بيان الكتب: ساهم في تأليف هذا الكتاب مجموعة من الباحثين من بينهم بول كندي الذي يعتبر احد كبار المخططين الاستراتيجيين للولايات المتحدة بالاضافة الى كيسنجر، وبريجنسكي، وصموئيل هنتنجتون وآخرين. والبروفيسور كندي هو استاذ علم التاريخ ، في جامعة «ييل» والمدير المشرف على دراسات الامن الدولي في الجامعة نفسها. ومن أهم كتبه: صعود القوى العظمى وانهيارها. وهو من أهم الكتب الاستراتيجية التي ظهرت في السنوات الاخيرة ولا اعرف فيما اذا كان قد ترجم الى العربية ام لا. كما انه نشر مؤخراً كتابين عن تطور الافكار الخاصة بالأمم المتحدة والشئون الدولية في القرن العشرين. واما الباحث المسلم الوحيد الذي ساهم في تأليف كتاب فهو البروفيسور «عباس امانات» استاذ علم التاريخ الخاص بدراسات الشرق الاوسط في جامعة «ييل» ايضا. وكان قد ولد في ايران ودرس في جامعة طهران قبل ان يهاجر الى انجلترا ويكمل دراساته العليا في جامعة اكسفورد. وقد نشر عدة دراسات عن الدبلوماسية الامريكية في الشرق الاوسط وعن الاتجاهات المعاصرة في الاسلام. وهو الآن بصدد تحضير كتاب كامل عن تاريخ ايران الحديث. يرى البروفيسور بول كندي ان تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر اجبرت اميركا على اعادة النظر في سياستها الخارجية، وعلى تغيير اسلوب حياتها، ولم تعد تنظر الى العالم كما كانت تفعل سابقاً. فالضربة كانت من القوة بحيث انها أصابت اميركا في الصميم. ولم تتعرض السياسة الامريكية لمثل هذه المراجعة الشاملة الا عام «1941» عندما قررت الانخراط في الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء. واصبحت اولويات السياسة الامريكية تتمثل فيما يلي: ضرب الارهاب وجماعة ابن لادن في كل انحاء العالم. الدفاع عن كوريا الجنوبية اذا ما هوجمت من قبل كوريا الشمالية. وتكثيف الجهود الدبلوماسية والسياسية في آسيا الوسطى ومنطقة الخليج العربي. وهذا ما سيجبر اميركا على إهمال اميركا اللاتينية وافريقيا. لكن العمود الاساسي للاستراتيجية الامريكية سوف يكون ما يلي: المحافظة على القوة العسكرية الامريكية وضمان استمراريتها على الأمد الطويل. نقول ذلك وبخاصة ان العالم يدخل في مرحلة شديدة الاضطراب في بدايات هذا القرن الواحد والعشرين. وقد فهمت اميركا بعد احداث «11» سبتمبر ان قوتها العسكرية الضاربة هي وحدها القادرة على ضمان أمنها وسلامتها. ولهذا السبب زادت مخصصات وزارة الدفاع الى حد كبير في الآونة الاخيرة. والواقع ان اميركا تمتلك اوراقاً عديدة لا يمكن الاستهانة بها بحسب رأي البروفيسور كندي. صحيح ان عدد سكانها اقل من واحد على عشرين من عدد سكان العالم، ولكن منتوجها الاقتصادي يبلغ ثلث منتوج العالم كله. فقد ازدادت قوة الاقتصاد الامريكي في السنوات الاخيرة بسبب الضعف الذي طرأ على الاقتصاد الياباني، وكذلك بسبب زوال الاتحاد السوفييتي وهزيمة روسيا امامها. يضاف الى ذلك ان القوة العسكرية الامريكية تعادل في انفاقاتها اكثر من ثلث انفاقات دول العالم كله مجتمعة: اي مئة وتسعين دولة. وبالطبع فإن التفوق العلمي والتكنولوجي لاميركا على جميع الدول بما فيها دول اوروبا المتقدمة اصبح واضحاً للعيان. وشبكات الانترنت في اميركا تعادل 40% من شبكات الانترنت في العالم كله. وحصة اميركا من جوائز نوبل تزيد على 70% من حصة دول العالم الاخرى مجتمعة. ولكن اميركا مدعوة لأن تحافظ على قوتها وتفوقها لأطول فترة ممكنة. فهناك دول كبيرة تحاول منافستها او الوصول الى مستواها يوماً ما. من بين هذه الدول المرشحة للعب دور كبير في القرن الواحد والعشرين نذكر الصين، والهند، واليابان، والاتحاد الاوروبي، وروسيا بشكل خاص، ولكن لا يتوقع لأي واحدة من هذه القوى ان تتفوق على اميركا في المدى المنظور. فسوف تظل القوة العظمى الوحيدة في العالم في العقود المقبلة من السنين. ولكن الى متى؟ سوف يكون من السهل على اميركا ان تحافظ على قوتها العسكرية الى اطول فترة ممكنة، ولكن نقاط ضعفها تكمن في بعض الجوانب الثانوية او التي قد تبدو ثانوية للوهلة الاولى. وأهم هذه الجوانب ظاهرة الارهاب الجديد وشبكاته المعقدة. فمحاربته أصعب على اميركا من محاربة الجيوش النظامية. وهناك نقطة ثانية تضعف من موقف اميركا في مواجهة أعدائها. وهي ان الشعب الامريكي يريد من حكومته ان تخوض المعارك والحروب وان تنتصر دون ان تسقط ضحايا امريكية وهذا امر مستحيل. وبالتالي فلكي تستطيع اميركا ان تحافظ على أمنها وهيبتها الدولية فإن عليها ان تقبل بالخسائر البشرية من وقت الى آخر. لاريب في انها تحاول التقليل من حجم هذه الخسائر الى اقصى حد ممكن عن طريق مواجهة الاعداء من بعيد، اي من السماء وبواسطة الطائرات العملاقة، او من البحر والبر عن طريق الصواريخ البعيدة المدى. ولكن هذا لا يكفي على الرغم من فعاليته وفعالية التكنولوجيا العسكرية الامريكية ذات الكفاءة العالية. ففي لحظة ما سوف تضطر اميركا الى مواجهة العدو وجهاً لوجه على الارض. وعندئذ سوف تسقط ضحايا بدون شك. وينبغي على الرأي العام الامريكي ان يقبل بذلك. بالاضافة الى التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي يمكن لاميركا ان تستخدم سلاحاً اخر لممارسة نفوذها في العالم، الا وهو سلاح الدبلوماسية. فعن طريق هيمنتها على الأمم المتحدة والمنظمات العالمية الاخرى كمنظمة التجارة العالمية، والدول السبع الكبار، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، فانها تستطيع ان تخضع معظم دول العالم لإرادتها. ولا ينبغي ان نستهين بسلاح الدبلوماسية اذا ما كان مرفقاً بالقوة العسكرية والاقتصادية. يضاف الى ذلك ان سلاح الدبلوماسية اذا ما استخدم بشكل جيد فإنه يؤدي الى تحسين علاقات اميركا مع العالم الاسلامي وبالتالي مواجهة ظاهرة الارهاب الدولي بشكل افضل. ولكن اميركا مضطرة لتقديم بعض التنازلات الى الدول التي تمتلك حق الفيتو في مجلس الامن كالصين وروسيا من اجل تحرير سياساتها على المستوى الدولي. كما وينبغي ان تأخذ بعين الاعتبار مطالب الدول النامية الجديدة كالهند، والبرازيل، والمانيا، واليابان. وهي دول تطالب الآن بدخول مجلس الامن كأعضاء دائمين. ولا تستطيع اميركا رفض هذا الطلب الى الأبد. ففرنسا او انجلترا لم تعودا اكثر اهمية من هذه الدول. يضاف الى ذلك ان على اميركا ان تراجع سياستها تجاه الانظمة الديكتاتورية والاصولية التي كانت تدعمها سابقاً طيلة الحرب الباردة ضد الشيوعية. ويرى البروفيسور بول كندي ان سياسة اميركا مستقبلاً تجاه أية دولة سوف تكون مشروطة بمدى محاربة هذه الدولة للشبكات الارهابية او عدم محاربتها. ولكن هناك دول تلعب لعبة مزدوجة، بمعنى انها تتظاهر لمحاربة الارهاب علناً ثم تدعمه في الواقع سراً. وهذه اشياء ينبغي تعريتها او فضحها. نقول ذلك على الرغم من ان هذا ليس بالأمر اليسير وقد يعقد علاقات اميركا الدبلوماسية مع العديد من الدول. ويخلص البروفيسور كندي في نهاية بحثه الى قول ما يلي: ان اميركا تمتلك في الوقت الراهن كل الامكانيات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والثقافية التي تتيح لها ان تحافظ على موقعها المهيمن في العالم. ولكن ينبغي عليها ان تستخدم هذه الامكانيات بحكمة وعقلانية لكي تطيل من أمد هيمنتها الى اقصى حد ممكن. فالحكمة في السياسة، كما في كل شيء، هي أساس النجاح والتوفيق. اما البروفيسور عباس امانات فيكتب بحثاً مطولاً بعنوان: التسلّط من خلال العنف. اعادة تشكل التطرف الاسلامي. وقد جاء فيه ما يلي: لقد بذلت الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية الاخرى جهوداً كبيرة ومشكورة للتفريق بين الحركات المتطرفة وبين الاسلام بصفته ديناً ومعتقداً. ووجود الجاليات الاسلامية العديدة في دول الغرب ساعد على هذا التمييز لحسن الحظ. فمعظم افرادها يعيشون اسلامهم بشكل رزين وصحيح ومسالم. وكلنا يأمل بأن يكون ابن لادن مع منظمته «القاعدة» عبارة عن شذوذ بالنسبة للتيار الاسلامي العريض. فديننا دين الرحمة والهداية لا دين التطرف والضلال. اذا ما ترسخ هذا المفهوم العقلاني والحضاري للاسلام فإنه سوف يساعد على الحوار والتعايش السلمي بين المجتمعات الاسلامية والمجتمعات غير الاسلامية سواء أكانت غربية ام شرقية. ولكن لا يمكن فصل ظاهرة التطرف الديني عن المشاكل الكبرى التي تعاني منها منطقة الشرق الاوسط وعن كيفية تدخل السياسة الغربية من اوروبية وامريكية فيها. فكل شيء مرتبط بكل شيء. وينبغي ان يعلم الغربيون ان الدعوة للعقل ليست موجودة في تراثهم فقط، وانما في القرآن الكريم ايضا. فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على استخدام العقل والتبصّر والروية. وهناك تراث انساني وعقلاني كبير في الاسلام وبخاصة في العصر الذهبي اثناء ازدهار العلم والفلسفة. وقد استمر حتى القرن الخامس عشر فيما يخص مدينة «هراة» الواقعة في شمال غرب افغانستان. فقد ازدهرت فيها الفنون والعلوم والآداب وفن العمارة واشتهرت بجامعها الكبير. لقد كانت مركزاً للنهضة الانسانية ولا تقل أهمية عن المدن الايطالية التي شهدت حركة النهضة في العصر ذاته. ومن المؤسف ان حكم الطالبان عاد بها قروناً الى الوراء مثلما فعل بأفغانستان كلها. ومن المؤسف اكثر انه دمّر اجمل التماثيل بعد ذلك في منطقة باميان الواقعة وسط افغانستان. ولكن على الاميركان ان يعرفوا ايضا انهم قصفوا هذه المدينة التي كانت مركزاً للحضارة يوماً ما. ينبغي العلم بأن الغرب مسئول ايضا عن ظهور الحركات المتطرفة في العالم الاسلامي. فضغط الغرب على منطقة الشرق الاوسط وانشاء دولة اسرائيل على حساب فلسطين والفلسطينيين ادى الى اختلال التوازن في المنطقة. ينبغي العلم بان هذه المنطقة الممتدة من مصر الى تركيا، ومن افغانستان الى اليمن شهدت عشرة حروب على الاقل بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت الضحايا بالملايين. وتم تهجير ملايين اخرى من قراهم ومناطقهم، كما وحصل تدمير للبنى الاقتصادية والمؤسسات السياسية على صعيد واسع. هذا دون ان نتحدث عن الفقر والجوع. كل هذه العوامل ساهمت في ظهور حركات التطرف. نذكر من بين الحروب التي شنّها الغرب على منطقة الشرق الاوسط، حرب السويس التي قامت بها انجلترا وفرنسا ضد مصر بمشاركة اسرائيل عام 1956. ونذكر ايضا حرب الاتحاد السوفييتي الطويلة والمكلفة ضد افغانستان في الثمانينيات. ونذكر الحرب الامريكية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1990 ـ 1991. ونذكر الحروب العربية ـ الاسرائيلية الخمس. ونذكر الحرب الاهلية اللبنانية التي ساهمت الأيدي الخارجية في إشعالها او تغذيتها وبخاصة الأيدي الاسرائيلية والامريكية. ونذكر ايضا تلك الحرب الرهيبة التي جرت بين العراق وايران واستمرت ثماني سنوات.. ولم تكن الايدي الخارجية ببعيدة عنها وان بشكل غير مباشر. وبالتالي فالغرب مسئول عن دمار هذه المنطقة ونموّ حركات التطرف فيها. وهو الآن يشكو مما اقترفت يداه! ولا ينبغي ان ننسى دور الانظمة الديكتاتورية وانسداد الآفاق السياسية والديمقراطية في ظهور الحركات الاصولية. فإذا كان الشارع عاجزاً عن التعبير عن نفسه من خلال اللعبة السياسية الطبيعية، اي الديمقراطية، فانه يلجأ الى العنف للتعبير عن مطامعه وآماله وعذابه وضيق حاله... ثم يردف الباحث الايراني البروفيسور عباس امانات قائلاً: نعم ان الغرب مسئول بشكل مباشر او غير مباشر عن معظم ازمات المنطقة منذ ان كان قد شنّ عليها حملاته الاستعمارية في القرن التاسع عشر وحتى اليوم. فمصير الشرق الاوسط ومصادره البترولية يتحكم بهما الغرب. والغرب لا يمكنه الا وأن يهتم بالشرق الاوسط، اما لغايات استراتيجية معينة، واما من اجل دعم اسرائيل، واما من اجل السيطرة على الثروات النفطية الضخمة، او اما من اجل كل ذلك دفعة واحدة. وفي نهاية بحثه يوجه البروفيسور عباس امانات هذا الكلام العقلاني الى الولايات المتحدة والقادة الغربيين. انه يقول لهم بما معناه: لن تحصلوا على الامن فقط عن طريق تحويل اميركا الى قلعة محصنة او عن طريق ملاحقة الشبكات الارهابية في شتى انحاء العالم، فالحل الأمني او العسكري له حدوده التي يتوقف عندها. اما الحل الأنجح والأمثل فيكمن في مساعدة الدول العربية والاسلامية على الانفتاح، والديمقراطية، وحل مشاكل الفقر والجوع عن طريق تنمية معقولة ومدعومة من قبل الغرب الغني. ينبغي ان تساعدوا القوى المعتدلة والعقلانية في العالم الاسلامي وهي موجودة والحمد لله، وان كانت أصوات المتطرفين تغطّي عليها احياناً. ينبغي ان تشجعوا على التسامح الديني في هذه المجتمعات، وعلى احترام حقوق الانسان، والتقيد بدولة الحق والقانون ما أمكن. فعن هذا الطريق وحده يمكن القضاء على الارهاب واجتثاثه من جذوره لان اسبابه تكون قد زالت. اما اذا ما استمريتم في السياسة الأمنية والعسكرية بدون اي تعويض او مقابل فان النتيجة ستكون صداماً مروعاً وطويل الأمد بين عالم الاسلام وعالم الغرب. وهذا ما ينبغي تحاشيه بأي شكل لانه سيعود بالضرر على الجميع. ينبغي ان يعلم الغرب ان المجتمعات العربية والاسلامية ليست يائسة ولا عاثرة الحظ الى الحد الذي يتوهمه، ففيها طاقات كبيرة، وأصوات عقلانية عديدة تدعو الى التسامح والتعايش والتفاهم مع ثقافة الغرب والثقافات الاخرى ايضا. وهناك مفكرون مسلمون عديدون يدافعون عن النظام العالمي الجديد القائم على العدالة والإخاء والتفاهم بين الشعوب. وبالتالي فليس كل الناس ابن لادن او سواه. ويكفي للدلالة على ذلك ان ننظر الى ما يحدث في ايران حالياً. فبعد عشرين سنة من الثورة وتأسيس نظام اصولي قمعي نلاحظ ان الشعب بدأ يملّ من هذا الوضع ويحلم بالانفتاح والحرية والديمقراطية. اصبح يحلم بدولة الحق والقانون والمجتمع المنفتح والفهم المتسامح وغير المتزمت للدين. واصبح التيار الاصلاحي قوياً ومنتشراً جداً في أوساط المثقفين والطلاب وسواهم. وهكذا انعكس الوضع عما كان عليه قبل عشرين سنة او حتى عشر سنوات. وبالتالي فهناك متغيرات ايجابية تحصل في المجتمعات الاسلامية ولا يحق للغرب ان يهملها. لا يحق للغرب ان يتهم كل المسلمين بالتعصب والتزمت كما تفعل احياناً وسائل الاعلام. فهو عندئذ يلعب لعبة المتطرفين ويسييء كثيراً الى القوى التحديثية والتنويرية الموجودة في مختلف المجتمعات العربية والاسلامية. وفي النهاية يمكن القول بأن هذا الكتاب يلقي اضواء ساطعة على احداث «11» سبتمبر ويشرح لنا كيفية فهم علماء اميركا لها، وما هي الحلول التي يقترحونها لعدم تكرار ما حدث. فمن الواضح ان السياسة الامريكية ما بعد «11» سبتمبر لن تكون هي السياسة الامريكية ما قبل ذلك التاريخ. فكل اولويات هذه السياسة موجهة حالياً لمحاربة ما يدعونه بشبكات الارهاب الدولي. والسؤال الذي يطرحه مؤلفو الكتاب هو التالي، ما الذي حدث يوم «11» سبتمبر، ولماذا حدث؟ وبالتالي فالقاريء العربي الذي يريد ان يفهم وجهة نظر المثقفين الاميركان ما عليه الا ان يقرأ هذا الكتاب الملح والعاجل