بيان الكتب: ثمة عالم جديد يتشكل لم تكتمل ملامحه بعد، وثمة عالم قديم ينسحب لم تسقط أفكاره ومفاهيمه ورؤاه بعد. وفي هذه اللحظة الفارقة المتغيرة الفضفاضة من تاريخ العالم تبزع مصطلحات ومسميات ومفاهيم جديدة تتسم بالسرعة غير المألوفة في محاولتها للتعبير، عن الظواهر المتغيرة. ثمة استراتيجيات لتسمية الحالة المتغيرة وجدل أيديولوجي صاخب حولها يدفع إلى الفوضى والتفكيك نحن في عالم المابعديات الذي يتشكل حولنا وأمامنا عاصفا بهياكل وأفكار وأنساق قيم وبنى إدراكية، وحواس وتواريخ ومحمولات ذاكرة إرتبطت بالحداثة وما قبلها وفي هذا الإطار الكلي تبدو أمامنا الحالة المصرية في الثقافة والسياسة والقيم والقانون والتقنية تتسم بالحرج ولهذا اختار الدكتور نبيل عبد الفتاح دراسة الحالة المصرية راصدا ومحللا أبعادها السياسية والثقافية إزاء تيار التحول العولمي وما بعد الحديث. يبدأ كتاب (اليوتوبيا والجحيم: قضايا الحداثة والعولمة في مصر) لنبيل عبد الفتاح بنقد عنيف وشامل لتاريخ المصطلحات الفلسفية والسياسية والثقافية والمعارف الحديثة في مصر، ويرى أن هذه المصطلحات مرت بسلسلة من التشويهات عبر نمط من التعريفات غير الدقيقة والأوصاف الأيديولوجية المبتذلة، ومن خلال الميل الشديد والسطحي للتوظيف المجازي لها في الخطابين السياسي والثقافي. فمصطلحات مثل العولمة والعلمانية والمجتمع المدني والدولة المدنية والقطيعة المعرفية وغيرها تعرضت لاضطهاد أيديولوجي شديد تحت ضربات استراتيجية التشوية العمدي من خلال السجالات الأيديولوجية التي تحاول فيها كل جماعة سياسية أو ثقافية إثبات وجودها ونفي الآخرين، ونتيجة لهذا التشويه المتعمد للمفاهيم تحول الحوار إلى شجار وفقد معناه. ويرصد المؤلف مجموعة من المتغيرات الاجتماعية المشوهه والتي ساهمت في إبتسار الحوار وتشويه الخطاب الصحي في السياسة والثقافة معا، ويأتي على رأس هذه المتغيرات ما حدث للطبقة الوسطى في مصر من تآكل ويقول، ولعل أخطر ما أدت إليه عمليات التآكل التدريجي للفئات الوسطى هو انعكاس ذلك كله على دورها ومكانتها الاجتماعية وتأثيرها السياسي، إذ ينتاب هذه الفئات شعور جماعي بالخوف وغياب الأمان والسكينة النفسية والاقتصادية، ولعل هذه السيكولوجيا المفزوعة والقلقة والمرعوبة من الإنهيار وغير الآمنة على غدها بالمعنى الحرفي للكلمة، هو أحد مفاتيح تفسير ضعف وغياب دور الفئات الوسطى في المجتمع، وربما هذا الهلع والضوضاء اللذين يسمان كتابات مثقفيها وصحفييها ومن ناحية أخرى أدى قلقها النفسي وصرف جل اهتماماتها نحو البحث عن استقرار ولو مؤقت إلى إهمال اهتماماتها التقليدية بنوعية التعليم والثقافة والفنون كأدوات للتكوين، وإعطاء ظهرها للسياسة والعمليات السياسية ومن ثم لمظاهر وأدوات العمل السياسي والمشاركة السياسية. ثم ينتقل المؤلف إلى تحليل أزمة الخطاب السياسي المرتبك ويحلل لغة النصوص السياسية المصرية في الخطابين الرسمي وغير الرسمي ليري أنها لغة متشابهه واحدة وأن كان كتابها كثيرون، فهي لغة مرتبكة غائمة المعاني، سائلة غير منضبطة مليئة بالصخب والصوت الدعائي الثرثاري الذي ينمط الحياة المصرية بإيقاعات اللغو. ويتساءل لماذا تتشابه هذه النصوص واللغة التي تضعها والرؤى التي تحملها أو تبشر بها، هل النص الصامت هو تعبير عن معنى كامن ـ في حقل اللغة والكتابة العربية ـ وليس عن معنى سائد في الحياة السياسية؟ هل نحن إزاء حالة من غياب الحرية؟ أعني حرية الكتابة والتعبير بإطلاق: هل نحن إزاء علاقة خاصة باللغة السياسية؟ هل التابو السياسي، أو المحرم السياسي، وصل إلى ذروة اعتقاله لعقل الكاتب السياسي المصري والعربي ولغته معا؟ لماذا يبدو إذن النص السياسي العربي ولغته وكأننا إزاء نص واحد في عمومه، وتفرق دمه بين أعمدة الصحف ومتون الكتب وحواشيها؟ هل نحن إزاء كاتب واحد يكتب بأسماء عديدة وموسوم بالأحادية والفراغ الذي ينتجة ويستهلكه معا ؟ أما مضمون النص السياسي فإنه يثير حفيظة كاتبنا ذلك النص الذي يقوم على الإطلاق واليقين المريب في عالم مفتوح على احتمالات لا نهائية ثمة نزعة غالبة في اللغة السياسية تميل إلى الجزم واليقين والقطع وتماثل حيثيات لغة الاحكام القضائية الجنائية. وهي حينا آخر لغة إتهامية حكيمة أي لغة تنتج ومعها إتهامات، ومن ثم تصنع متهمين في الحقيقة أو الوهم، أو الأوهام التي تصنع حقائقها ومن ثم لابد أن يكون هناك حكم بعد الإتهام. ويبدو هذا المنحنى جليا في اللغة السياسية التي تدور في مدارات الفضاء السياسي الداخلي للدولة والنخبة السياسية، أو دوائر غالب المعارضات السياسية، أو في نطاق الحزب السياسي الحاكم، وآلته الاعلامية الهائلة، وتزداد النزاعات العربية البينية حيث الإتهامات والأحكام القاسية والهجائية ترتفع إلى ذرى الإنشائية والحماسية الحادة، ومن ثم تتحول اللغة إلى آلة لصناعة التعمية والعماء السياسي. وفي دراسة لحالة المثقف العصري في مصر وأزماته يطرح المؤلف السؤال: من هو المثقف؟ هل هو الذي تعلم تعليما عصريا ؟ هل هو استاذ الجامعة؟ هل هو الذي يكتب عمودا في جريدة.. هل هو؟ هل هو؟ يجيب نبيل عبد الفتاح أن المثقف الذي نسعى جاهدين لوضعه تحت المجهر التحليلي، يتحدد في تقديرنا ـ ونرجو ألا نكون مخطئين في تعارضنا مع المثقف التقليدي المنتج، أو الذي يعيد تكرار أو إنتاج نظام الأفكار القديم، الذي يدور حول تأويل النصوص المقدسة والتفسيرات القديمة، وتتجلى تقليديته في لغته ومرجعياته فالمثقف الحديث هو الذي يطرح في نصه القيم الحداثية التي تدور حول حرية الإنسان وسلطاته في الحياة، حول فكرة وقيمه وسلوكه وبالفصل بين المرئي واللامرئي حول العلم الحديث ومنجزاته والتعدديات في السياسة والأديان والأعراق والقيم والثقافات وأن هذه المعايير كلها لا تفاضل بين إنسان وآخر في الفرص والمكانات والتقييم إلا على أسس المساواة والمواطنة والحقوق والحريات العامة كافة المنصوص عليها في دساتير الدول القومية الحديثة. ويصل نبيل عبد الفتاح إلى أزمة الجماعة والدور والمجال وهي الطامة الكبرى التي تؤدي إلى هشاشة المثقف وهامشيته. ويقول: إن أخطر ما في المشهد الثقافي المصري الراهن يتمثل في التنابذات والاستبعادات والهجاءات والتشويه الأيديولوجي والسياسي فضلا عن التذري والتشتت والفوضى. القاهرة ـ فتحي عامر