بيان الكتب: تشكل الصداقات الأدبية جسراً تمر من خلاله الأهداف النبيلة والغايات السامية إلى عالم واسع من البوح والمكاشفة، حيث يقول الأديب عن الاديب حقائق تضفي مزيداً من البهاء على شخصية صديقه وتكون مفتاحاً للدارسين مستقبلاً كي يرسموا وجه الكاتب بريشة صحيحة وواضحة. هذا هو فحوى المقال الذي كتبه الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز «نوبل 1982» عن صديقه الكولومبي الاخر ألفارو موتيس الذي منح مؤخراً جائزة سرفانتس 2001. المقال الذي كتبه ماركيز لا يعود إلى مناسبة منح موتيس جائزة سرفانتس، بل يعود إلى صداقة عميقة ربطت الاديبين الكبيرين قبل ذلك بأعوام كثيرة، وهو لا يمدح موتيس بقدر ما يتذكر ملامح من شخصية الصديق الذي يكن له المودات وتربطه أواصر محبة طفت حتى وصلت إلى حدود عائلتيهما، وبهذا الصدد يذكر ماركيز انه كان متوجهاً إلى مكان ما برفقة زوجته مرسيدس وتركا ابنهما في عهدة والدة موتيس التي كانت شديدة الاعتداد بنفسها وقليلة الاعتناء بالأطفال، وهذا ما كان حينما عاد الزوجان لتبلغهما بضياع طفلهما، ثم أردفت قائلة لا تقلقا كثيراً لان ألفارو ضاع مدة سبع سنوات، لكنه عاد اخيراً. وعندما يسرد ماركيز أحداثاً كهذه فهو يتذكرها من عمق الصداقة التي شدته إلى ذكريات معينة ليسردها في هذا المقال ناقضاً بذلك العهد الذي قطعه الصديقان موتيس وماركيز تجاه بعضهما الا يتحدث احدهما عن الاخر من أي موقع كان حتى تكبر الصداقة بصمت وتتعمق في الوجدان دونما استعراض أو ادعاء. ونحن اذ نعرض لهذا المقال في صفحتي الوسط فلأن ماركيز الاديب الذي جاء إلى القصة من عالم الصحافة نادراً ما يكتب مقالاً ادبياً، ولعلنا نجدها فرصة ملائمة لنقدم للقاريء اليوم تعريفاً بالروائي والشاعر ألفارو موتيس بقلم الروائي ماركيز الذي رسم صورة عاطفية شديدة النبل لأديب يكن له الحب والتقدير. هذه اللفتة اللطيفة ستقود القاريء الى سؤال جوهري، هل نشأت صداقات نبيلة كهذه في وسط يمور بالتنافس والغيرة، وتتقدم فيه المصالح على المشاعر وتطارد فيه الصفحات شبيهاتها لدى الاخرين محدثة الانزياح والتفوق، ورغم ما تحكمه تلك التنافسات من مواثيق شرف وعهود تصالح إلا ان الغيرة تبقى غيرة حتى لو اخذت مسميات جديدة أو نامت تحت سقف التنافس المألوف. لقد ربطت صداقات ادباء كثيرين فقد كان عزرا باوند صديقاً حميماً لارنست همنغواي وربطت تورغنيف صداقة مع تشيخوف كما الحال بين العقاد ومي زيادة وكذا الامر مع جبران خليل جبران وصداقة أحمد شوقي مع حافظ ابراهيم وفي يومنا الحاضر تمتد الصداقات لتثمر كلاماً عذباً كالذي كتبه محمد الماغوط عن زكريا تامر او ما يقوله حنا مينا عن الراحل سعد الله ونوس. الصداقات الأدبية كنز ثمين من اللغة العذبة الناعمة التي تطفو على السطح فتئد الضغائن وتذكّر الانسان بأجمل قيم الأنسنة وتعطيه فسحة للقول الطيب الذي يرتقي بالقاريء إلى عالم من الأحلام الجميلة وما نقدمه اليوم من قطعة ماركيز الرائعة يأتي في هذا السياق الذي يحمل عمقاً انسانياً ممزوجاً بسحر التصوير لعالم ضرب بعيداً في جذوره إذ ان صداقة ألفارو موتيس وغابرييل غارسيا ماركيز تعود إلى سنوات الخمسينيات عندما كان الشابان يضعان أولى خطواتهما على طريق الابداع، وها هما اليوم قامتان كبيرتان وقد نالا نصيباً وافراً من الشهرة ونصيباً أوفر من الحب العميق. حسين درويش