في لهجة متشنجة، ووجه عابس غضوب انبرى صحفي كبير ـ حلّ ضيفاً على احدى قنواتنا الفضائية ـ ليقول بنبرة حادة وصوت مدو: لماذا تتورط بعض الفضائيات العربية في اشراك رموز فكرية متشددة في برامجها الحوارية؟ لماذا تفتح الأبواب أمام هؤلاء المتزمتين، ويسمح لهم ليعبروا عن أفكارهم الخاصة أمام الجماهير؟! لو لم أكن شاهدة عيان على ذلك البرنامج لرفضت تصديق مثل هذا الخبر الغريب! ولشككت في قبوله خاصة وانه يطلق ـ من الفضاء ـ على مرأى من الناس ومسمع، ونحن نعيش في أوائل الألفية الثالثة حيث العالم كله ينادي ـ صباح مساء ـ بالحريات، وعدم تكميم الأفواه، وفتح المجال للرأي الآخر، ورفع الوصاية الفكرية عن الناس ليتمذهب كل انسان بما يقتنع به دون ارهاب أو حجب للآراء ووجهات النظر! الغريب ان تصدر الدعوة لتكميم الأفواه وحجب الأفكار من صحفي مخضرم فتح له المجال خلال سنوات عديدة ـ ولايزال مفتوحاً له ـ كي يصول ويجول على ساحات الصحف المحلية والعربية وتنعّم هو ـ قبل سواه ـ بأجواء مواتية كان فيها يعبّر عن آرائه وأفكاره دون ان يمنعه أحد، أو ان يقلل من شأن ما يقول!! لهذا السبب بالتحديد فإن مناداته بحجب آراء من لا يقتنع بهم تعتبر عقماً منه في التفكير، واستبداداً منه بالرأي ليس له ما يبرره ويجيزه! ولمثلي أن يسأله: لماذا أيها الكاتب المخضرم تخشى لمخالفيك في الرأي ان يظهروا عبر وسائل الإعلام إن كنت واثقاً من انهم نغمة نشاز، وصيحة مستهجنة تنفخ في رماد؟! لماذا تريد منع مخالفيك في الرأي من التعبير عن قناعاتهم إن كنت ترى ان أفكارهم لا تستحق البقاء، ولا تقوى على الصمود، وليس لها سند من منطق أو دليل؟! إن كنت موضوعياً ـ كما تدعي ـ فالواجب كان يتطلب منك عكس ذلك تماماً ليتم تلاقح الأفكار، وعرض الآراء وللمشاهد ـ بعد ذلك ـ أن يحكم لصالح هذا أو ذاك هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن كنت حقاً غيوراً على مصلحة الجمهور وسلامة ذوقه، فلماذا لم تدعُ الى تحجيم ـ ولا أقول حجب ـ تلك البرامج المفرّغة من أي مضمون والتي تستضيف من لا رأي لهم ولا انتماء، ولا وزن لهم في عالم الفن والأدب ليحدثونا ـ بلغة غاية في التهالك والإفلاس ـ عن انجازاتهم التي يردها الواقع، وتشهد الحياة بأنها أعمال هزيلة من الوزن الخفيف الذي يستهلك الانسان ويساهم في تسطيح الأفكار! لماذا لم تناد بايقاف ذلك العبث أو تقليص مساحته إن كنت حريصاً على حماية الأفكار والعقول؟! الغريب ان تضيق صدور البعض بتقبل المشاركة الحوارية في البرامج المفتوحة لمن يخالفونهم الرأي، ثم نرى هؤلاء البعض ينادون في مكان آخر بالتعددية والحزبية والحرية والمشاركة السياسية... ألستم معي إن ثمة تناقضاً صريحاً فيما يدعو إليه هؤلاء الناس؟!! مريم عبدالله النعيمي