حتى البارحة لم يلحظ زميلي وصديقي سامي الريامي ظاهرة المذيعات مقدمات الأخبار الرّياضية على شاشات القنوات العربية مع أنهن يُشكّلن ظاهرة. لا أدري ما إذا كان العيب في زميلي أو في المذيعات، لكني أعلم أن «الحق على الطليان»، ـ وليس معهم ـ إذ لم يكتشف الريامي وجود مذيعات رياضيات حتى شاهد القناة الإيطالية السابقة. ثمة ظاهرة تلفزيونية نسائية أخرى، شدّت انتباهي وهي جديرة باستقطاب التقدير، وتتمثل في كوكبة المراسلات الفلسطينيات اللواتي يخرجن من بين الأنقاض، وتحت القصف، وعند الحواجز ليلاً ونهاراً، ويقدمن توصيفاً للأحداث بالصورة والكلمة. معظم القنوات الفضائية العربية حرصت على مراسلة متفردة أو ضمن طاقم في تغطية وقائع الانتفاضة. بنات فلسطين احتكرن المهمة وتصدين لها، فلم توفد قناة مراسلة إلى ذلك الجحيم اليومي. رغم المنافسة المحمومة والمشروعة تتقاسم كوكبة المراسلات الفلسطينيات نسج طراز فاتن للمرأة العربية، إذ نسفن الصورة النمطية للمرأة المسكونة بالرعب حد الهروب من مسرح الأحداث الفاجعة بالموت والدمار، كما نسفت الكوكبة نفسها معايير الصورة الكلاسيكية للوجه التلفزيوني النسائي المشبّع بالأنوثة وحدها. ليس بينهن من تتباهى بمواصفات ملكة جمال، أو تلفت انتباهنا بأناقة فوق العادة، غير أنهن جميعاً يتمتعن بحضور مُحبب جعلهن في عداد أفراد العائلات داخل محيط الأسرة، إذ أصبحن وجوهاً مألوفة يستأثرن بالاهتمام والمتابعة. فمعظمنا ـ إن لم نكن كلنا ـ يعرف جيداً ليلى عودة، جيفارا البُديري، شيرين أبو عاقلة، شروق الأسعد، ديالا سعادة ونذكر المتوارية دانيلا خلف. هذه الكوكبة لم تستدرجهن إغراءات هادئة إلى الحقل الإعلامي فنحن نعرف أن العائد المادي في هذا الميدان لا يوازي الجهد، غير أن التماهي بين الانتماء للعمل والانتماء للوطن هو الذي دفع المُراسِلات الفلسطينيات إلى الوقوف أمام الكاميرا وأمام فوهات بنادق جنود الاحتلال. فليلى عودة أخت شهيد، ودانيلا خلف تنتمي لأب شهيد وجيفارا البديري ابنة مناضل مسكون بالرومانسية الثورية حد اطلاق اسم أسطورة النضال اللاتيني تشي جيفارا عليها. ربما يذكُر عدد غير قليل منّا مشهد عودة وقد انغرست رصاصة إسرائيلية في فخذها، بينما كانت تؤدي مهمتها اليومية، لكن مشهداً آخر يظل محفوراً في خاطري، ذلك الذي كانت شروق الأسعد في قبضة أربعة من جنود الاحتلال يُطبقون عليها في شراسة تفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة في التعامل مع البشر، دع عنك النساء خاصة. صورة شروق في ذلك المشهد مشدودة من ساعديها وشعرها تعبّر في بلاغة لا تُجارى عن جسارة المرأة الفلسطينية وتنطق عن جمال نادر وفتنة آسرة. هكذا تفرض المُراسِلات الحربيات الفلسطينيات مواصفات عربية عصرية للجمال والأنوثة، كما يحددن شروطاً عربية جديدة للوجوه النسائية التلفزيونية عبر هذا الأداء اليومي الذي يتّسم بالبساطة والأناقة المألوفة والجرأة والجسارة والقدرة على اقتحام الصعب ومعايشة الجثث المطمورة والمحروقة والمتفحمة والجروح النازفة والأجساد المشوّهة دونما وجل أو جفول. كما فرضت المُراسِلات الحربيات الفلسطينيات الاحترام بالحضور المهني والأفق السياسي المفتوح على القضية الوطنية ودفعن ضريبة يومية في أدائهن اليومي بالتعرض للضرب والركل والحبس والاعتقال. هكذا نستقبلهن في حميمية وإعجاب مقدرين أنهن يفتقدن أحياناً كثيرة دفقة الماء التي تكفي لتجديد نشاطهن أو المرايا التي يغازلن أمامها تقاطيعهن الدقيقة. نرفعهن فوق المقارنة التقليدية مع المذيعات الجالسات داخل الاستوديوهات وقد دأبن على تسليم أنفسهن ساعات طوال لخبراء الماكياج المجندين لتجميلهن وتذويقهن. وكثير منّا يُدرك التحسينات التي يضيفها أولئك الخبراء وقليل منّا يعرف اجتهاد مصممي الأزياء في إبراز مفاتن أو إخفاء معايب بعضهن، وهناك من يعلم مثلي آثار السيليكون البادية على مذيعات بلّوريات.