بيان الكتب: في هذه الفترة التي تمر بها فرنسا كثير من التساؤلات حول «هويتها» بطريقة او بأخرى اثر الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي وصل فيها ممثل اليمين المتطرف جان ماري لوبن الى الدورة الانتخابية الثانية ليتنازع مع الرئيس جاك شيراك المنصب الرئاسي. اذا كان قد قيل الكثير عمّا اسماه العديد من المحللين بـ «الاستثناء الفرنسي»، فإن هذا الكتاب يبحث تحديداً في حقيقة هذا الاستثناء.. ويحاول المؤلف «ميشيل وينوك» ان يكشف عن الجذور الاولى للعديد من الظواهر التي يشهدها المجتمع الفرنسي اليوم وعلى رأسها تنامي ظاهرة اليمين المتطرف ورفض الاجانب وفي طليعة هؤلاء العرب والمسلمين الذين يتشكل اغلبيتهم من مواطني بلدان شمال افريقيا العربية الثلاث، اي الجزائر والمغرب وتونس. ان المادة الاساسية لهذا الكتاب تتمثل في الدروس التي كان المؤلف قد ألقاها من موقع الاستاذ الجامعي على طلبته حول سنوات ما قبل الحرب العالمية الاولى في فرنسا. وهكذا يجد القاريء رؤية شمولية «بانورامية» لمختلف التيارات السياسية التي كانت تشكل محرك السياسة الفرنسية خلال تلك الفترة. ويبدو من خلال التحليلات المقدّمة بان هناك عدة «خصوصيات» لـ «الاستثناء الفرنسي». وتتمثل الخصوصية الاولى في كون ان نهوض النزعة القومية في فرنسا كان مختلفاً عمّا شهدته عدة بلدان اوروبية اخرى مثل ايطاليا والمانيا اللتين عرفتا وصول تيارات قومية فاشية ونازية الى السلطة.. بينما بقيت النزعة القومية الفرنسية، ورغم وجود بعض المكونات الفاشية فيها، هامشية ولم تتوصل ابداً الى السلطة.. ومن هنا تأتي اهمية مؤشرات الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت خلال الايام السابقة. وتتمثل الخصوصية الثانية في تأصل «القيم الجمهورية» في الوقت الذي كانت التيارات الاشتراكية تتقدم باعتبارها القوة السياسية المسيطرة لدى معسكر اليسار. ان المؤلف يفتح في هذا السياق قوسين لدراسة حالة اليسار الفرنسي الذي يرى بانه بتعبيره الاشتراكي، قد واجه باستمرار منافسة شديدة من «الجمهوريين الراديكاليين» على يمينه، ومن «الشيوعيين» على يساره. ويرى المؤلف في المحصلة بان سنوات ما قبل الحرب العالمية الاولى كانت هي الاكثر ازدهاراً في التاريخ الفرنسي الحديث وهي الفترة التي مثّل فيها «اندريه جيد» النزعة الفردية و«موريس باريز» النزعة القومية والفيلسوف «الان» القيم الجمهورية و«جان جوريس» التوجه الاشتراكي. ان هذه التوجهات المتمايزة تجد اليوم صداها في المشهد السياسي الفرنسي، هذا ما يؤكده المؤلف ويقدم براهينه وحججه عليه