بيان الكتب: مارسيل هيناف، هو باحث اقتصادي، لكن اهتمامه الاول هو البعد الانساني للاقتصاد، وقد سبق له وقدّم العديد من المؤلفات التي «تمزج» بين الاقتصاد والفلسفة والاخلاق. وله ايضاً العديد من المساهمات في الدوريات المختصة. ومن الملاحظ ان العقدين الأخيرين قد شهدا عدداً كبيراً من الكتب ذات البعد الاقتصادي ـ الفلسفي والتي جعلت من مسألة «الهبة» او «العطاء» احد نقاط اهتمامها وذلك على اساس ان مثل هذه الممارسة تخرج عن اطار القواعد الاقتصادية السائدة. ولعلّ السؤال الاساسي الذي يتم طرحه في هذا السياق يتعلق بمعرفة اذا كان «العطاء» يندرج ضمن اطار منطق اقتصادي «ابدي» وملازم للطبيعة الانسانية ذاتها التي تميل نحو مساعدة الاخر وحيث ان مختلف الشرائع قد أكّدت على فضيلة «الاحسان» ام انه يعبر عن ممارسة سابقة لكل ما هو اقتصادي او على الاقل «خارجة» عن اي منطق اقتصادي. ان الجميع يتفقون اليوم على القول بان الاقتصاد هو صاحب «السيادة» في العصر الراهن، و«الدائرة الاقتصادية» هي التي تسيطر على «العقول» وعلى «حياة الناس». ان هذا الكتاب «ثمن الحقيقة» هو في واقع الأمر مساهمة تاريخية وفلسفية لترمي الى دراسة عدة مفاهيم ذات طبيعة اقتصادية، وتنتمي الى هذه الدرجة او تلك لـ «القاموس الاقتصادي» مثل «الهبة» و«الديون» و«المال»... لكن الخلفية التي ينطلق المؤلف منها هي بالدرجة الاولى «فلسفية» اذ يذكر اولاً ويذكّر بـ «الادانة» التي كان اب الفلسفة الغربية سقراط ـ احد آبائها على الأقل ـ قد اطلقها ضد «السفسطائيين» الذين كان همهم بنظره هو «المحاججة» وليس البحث عن الحقيقة. هذا في الوقت الذي كان سقراط يعتقد بان «العلم والمعرفة والحكمة» بمثابة «كل» واحد لا يمكن تجزئته وبالتالي لا يمكن لاي ثمن ان يعادل اياً منها اي انها اكبر من أية «قيمة تجارية» تطال «السلع» فقط وليس «المعارف». واذا كان الفيلسوف سقراط يعتبر السفسطائيين الذين كانوا يعتبرون انفسهم بمثابة «اساتذة للحكمة» ويقترحون «بيعها» للآخرين انما كانوا اساتذة مزيفين، فان مؤلف هذا الكتاب يرى بان بعض القيم هي «أغلى» من ان يطالها اي ثمن في عصر الرأسمالية التي تتصرف وكأنها قادرة على الحصول على كل ما تريده بـ «ثمن». ان النظام الرأسمالي يسعى، كما يراه، الى «اختزال كل ظاهرة» لـ «قيمتها الرأسمالية كسلعة» اي انها «مصدر للربح» و«شيء قابل للمبادلة بالنقد ـ العملة». ان الخطورة الكبرى التي ينطوي عليها مثل هذا المنطق «السلعي» تأتي في واقع ان مفهوم «المنفعة»، القابلة للترجمة برأس مال، قد عمّ على كل شيء ووصل الى اكثر الامور صميمية مثل «تجارة» اعضاء الجسد التي اصبحت شبكات عديدة في العالم تقوم بها.. هذا في الوقت الذي كان منطق «العطاء» وحده هو الذي ساد عبر «تبرع» البشر بـ «اعضائهم» عند موتهم وبوصية سابقة، للطب، اي لكائن بشري اخر يقول مؤلف هذا الكتاب: «يمكن للمرء ان يتساءل عمّا اذا كانت الآلة الضخمة للاقتصاد ذي الصبغة العالمية لا تمثل الوسيلة الأخيرة والنهائية للانتهاء من منطق العطاء». ويعتمد مؤلف هذا الكتاب كثيراً في تحليلاته على الافكار التي كان عالم الاجتماع الكبير «فاكس فيبر» قد طرحها. وخاصة ما يتعلق منها «بالدور الحاسم» الذي يلعبه «العامل الديني» في المجتمعات الحديثة، ويدرس المؤلف ايضاً الآليات التي أدّت الى «كبت» الكثير من طقوس «الأضحية» التي كانت تمارس في المجتمعات البدائية. واذا كانت المجتمعات الرأسمالية الحديثة تتسم بقدر كبير من النزعة الفردية وسيطرة الذهنية الاقتصادية على ما عداها، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد من جهة اخرى، بأنه بمقدار ما «يستولي» الاقتصاد على المجتمع ينفتح الأفق أكثر فأكثر من اجل امكانية الممارسة «الفردية» للعطاء. لكن بالعكس، وبمقدار ما يصبح العطاء قضية شخصية و«داخلية» يستطيع السوق ان يفرض سيطرته اكثر على الصعيد الاجتماعي. ذلك ان «الاخلاق الخاصة» تأخذ مكان «الطقوس العامة» ان المؤلف يشرح في هذا السياق ما يسميه «جدل الخاص والعام» في ميدان العطاء و«التضحية». وتتمثل الآلية الاساسية التي تحكم صيرورة المجتمعات الحديثة في واقع ان هذه المجتمعات تطلب من القانون ان «يحقق النظام والاستقرار العامين» وتطلب من السوق ان «ينظم معيشة الناس» واخيرا تطلب من «ممارسة العطاء» ان «تولّد الروابط الاجتماعية» الضرورية. وهذا كله يقوم على مبدأ «التوازن» بين ما هو عام وما هو خاص.. بين «الأنا» و«الآخر» وحيث ينبغي باستمرار التخلّي عن جزء من «الأنا» من اجل «الاخر» ففي مجال «التبادل» بينهما تقوم وتتعزز الروابط الاجتماعية عبر «الاعتراف المتبادل» من كل طرف بالطرف الاخر. في احد جمله يقول الشاعر «مالارميه»: «ان الشعر ليس للبيع» ان «مارسيل هيناف» يؤكد في هذا الكتاب من جهته بانه لايزال هناك ما يقاوم «الانتصار النهائي للسوق».. ولكن دون ان يمت بصلة لاية نزعة من نزعات معاداة الحداثة.. انه «امر» يسمو عن اي ثمن.. وبهذا المعنى كان الفيلسوف الكبير سقراط الى جانب الحقيقة بينما كان السفسطائيون على خطأ بل و«مزيفين».. ان «الحقيقة لا تضاهى بثمن». ويضيف المؤلف عليها ما يفيد بان «الكرامة الانسانية» لا تضاهى هي الأخرى بثمن.. ولعل السؤال الذي يخطر الى الذهن هو: الى متى؟. «ثمن الحقيقة» كتاب يبحث مؤلفه عن «الحقيقة الانسانية» وتعبيراتها في «العطاء» و«التضحية» وسط حقائق الاقتصاد والسوق حيث كل شيء معروض للبيع