يعتبر ادوارد لتواك احد الباحثين الكبار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. وقد كان مستشاراً في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية الامريكية، وسلاح الجو الامريكي ايضا وبالتالي فالرجل ذو خبرة واسعة في شتى المجالات. كما انه يكتب بشكل منتظم مقالات نقدية في الملحق الادبي لجريدة «التايمز»، ومجلة لندن لمراجعة الكتب، وجرائد اخرى عديدة. وهو مؤلف الكثير من الكتب وبالأخص كتاب بعنوان: انقلاب عسكري «صادر عن جامعة هارفارد». وفي كتابه الجديد هذا يحاول الباحث ان يحدد معنى الاستراتيجية، وكذلك منطق السلام ومنطق الحرب. وتتميز دراسته بالنزعة التاريخية. فهو لا يتحدث فقط عن الاستراتيجية المتبعة في العصور الحديثة، وانما يعود الى الماضي البعيد ايضا لكي يقارن بين استراتيجية العصور السابقة واستراتيجيتنا نحن. وهذه الدراسة المقارنة تلقي أضواء ساطعة على الموضوع وتجعلنا نفهم المتغيرات التي طرأت على الاستراتيجية العسكرية على مدار التاريخ. ويرى الباحث منذ البداية ان الاستراتيجية تخضع لمنطق تناقضي. فهي تقول لنا ما يلي: لكي تحصل على السلام حضّر للحرب! فاذا كنت قوياً، مسلحاً بشكل جيد فلن يتجرأ احد على مهاجمتك. بل سوف يهابك الجميع ويتحاشونك. وهذه قاعدة تنطبق على كل العصور. والواقع ان المثل الروماني هو الذي يقول لنا ذلك. ويتحدث المؤلف في كتابه هذا عن مختلف مستويات الاستراتيجية بدءاً من التكتيكات الصغيرة، وانتهاء بالمخططات الاستراتيجية الكبرى. ويتوقف المؤلف مطولاً عند الاستراتيجية الحربية التي اتبعتها الولايات المتحدة الامريكية اثناء حرب الخليج ضد العراق من اجل تحرير الكويت. فقد اعتمدت اساساً على سلاح الطيران والقصف الجوي عن بعد لكي تتحاشى وقوع الخسائر البشرية في صفوف القوات الامريكية الى اقصى حد ممكن. ولذلك جربتها امريكا مرة ثانية في افغانستان من اجل تدمير نظام طالبان وقوات القاعدة التابعة لاسامة بن لادن. وكانت النتيجة ايجابية من وجهة النظر الامريكية. نلاحظ ان الكتاب ينقسم الى ثلاثة اقسام اساسية. القسم الاول بعنوان: منطق الاستراتيجية. وهو ينقسم بدوره الى اربعة فصول. الاول يتحدث عن الاستخدام الواعي للتناقض في الحرب. والثاني يتحدث عن منطق الممارسة والعمل. والثالث يتناول موضوع الفعالية واسباب النجاح. والرابع يتحدث عن تلاقي المتضادات. اما القسم الثاني في الكتاب فيتخذ العنوان التالي: مستويات الاستراتيجية. وهو ينقسم الى ثمانية فصول تتخذ العناوين التالية: المستوى التقني للاستراتيجية. المستوى التكتيكي للاستراتيجية المستوى العمليّاتي للاستراتيجية. مسرح الاستراتيجية رقم واحد: الخيارات العسكرية والخيارات السياسية. مسرح الاستراتيجية رقم اثنين: الهجوم والدفاع. مسرح الاستراتيجية رقم ثلاثة: المنع والهجوم المفاجيء. الاستراتيجيات البحرية، والجوية، والذرية. انبعاث الاستراتيجية المعتمدة على سلاح الجو والطيران. واما القسم الثالث والاخير من الكتاب فيحمل العنوان التالي: الحصيلة، الاستراتيجية الكبرى وهو ينقسم بدوره الى أربعة فصول. يتحدث الاول عن مجال الاستراتيجية الكبرى او مداها. ويتحدث الثاني عن الاقناع المسلح او الردع المسلح بالاحرى. ويتحدث الثالث عن مشكلة الانسجام واللا انسجام في الحرب. ويطرح الرابع السؤال التالي: ما هي فائدة الاستراتيجية؟ هل الاستراتيجية مفيدة؟ وبالطبع فان الجواب هو بالايجاب لانه لا يمكن التوصل الى اي هدف بدون استراتيجية واضحة ومحنّكة. وكل القادة العسكريين في التاريخ من امثال الاسكندر المقدوني او نابليون بونابرت او سواهما هم استراتيجيون كبار. وهم لا يخوضون الحرب الا بعد وضع خطة استراتيجية متكاملة. وكلما كان القائد العسكري عبقرياً كلما كانت استراتيجيته محكمة ودقيقة. ولكن كل معركة حربية هي عبارة عن تجربة فريدة من نوعها. وبالتالي فلا يمكن ان تتكرر الاستراتيجية نفسها في كل الحروب. فالمعركة الكبرى هي نتاج عدة عوامل ذات خصوصية واضحة ومرتبطة بكل حالة. انها نتاج الظرف التاريخي، والتضاريس الجغرافية، والقوى العسكرية المنخرطة في الحرب، والاهداف السياسية المحددة لها، والتكنولوجيا المستخدمة، بل وحتى المناخ والظروف الجوية... ويلعب عامل المفاجأة دوراً كبيراً في الانتصار على العدو. واكبر دليل على ذلك نكسة الخامس من يونيو عام 1967 عندما باغتت الغارات الاسرائيلية سلاح الطيران المصري. ولكن هناك امثلة عديدة اخرى على عامل المفاجأة ودوره في الحروب. وهناك ايضا عامل المخاطرة او المجازفة. فالقائد العسكري الكبير لا يتردد احياناً عن المخاطرة بجيشه من اجل تحقيق اهداف عسكرية ضخمة. وكثيراً ما ينجح في ذلك. ولكنه اذا ما فشل في المجازفة فان الهزيمة تكون ساحقة احياناً. ومن القادة المشهورين بالجرأة على المجازفة والمخاطرة نابليون بونابرت. ولكن مجازفته في معركة «واترلو» كانت اكبر مما يجب فدفع الثمن باهظاً ومني بهزيمة عسكرية لم يقم منها فيما بعد. وربما أنسته كل الانتصارات التي كان قد حققها سابقاً. ويرى مؤلف الكتاب ان الحرب يمكن ان تكون شراً كبيراً، ولكنها قد تكون مفيدة في بعض الاحيان. فعن طريق الحرب يمكن تدمير الاسلحة الموجودة لدى الطرفين، وبالتالي فتصبح الحرب بعدئذ مستحيلة وتتوقف عندئذ من تلقاء ذاتها. وبعد ان تبلغ الحرب مرحلة الذروة يمكن ان تنقلب الى نقيضها: اي الى نوع من الهدنة او وقف اطلاق النار، او حتى السلام الدائم، واحيانا تصبح الحرب ضرورة اجبارية لان قوى الشر طغت وبغت ولا يمكن ايقافها عند حدها الا باللجوء الى القوة وبالتالي فالحرب ليست شراً كلها او ليست شراً في المطلق وانما تصبح مبررة ومشروعة في بعض الظروف. وهناك فرق بين الحرب الاهلية، اي الداخلية، والحرب الخارجية التي تجري بين دولتين مثلاً. فالحرب الاهلية تكون موضعية في الغالب ولا تشمل مناطق واسعة. فمثلاً كانت الحرب الاهلية في سريلانكا قد استمرت سنوات طويلة في الشمال، هذا في حين ان السيّاح الاجانب ظلوا يتدفقون على المناطق الجنوبية من البلاد حيث توجد الشواطيء الجميلة.. وفي السودان انحصرت الحرب الاهلية في الجنوب، بها وكانت فصلية تشتمل على بعض فصول السنة وتخفّ حدتها في بعض فصولها الاخرى. ولكن الخصيصة السلبية والمدمرة في الحروب الاهلية هي انها قد تستمر لفترة طويلة من الزمن وتؤدي الى انهاك البلاد والعباد. اما الحروب الكبرى التي تجري بين دولتين فلا تستطيع ان تستمر طويلاً لان كثافتها تؤدي عاجلاً او آجلاً الى انهاك الخصمين وبالتالي الى ايقافها ويمكن للحرب ان تؤدي الى السلام والاستقرار اذا ما انتهت بالانتصار الكامل لاحد الخصمين على الخصم الاخر. وعندئذ تكون النتيجة ايجابية، وبخاصة اذا ما كان الانتصار سريعاً ولم يحدث أضراراً مدنية كبيرة. ويلاحظ الخبراء الاستراتيجيون ان القوى العظمى لم تعد تسمح للقوى الصغرى بخوض الحروب فيما بينها حتى النهاية. بعد نهاية الحرب الباردة لم يعد الامريكان والروس راغبين في التدخل في حروب الدول الصغرى كما كان يحصل سابقاً. وهذا ما أدى الى خسارة العرب لحليفهم الاستراتيجي في مواجهة اسرائيل ونقصد به الاتحاد السوفييتي. واصبحت الحرب العربية ـ الاسرائيلية الشاملة شبه مستحيلة نظراً لاختلال موازين القوى لصالح اسرائيل. ولهذا السبب ايضا فان الاتحاد السوفييتي ـ او لنقل روسيا ـ لم تحرك ساكناً عندما هاجمت امريكا العراق من اجل اخراجه من الكويت. وكذلك الامر فيما يخص تدخل روسيا في الشيشان فقد اكتفى الغرب بالاحتجاج اللفظي فقط. ويقول الخبير الاستراتيجي ادوارد لتواك هذا الكلام الغريب والعميق: يمكن للسلام ان يكون اصل الحرب بأشكال مختلفة. كيف؟ عن طريق خلق الشروط المسبقة التي تهييء للحرب. فالسلام يفرض على طرف ما عدم تسليح نفسه او تقوية دفاعاته. وعندئذ يمكن لاي معتدٍ محتمل ان يهاجمه طمعاً في السيطرة على ارزاقه وأمواله. هكذا نلاحظ ان السلام قد ينقلب الى نقيضه او يؤدي الى عكس النتيجة المتوخاة منه. وغالباً ما أدى السلام في التاريخ الى اندلاع الحروب في نهاية المطاف. ففترة السلام اذا ما طالت تؤدي الى حصول متغيرات ديمغرافية، وثقافية، واقتصادية، واجتماعية. وهذه المتغيرات الطارئة تؤدي بدورها الى حدوث انقلاب في موازين القوى. وعندئذ يقوم الطرف القوي بالاعتداء على الطرف الضعيف. والواقع ان تاريخ البشرية كان عبارة عن تعاقب فترات الحرب على فترات السلام. فلا الحروب تدوم ولا فترات السلام تدوم ابدياً. وانما نحن ننتقل من حالة الى حالة بحسب الظروف والمنعطفات التاريخية. نضرب كمثل على هذه المتغيرات التي أدت الى اندلاع الحروب بين القوى العظمى ما يلي. بعد حصول الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر اصبحت بعض الدول الاوروبية اكثر غنى بالحديد والفحم والمحركات البخارية والاساطيل والجيوش من غيرها. وعندئذ هجمت عليها وكسرتها وأذلّتها في عقر دارها احياناً. هذا ما فعلته المانيا بقيادة بسمارك ضد فرنسا بقيادة الامبراطور نابليون الثالث. فالمانيا كانت دولة مسالمة قبل ذلك التاريخ. ولكن بعد ان نجحت في مجال الصناعة المدنية والعسكرية وأحست بقوتها وعلمت انها سوف تنتصر اذا ما اشتعلت الحرب مع جارتها فانها قررت الهجوم عليها. وما كان بامكان فرنسا تحاشي الحرب لانها لا تستطيع ان تقبل بتفوق المانيا عليها بعد ان كانت هي المتفوقة في العصور السابقة. ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن مهاجمة روسيا للامبراطورية العثمانية عام «1876»، او عن مهاجمة اليابان للصين عام 1894، او عن مهاجمة اليابان ذاتها لروسيا عام «1905». وقد استطاعت اليابان اذلال دول اكبر منها نظراً لتفوقها من الناحية التكنولوجية. هكذا نلاحظ ان استراتيجية الحرب والسلام تختلف باختلاف الاحوال والاوضاع. فعندما تكون دولة ما فقيرة وضعيفة فانها تبدو مسالمة وطيبة. ولكن ما ان تقوى وتزدهر حتى تبدأ بتهديد جاراتها.. وهذه هي طبيعة البشر افراداً كانوا ام دولاً. وهناك ظاهرة جديدة حصلت مؤخراً فيما يخص الاستراتيجيات الحربية وهي ان الدول المتقدمة لم تعد تقبل بسقوط ابنائها في ساح الوغى. انها تريد ان تحارب دون ان تخسر جندياً واحداً اذا امكن. وهذا امر مستحيل بالطبع، ولكنه دليل على تغير الاوضاع والعقليات. ولذلك يقول بعضهم بأننا دخلنا في عصر ما بعد البطولة او الرجولة في ساحة المعركة. والمقصود بذلك ان الناس في العصور القديمة كانوا يفتخرون بأنهم أبطال في المواجهة ولا يهربون منها حتى لو سقطوا صرعى فيها. كانت المعارك كلها تدور حول قصص البطولة والاستبسال والجرأة على مواجهة العدو وجهاً لوجه. ولكن الامور ابتدأت تتغير في السنوات الاخيرة واصبحت دول اوروبا او امريكا الشمالية غير راغبة في التضحية بجنودها. فما هو السبب يا ترى؟ يمكن القول انه في العصور القديمة كانت العائلة كبيرة ومستعدة للتضحية بولد او ولدين من اجل الدفاع عن الوطن. واما في العصر الحديث فقد اصبحت العائلة صغيرة ولا تزيد على ولد او ولدين، فكيف يمكن ان تضحي بهما؟ وماذا يتبقى لها بعدئذ؟ ولهذا السبب انسحبت امريكا من الصومال بعد ان سقط لها «18» جنديا فقط هناك عام 1993. وعندئذ راح بعضهم يشمت بها ويتهمها بالجبن والتخاذل. ولكن الواقع غير ذلك. فلم تعد معايير البطولة هي ذاتها كما كان عليه الحال في الماضي. او قل بأن عصر البطولة ولّى الى غير رجعة. فاذا لم تكن مصالح الدول الكبرى مهددة فإنها لن ترسل جنودها الى الخارج ولن تضحي بهم من اجل الصومال او غير الصومال. ولكنها ضحت بهم، او قل خاطرت بهم، من اجل الكويت لان مصالحها البترولية ضخمة في المنطقة ولكن فرنسا او ألمانيا او انجلترا رفضت ارسال جنودها الى البوسنة لمحاربة الصرب المعتدين لسبب بسيط: هو انه ليست لها مصالح حيوية هناك. يضاف الى ذلك عامل جديد لم يكن موجودا سابقا الا وهو: التلفزيون. فقد اصبحت صور المعارك والحروب تنقل مباشرة على شاشات التلفزيون. وأصبح الناس يرون صور القتلى والجرحى والدمار الهائل وهم جالسون في بيوتهم. ولم يعد الرأي العام في الدول المتقدمة كأمريكا وأوروبا يقبل بأن يرى صور أبنائه وهم يقتلون في الخارج، ولذلك اصبح القادة السياسيون واقعين تحت ضغط مباشر ولا يستطيعون اتخاذ قرار الحرب بسهولة كما كان يحصل سابقا. ولهذا السبب فإن امريكا تلجأ الى استراتيجية جديدة لم تكن معهودة سابقا: ألا وهي محاربة العدو عن بعد وعدم اتاحة الفرصة له لأن يشتبك بجنودها على الارض. وهكذا تقلل من حجم الخسائر البشرية الى اقصى حد ممكن وترضي الرأي العام الداخلي او تتحاشى غضبه على الاقل. فالرأي العام له وجود حقيقي في البلدان الديمقراطية. والحاكم مضطر لان يأخذ ذلك بعين الاعتبار والا هبطت شعبيته وخسر الانتخابات في الجولة المقبلة، وبالتالي الحكم. ولكن ليست هذه هي حال الدول الديكتاتورية التي لا أثر للشعب او للرأي العام فيها. نضرب على ذلك مثلا تلك الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدها الجيش السوفييتي في افغانستان في الثمانينيات. فلم تكن هناك تلفزيونات تصورها ولا وسائل اعلام تغطيها. ولو ان امريكا خسرت العدد نفسه من الجنود والضباط في افغانستان ذاتها لثار الشعب ثورة كبرى ولحصل زلزال سياسي فيها. ولكن روسيا الحالية لم تعد قادرة على خوض الحروب نفسها وتكبد الخسائر نفسها كما حصل سابقا. والسبب هو انها اصبحت ديمقراطية اكثر، وأصبح فيها برلمان يحاسب الحكومة على ما تفعله. في الواقع ان تأثير الصحافة المكتوبة او المنطوقة، اي الراديو، لا يعادل اطلاقا تأثير التلفزيون. فشاشات التلفزيون تكرر امام المشاهدين مرات ومرات صور القتل والدمار على مدار الساعة. وبالتالي فلم يعد ممكنا تجاهل ذلك. وأصبح الحكام في الدول الديمقراطية يتحاشون الانخراط في الحرب بقدر ما أمكن. وهذا الشيء هو الذي أملى عليهم تغيير الاستراتيجية القتالية. فلم تعد البطولة ان تضحي بآلاف الجنود في ساحة الوغى، وانما اصبحت في كيفية توفير حياتهم او التضحية بأقل عدد ممكن منهم. هذه هي البطولة المعاصرة، او البطولة في عصر الحداثة. حقا لقد تغيرت العصور كثيرا. ولم نعد نعيش في ذلك العصر الذي كان الناس فيه يتغنون ببطولات عنتر بن شداد، او الزير بوليلى المهلهل، او حتى نابليون بونابرت!