بيان الكتب: تعيش بعض الأمم فترات حرجة في حياتها تؤثر على أجيال كاملة تكاد تفصلها عن التطورات التي تحدث من حولها فتجد نفسها فجأة تعيش في فراغ، ولا يبقى منها محافظا على تراثه سوى ذلك الجزء، الذي يعيش في مناطق منعزلة عن الثقافة الشعبية التي لا تتأثر بتلك الفترات، وهذا حدث في معظم دول اميركا اللاتينية التي عاشت منذ «فتح» كولومبس لها عام 1492 حتى بداية تحررها في منتصف القرن الثامن عشر، لكن هذا التحرر جاء بعد أن قضى الأسبان على معظم ثقافة تلك الشعوب من خلال نهب كل ما يمكن ان يكون معدنا ثمينا بغض النظر عما يحتويه هذا المعدن من كتابات هي التأريخ الحقيقي لتلك الشعوب. ثم كانت عمليات اغتصاب الأراضي من ملاكها وتحويلها من ملكية شائعة عامة للجميع كما كانت تحت أيدي القبائل الأصلية التي كانت تسكن تلك القارة الشاسعة لتتحول إلى إقطاعيات يملكها غاصبون لا علاقة لهم بتلك الأرض سوى الحصول على محاصيلها، وتحول السكان الأصليون بالتالي إلى مجرد عبيد يعملون على تلك الأرض دون أن تكون لهم حقوق من أي نوع. خلال تلك الفترة كبرت الإقطاعيات التي يملكها غرباء جاءوا من أوروبا بحثا عن الثروات السهلة، وتم فصل السكان الأصليين عن تجمعاتهم الطبيعية فكان أول تأثير على ذلك انقطاع أطفال تلك القبائل التي تمثل الأجيال المستقبلية منهم عن تراثهم الثقافي الذي كانوا يتربون عليه بشكل «شفهي»، وزاد هذا الفصل عن هذا التراث بمنع هؤلاء من التعليم الذي كان يحصل عليه القلة من أبناء الغزاة الأجانب وبشكل أقل نطاقا بين الأبناء «المولدين» من أمهات ينتمين إلى السكان الأصليين من آباء ينتمون إلى الغزاة. هذا الفصل التعسفي لأجيال متتالية وطوال قرون من أبناء السكان الأصليين لشعوب اميركا اللاتينية الذين يسمونهم تجاوزا «الهنود الحمر» أدى إلى انحسار ما يمكن أن نسميه «أدب الطفل»، بكل ما يحويه من حكايات تؤسس اللبنات الأولى في تربية الطفل ذهنيا وأخلاقيا، لينزوي بين القلة القليلة من تلك القبائل التي نأت بنفسها عن التجمعات السكانية الكبيرة هربا من اغتصاب الغزاة سكان القارة الجدد، وبهذا تم القضاء على معظم التراث الشفهي لهذه القبائل التي كانت حبيسة الرعب خوفا من العبودية أو تتفرق في الغابات والجبال بحثا عن حياة اكثر استقرارا بعيدا عن تلك التجمعات. من هنا افتقدن معظم شعوب أميركا اللاتينية إلى ما يمكن أن نسميه «أدب الطفل»، وظل هذا الوضع يتفاقم نظرا لغياب سياسة تعليمية بعيدة عن السياسة التي يطبقها المستعمر، فالمدارس القليلة التي كان يذهب إليها أطفال الغزاة والقلة القليلة من المولدين كانت تطبق مناهج تعليمية إسبانية خالصة، أي يقرأ الطفل خلال تعليمه قصصا عن عالم لا يعرفه ولا يمكنه ان يلمسه بيده، لذلك يكون المنهج غريبا عن البيئة التي ينشأ فيها الطفل، فيكون التأثير سلبيا بالطبع لأنه لا يتعامل مع مفردات الحياة اليومية المحيطة به. هذا ما رصدته الباحثة الإسبانية الشهيرة المتخصصة في أدب الطفل «كارمن برافو فياسنتي» عندما حاولت الاقتراب من عالم أدب الأطفال في أميركا اللاتينية خلال دراسة موسعة تقع في ما يقل قليلا عن ألف صفحة قسمتها إلى جزأين حتى يمكن الاطلاع عليها بشكل مريح. تقول الباحثة في تقديمها للدراسة التي ضمنتها مختارات من أدب الطفل المكتوب في أميركا اللاتينية، أن هذا الانفصال شبه الكامل لأجيال كاملة من شعوب أميركا اللاتينية كان يمكنه أن يستمر لولا جهود بعض الساسة الثوريين الجدد الذين كافحوا وناضلوا من اجل إنهاء التبعية لإسبانيا وغيرها من القوى الاستعمارية التي تقاسمت بقايا الإرث الاستعماري الإسباني، لأنهم بعد أن حصلوا على تحررهم من هذه التبعية اكتشفوا انهم يخضعون لتبعية أقسى، وهي تبعية اللغة، ونظرا لصعوبة التخلص من هذه التبعية اللغوية بالعودة إلى اللغات الأصلية، لأنها لغات شفهية غير مكتوبة، فقد قرروا نشر المدارس التعليمية وتشجيع التأليف للأطفال والصبيان حتى تكون لتلك المدارس مناهجها التي تنأى عن التبعية من خلال حكايات وقصص شيقة نابعة من البيئة الوطنية.أول وأبرز هؤلاء الساسة الزعيم الثوري الأرجنتيني «دومينجو فاوستينو «سامينتو (18111888)» الذي قال «أن أطفال بوينس ايريس الأكثر ذكاء في كل أميركا اللاتينية لا يقرءون شيئا مكتوبا في الكتب على الإطلاق، وان كانت لبعضهم تطلعات أو حب للقراءة فلن يجدوا غير الصحف السيارة.. لذلك فان ذكاء هؤلاء الأطفال يظل ساكنا طوال فترة الطفولة، وينتهي إلى التلاشي نظرا لعدم استخدامه في الاطلاع. ربما كانت هذه النظرة الثاقبة لأهمية القراءة من الصغر التي دخلت كجزء من برنامج تعليمي متكامل أحد أهم الإضافات التي أضافها هذا المناضل الأرجنتيني في بلاده، بل وفي القارة باكملها، على الرغم من انه عندما وصل حزبه إلى السلطة كان يدير وزارة الأشغال العامة التي لا علاقة لها بالتعليم. مع ذلك كان برنامج وزير الأشغال في الأرجنتين كان وراء انتشار هذه الشبكة الواسعة من المدارس لتعليم الأطفال في المدن والقرى ووصلت حتى أقصى السهول والجبال التي تزخر بها معظم أميركا اللاتينية، لان برنامج ««سامينتو» امتد ليشمل العديد من هذه الدول نتيجة لسنوات المنفى التي عاشها في معظم هذه الدول حاملا معه هذا البرنامج الذي كان في الحقيقة بداية النهاية للتبعية الاستعمارية. نظرا لغياب أدب طفل مكتوب لتدريسه في تلك المدارس كان المعلمون يبذلون جهودا كبيرة لابتداع القصص التي يستقونها من تجاربهم الخاصة أو يحاولون تحويل القليل الذي يحصلون عليه من القصص الشفهي الموروث من الثقافات القديمة إلى قصص مكتوبة. بل ويشجع بعضهم الرواة القلائل الذين كانوا لا يزالون يتجولون بين القرى البعيدة يقصون الحكايات عن فترات الغزو الأولى ويلونونها برؤيتهم لما حدث خلال عمليات الاستعمار الأولى، وان كانوا يغلفونها بقصص حب تقع بين الجانبين كنوع من الهروب من رقابة بعض الحكام الذين بقوا على ارتباطهم بثقافة الدولة المستعمرة إسبانيا على الرغم من انتهاء هذا الاستعمار. هذه الحركة التعليمية وجهود المعلمين الأوائل فتحت الطريق أمام أجيال جديدة من كتاب قصص الأطفال، بعض هؤلاء الكاتب ينتمون إلى صفوة الكتاب في معظم أميركا اللاتينية، ومن ابرز تلك الأسماء الشاعر والقصصي النيكاراجوي «روبين داريو (18671916)» الذي يعتبر كتابه «أزرق» بداية التجديد في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية في إسبانيا وأميركا اللاتينية على حد سواء، ويتم التاريخ للأدب المعاصر بصدوره. تقسم الباحثة كارمن برافو فياسنتي كتابها إلى جزأين أساسيين، بعد المقدمة العامة الشاملة، وفي كل جزء تخصص فصلا كاملا لكل دولة على حدة من الدول التي تتكون منها قارة أميركا اللاتينية، سواء الناطقة باللغة الأسبانية أو الناطقة باللغة البرتغالية. في كل فصل تقدم مسحا شاملا من الناحيتين التاريخية والجغرافية لكل بلد ثم تختار بعض افضل كتاب قصص الأطفال لتحدثنا عن كل منهم وموجز لأهم أعمالهم، ثم تتبع ذلك بمختارات من القصص المكتوب نثرا و شعرا. ربما اكثر مناطق الإبداع في أدب الطفل تتركز في الأرجنتين التي كان لها الفضل في الريادة في هذا المجال بفضل انتماء «سارمينتو» إليها، واتخاذه منها نقطة انطلاق للنضال ضد الاستعمار في كل القارة. ثم تأتي التشيلية في المكانة الثانية أيضا لارتباطها بسارمينتو الذي وجد فيها أول ملجأ للمنفى بعد ان بدأت القوات المناهضة لأفكاره في مطاردته، فلم يركن إلى العمل في صحافتها فقط ككاتب مقال سياسي بل قدم لها برنامجه الدراسي لتطبيقه في تشيلي بعد أن أجبرته الحكومات العسكرية الموالية للاستعمار على سحب هذا البرنامج من المدارس الأرجنتينية. فيما تحتل كل من كوبا وكولومبيا مرتبة ثانية في مجال الإبداع في أدب الأطفال متقدمة على العديد من الدول الأخرى الأكثر كثافة سكانية في القارة الأمريكية اللاتينية على الرغم من انهما من ناحية الكثافة السكانية يحتلون ذيل قائمة تلك الدول، وفي رأي الباحثة أن التقدم في كتابة قصص الأطفال في دولة مثل كوبا ما قبل ثورة كاسترو يعود إلى أنها كانت مركزا من مراكز بيع العبيد الأفارقة الذي جاءوا إلى العالم الجديد محملين بتراث ثقافي خاص بهم، امتزج مع ما عثروا على بقاياه في الجزيرة فكون نصوصا لها خصوصيتها وجعلها اكثر إغراء للأطفال من غيرها من القصص التي حاول البعض استيرادها من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يعود معظمها إلى إبداعات كتاب أوروبيين أو من أصول أوروبية مما يجعلها لا تتناسب مع أطفال الشعوب التي تسكن جنوب القارة. مدريد ـ د. طلعت شاهين