها يجر الحديث حول القضية الكردية بكافة ابعادها الاقليمية والدولية متناولاً بالتفصيل تاريخ الشعب الكردي ومأساته الممتدة على امتداد تاريخ المنطقة. المنطقة نفسها التي لا يغادرها دون التعرض لمسألة تركيا اليوم، اثار كمال اتاتورك البادية لليوم، مسألة الانتماء القومي ومعضلة الأقليات الاخرى وحروب الارض نفسها المتداخلة بعضها ببعض. اما الجانب المهم الآخر في الكتاب فهي المقالات المطولة التي تتعلق بمصير منطقة الشرق الاوسط ففيها يتناول حسب رأيه لأهم مظاهر المثقف الفلسطيني، والثقافة الفلسطينية في المهجر عبر قراءته لافكار ادوارد سعيد في اكثر من موضع، ثم انه سيصف في اكثر من موضع آخر رحلاته للأراضي المحتلة لغرض تسجيل فيلم وثائقي بعنوان: بلا حرب وبلا سلام، والتي ينقل لنا عبرها وقائع الاحتلال الاسرائيلي للمنطقة، وما شاهده وما عاشه هو شخصياً قبل الفلسطينيين، ولموقفه ونقله الصريح والواقعي للوضع جعل منه شخصاً مشبوهاً مما حدا بالأمن الاسرائيلي ان يعيده الى نفس الطائرة التي جاء بها. من جانب آخر يضم الكتاب تحليلات جويتسولو لظواهر العنف والصدام ما بين الاحزاب الدينية والحكومات في المغرب العربي، متخذاً من نموذج الجزائر خيطاً لتحليل الظاهرة، وهي النقطة التي تناولها في كتاب آخر هو: الجزائر في العاصفة، وايضاً كتاباته المشتركة في الموضوع نفسه مع الكاتب الفرنسي من اصل جزائري سامي نائير. من المواضع الاخرى التي اخذت حيزاً واسعاً من كتاب جويتسولو هذا هي ما كتبه حول حروب البلقان وبالتحديد حول البوسنة، وهنا يضمن المقالات التي كتبها في مناسبات مختلفة ولم ينشرها في كتابه المهم المخصص لهذا الشأن ونعني به كتاب: دفتر سراييفو 1993 يعترف جويتسولو بأن رحلته نهاية التسعينيات الى المنطقة كانت نقطة اولى لمعاينة آثار ما جرى في المنطقة من قتل وتدمير ومسح كامل بدعوة الاختلاف الاثني او الديني. من هنا ايضاً كما يذكر في جانب آخر جاءت فكرة روايته (حصار الحصارات) ومن جملة نطق بها عبر الهاتف اثناء زيارته الثالثة للمنطقة ومنها تبدأ احداث الرواية والتي يقول فيها: «سقط فوقنا طوفان من النار» هذا الطوفان سيبقى يحياه على مدار هذه الشهادات المقالات لأهوال الحرب وحكايات ووثائق ما سجله عن الناس مما جرى خلال تلك الفترة، والتي من بينها عمليات الابادة التي شنها القادة الصرب، وكذلك الاشارات المتكررة من قبله لدور القوات الدولية المتواجدة، والتي كان اغلبها متواطئاً بشكل وبآخر، بل ومشارك في عمليات الابادة. وفي هذا الموضع ومثله في فلسطين يكون جويتسولو قد استرجع اهوال الحروب ومنها الحرب الاهلية الاسبانية وما جرى لعائلته نفسها وفقدانه لأمه آنذاك. ان تناول خوان جويتسولو في كتابه (طير يوسخ عشه) لكل هذه المظاهر السياسية التي تجتاح العالم، لم يكن بمعزل تام عن دراسته لمظاهر ثقافية ـ اجتماعية متداخلة مع خيط هذه المواضيع وغيرها. فعبر مواضع عديدة يتناول ظواهر القمع الدكتاتوري التي تتبناها دول رأسمالية مثل امريكا واخرى شيوعية مثل الاتحاد السوفييتي السابق، مستشهداً بنماذج متعددة لحالات خرق لحقوق الانسان. كما انه يناقش في مقالات اخرى افكاراً عن الديمقراطية والحرية ومناقشة لافكار مفكرين مثل ماركس او اوكتافيو باث حتى آخرين معاصرين لجويتسولو مثل البيرواني فارجاس ليوسا. دون ان ننسى مناقشاته المتأنية لمواضيع الدين والسياسة واثرها على المثقف في مقالات عن الروسيان تولستوي وليرمنتوف والاسباني جالدوس وكتابه الموسوم رسائل مغربية والكوبي ليثاما ليما ومعضلة التواجد والنقيض وسلمان رشدي وروايته الآيات الشيطانية، مثلها مثل العولمة او مظاهر العداء الثقافي والاختلاف التي تتبناها اوروبا الحديثة عبر ما جرى من مظاهر عنصرية تجتاح اوروبا منذ وقت طويل. ان خوان جويتسولو في كتابه هذا يجمع ما خرج به من حصيلة استطلاع وقراءة متأنية ومشاركة ذاتية في بقاع مختلفة تربطه معها كما يذكر نفسه وحدة المصير الانساني، انما يجدد عبرها موقفه الاخلاقي الملتزم ورؤيته الثاقبة لما يدور في العالم اليوم، وهو وان كان في مكان اقامته الدائم في مدينة مراكش المغربية، انما يستطلع العالم برؤية تجعله متوحداً معها بصفة تامة. مدريد ـ عبدالهادي سعدون